أخطاء فوق الإستراتيجية

الكاتب: المدير -
أخطاء فوق الإستراتيجية
"أخطاء فوق الإستراتيجية




كلنا يُخطئ، وللأخطاء أسبابُها، فمن أسبابِها الجهلُ بالأمر، ومنها سوء التقدير، ومنها التعجُّل، ومنها التباطؤ، ومنها النسيان، ومنها العزة بالإثم، وأسباب أخرى؛ يقول رسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم -: ((كلُّ بنِي آدم خطَّاء، وخيرُ الخطائين التوابون))[1].

 

يقع كل الناس في الأخطاء، ويفعلون ذلك وهم يعلمون أحيانًا، ولا يعلمون أحيانًا أخرى، والمشكلة ليست في الخطأ نفسِه؛ فنحن نخطأ كما أسلفنا؛ فعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ لكلِّ مؤمن ذنبًا قد اعتاده الفينة بعد الفينة، أو ذنبًا ليس بتاركه حتى يموت، أو تقوم عليه الساعة، إن المؤمن خُلق مذنبًا مُفتَّنًا خطَّاءً نسيًّا، فإن ذُكِّر ذَكَر))[2]، إنَّ المشكلة في حجم هذا الخطأ، وفي توقيته وطريقة التعامل معه.

 

فحين يكون الذنب صغيرًا، ولا يتعلق بأمور كبيرة بالنسبة للفرد نفسِه أو حتى بغيره، فبالإمكان الرجوع عنه، وترميمُ ما أفسده ذلك الذنبُ أو الخطأ، ولكن حين يتعلق بمصير ذلك الفرد أو طريقة حياته، أو حياة غيره، فالأمر سيكون كبيرًا، وربما ستترتَّب عليه عواقبُ وخيمة لا يمكن التراجعُ عنها أو ترميمها، وتلك سمَّيتُها: أخطاء فوق الإستراتيجية.

 

فالإصرار والعِناد في معصية الخالق، القادر على كل شيء - خطأٌ فادح، وخصوصًا إذا ما انتهت حياة الإنسان وهو على هذه الحال، فأحيانًا يغرُّ البعضَ أن الله - تعالى - يمدُّ لهم، فيستمرون على ما هم عليه، وهذا ما حصل مع عبدالله بن أُبي بن سلول رأس المنافقين في المدينة، فلقد كان فَرِحًا أنه لم يُجلَد في حادثة الإفك، وحتى بعد مماته صلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبذلك سيكون قد استنفد كلَّ الفُرَص التي أتيحت له، فبأي وجه سيُلاقي الله - تبارك وتعالى.




وسنتكلم هنا عن الأخطاء الكبيرة فوق (الإستراتيجية)، التي إن وقعت فستتسبَّب في مشاكل جمَّة، وقد قسمتها إلى ثلاثة أقسام:

الأول: أخطاء مع الله - سبحانه وتعالى -: وتأتي بالدرَجة الأساس مِن عدم المعرفة بالله - تبارك وتعالى - بمعنى آخَر: إخفاق شديد عِندنا في أن نَقدِر الله - تعالى - حقَّ قدره، وجاءت هذه القضية في القرآن الكريم في مقامَين:

• إخفاق في قدرتنا على استيعاب قدرة الله تعالى؛ قال - تعالى -: ? وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ? [الزمر: 67]؛ لهذا يقول أحد الصالحين: لا تنظر إلى حجْم المَعصيَة، ولكن انظر مَنْ عصَيت؛ فالله - تعالى - هو الإله، فالخطأ فوق الإستراتيجي أن يُعبَد غيره، وهنا لا نتكلم عن العبادة الصريحة كعبادة الأوثان، ولكن الكلام عن عبادة الطواغيت، وعبادة هوى النفس، وعبادة المال، وعبادة الدنيا، والله - تعالى - هو الخالق وهو الرازق، فمِن المعيب أن يُنسَب الرزق لغير الله - تعالى - ومِن المُخجِل أن يُشكَر غيرُه - سبحانه وتعالى.

 

قال الفُضيل بن عياض: إذا قيل لك: هل تخاف الله؟ فاسكتْ؛ فإنك إن قلت: نعم، كذبتَ، وإن قلتَ: لا، كفرتَ، فإن قلت: نعم، أنت تخاف مِن الله - تعالى - فينبغي أن يكون عملك يُناسِب هذا الخوف الذي يَنبغي أن يكون خوفًا كبيرًا وهائلاً يتناسب مع قدرة الله - تعالى - في التأثير فيك، وبما أنه لا يُمكن لإنسان يخاف مِن الله - تعالى - أن يأتي بعمل لا يُناسِب خوفه من قدرة الله - تعالى - عليه؛ لذلك سيكون كاذبًا، ولكن الإنسان يعمل بقدر الاستطاعة؛ لأن الله - تعالى - أمَرَه أن يتقي الله - جل جلاله - ما استطاع.




نمرُّ على الكثير من آيات القرآن الكريم وكأن شيئًا لم يكن؛ لقلَّة الوعي، وسوء القراءة، وغياب التدبُّر، فلقد مات أحد الصالِحين فرَقًا حين سمع قوله - تعالى -: ? وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ? [الزمر: 47]، ومعنى ? وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ?: أنهم رأوا ألوانًا من العذاب لم يكن في تفكيرهم وحسْبانهم؛ مِن هوله وشدَّته وعظمته، فكما أعدَّ الله - تعالى - لأهل الجنة ما لا عين رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشَر، فكذلك العذاب، إنه عذابُ خالقٍ قادِر قويٍّ قاهر، لقد قدَر ذلك الرجلُ الصالح حقَّ قدر الله - تعالى - في عذابه في هذه الآية، ففزع ومات مِن الخوف، بهذه الطريقة يَنبغي أن نتعامل مع قدرة الله - تعالى.

 

• إخفاق في عدم تقدير قيمة ما أنزل الله إلينا مِن أحكام شرعية؛ فالله - تعالى - أنزل لنا كتابًا لم يُفرِّط في شيء، وتبيانًا لكل شيء؛ قال - تعالى -: ? وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ? [الأنعام: 91].

 

فمن الناس من يرى أن أحكام الشريعة الإسلامية لا تُناسب الزمان الذي نَعيشه، ومِن وجهة نظرهم هي أحكام قد عفا عليها الزمن، ومثل هؤلاء يقعون في خطأ ما بعده خطأ؛ لأن مَن شرع هذه الأحكام هو الله خالق الكون - سبحانه وتعالى - وهو يعلم ما كان، وما يكون، وما سيكون، وما لا يَكون لو كان كيف يكون.

 

الثاني: أخطاء مع النفْس: وهنا نوعان من الأخطاء، وهما:

- وضع النفس في غير مقامها الحقيقي، ومقامها أنها خُلقَت مِن أجل عبادة الله - تبارك وتعالى - قال تعالى: ? وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ? [الذاريات: 56، 57]، ثم إن الإنسان بعد ذلك جعله الله خليفة، وهو المسؤول عن إعمار الأرض وتطبيق شرع الله فيها: ? وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ? [البقرة: 30]، فهو بشريعة الله - تعالى - وحُكمِه وبالإسلام يكون خليفة، لا يَنبغي أن يُذلَّ أو يُهان أو يُستعبَد، وبعكسه فسيكون ذليلاً لغيره.

 

فحين رأى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - شابًّا يمشي رويدًا، فقال له:

• ما بالك، أأنت مريض؟

• قال: لا يا أمير المؤمنين، فعلاهُ بالدرَّة، وأمره أن يمشي بقوة.

وبالفعل حريٌّ بمَن آمن بالله ورسوله وأعلن إسلامه أن يفتخر؛ لأنه منتمٍ إلى أمة مرحومة، أمة فاضلة، ويصحُّ أن نقول له بفخر: (ارفع رأسك؛ أنت مسلم).

 

• الاستخفاف بالمهارات والإمكانات العقلية والمهارات البدنية؛ فالله - تعالى - خلق الإنسان بمواصفات فريدة، ومِن الخطأ أننا لا نستثمرها، فالله وضع في الإنسان قدرات عقلية كبيرة، وقدرات روحية هائلة، وقدرات بدنيَّة عجيبة.

 

ولكي نَعي هذه القدرات؛ فإننا نُعبِّر عن ذلك بسؤال: هل جرَّبت أنك وقعت في ضائقة شديدة، فدعوت الله - تعالى - دعاءً مِن صميم قلب خاشع مُتدبِّر، فاستجاب الله - تعالى - لك؟




لقد استخدمت في هذه القضية وفي تلك الأثناء قدراتِك الروحيةَ الإيمانية، فلو استخدمتها في كل وقت، ستجد أنها موجودة وحاضرة دائمًا، وكذلك وبنفس القياس فإننا نرى أن الخائف يستطيع أن يَقفِز ليجتاز جدارًا، لو أراد أن يَعبره مائة مرة في ساعات الدعَة والأمن ما استطاع، فهذا يعني أن لديه مهارات وقدرات استخدمها عند الشدة.

 

الثالث: أخطاء مع الآخَرين: والخطأ الفادح هنا هو أن يعتقد الفرد أن ذكاءه فوق المعتاد، وأما الآخَرون، فهم إما أن يكونوا أغبياء أو حمقى أو مُغفَّلين أو طيبين، ويتعامل ذلك المغرور مع الآخرين على هذا الأساس.

 

نعم؛ من الممكن أن يكون الآخَرون طيِّبين ومُتسامحين، ولكنهم ليسوا بأغبياء، ولسنا بأذكى منهم ولا أشطر، ولكن قد يكونون مَغلوبين على أمرهم فيَسكتون، والسكوت لا يعني الغباء على الإطلاق، ولكن من الناس مَن يسكت حكمةً، ومنهم من يسكت حرصًا على رزقه، أو تجنبًا للمشاكل، أو لسلطة صاحب العمل، ومن ظن أن الناس أغبياء، فهو الغبي وليس غيره.

 

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((إنَّ العبد إذا أخطأ خطيئة، نُكتَ في قلبه نكتة، فإن هو نزع واستغفر وتاب، صُقلت، فإن عاد زِيدَ فيها، فإن عاد زيد فيها، حتى تعلو فيه، فهو الران الذي ذكر الله: ? كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ? [المطففين: 14]))[3].




[1] سنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر التوبة.

[2] المطالب العالية؛ للحافظ ابن حجر العسقلاني، كتاب الرقائق، باب التوبة والاستغفار.

[3] صحيح ابن حبان، كتاب الرقائق، باب الأدعية، ذكر الإخبار عما يجب على المرء من تعقيب الاستغفار كل عثرة.


"
شارك المقالة:
5 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook