أربع مقالات للأستاذ الشيخ عبدالكريم الدبان التكريتي

الكاتب: المدير -
أربع مقالات للأستاذ الشيخ عبدالكريم الدبان التكريتي
"أربع مقالات للأستاذ الشيخ عبدالكريم الدَّبَان التكريتي

 

(هذه أربع مقالات نفيسة للعلامة الأستاذ الشيخ عبدالكريم الدبان التكريتي (1328-1413هـ)، كان قد كتبَها ونشرَها في مجلة التربية الإسلامية البغدادية أول صدورها سنة (1379 - 1380هـ)، ولم أرَ له سواها[1]، وكنتُ صورتُها لنفسي، ورأيتُ الآنَ أنْ أعيدَ نشرَها لينتفع بها، وقد عزوتُ الآيات، والأحاديث، وضبطتُ كثيراً من الألفاظ، وعلقتُ بعضَ التعليقات، وأسألُ الله أنْ ينفع بها، ويكتب أجرها الممدود لشيخنا رحمات الله عليه)

 

(1)

الينبوع الروحي[2]

أودع اللهُ سبحانه في قلب كلِّ إنسانٍ ينبوعاً روحياً قدسياً هو ? فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ? [الروم: 30]، ولكنَّ تلك الفطرة الخفية الداخلية تجابِهُ عواملَ شتّى من المحيط الخارجي، تعملُ أكثرُها دائبة على أنْ ينضبَ معينُ ذلك الينبوع، وتعملُ جاهدةً على أن تطغى أدرانُ المادة على صفاءِ الروحِ بما تُلقيه حولها وعليها مِنْ أقذار الشهوات، وما تزينه لها مِن الموبقات.

فإذا جاهدَ الإنسانُ نفسَه، واستطاعَ الصمودَ[3] أمام مغرياتها، والترفُّعَ عن تلك الخسائس، ربحَ ونجا، ونفعَ وانتفعَ.

 

أما مَنْ تنهار مقاومتُه فإنه يتبعُ الشهوات، ويرتكبُ الآثام، حتى تتراكم أقذارُها وأوضارُها على قلبه، فيعمى عن إِدراك الأسرار العلوية، وينطبق عليه قولُ الله تعالى: ? بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ? [المطففين: 14]، وحينئذ لا يدركون إلا ما تدركهُ الحيواناتُ من المحسوسات القريبة، ولا يُبصرون إلا ما تحت أقدامهم، يُبصرون الصورة ولا يَسألون عن مُصوِّرها، يَعبدون المادة ويَنصرفون عمَّن خلقَهم وخلقَ المادة.

 

إِنَّ ما يُحيط بنا اليومَ مِن تياراتٍ متضادةٍ، وأفكارٍ متباينةٍ، ومذاهبَ مختلفةٍ متضاربةٍ، كل أولئك كوّنَ فينا أزمةً روحيةً خطرةً، أزمةً عنيفةً مخيفةً، نتجَ عنها فتورٌ في الهمم، وخَوَرٌ في العزائم، وانحرافٌ عن الدين القويم، والخلق الحميد، فذهبت التضحية، وتلاشى نكرانُ الذات، وزال الإيثارُ والإحسانُ، حتى أصبحنا في فقرٍ روحي، وانحطاطٍ نفسي، وتفسُّخٍ خلقي، ولم يقف الأمرُ عند هذا الحد، بل وصل إلى أبعد من ذلك وأنكى، وصل إلى أنْ يحاول الملحدون زعزعةَ عقائدنا، بل وصل إلى درجة أنْ يتجرأ الأوباشُ الأسفالُ على الطعن جهراً بالإسلام ونبيِّ الإسلام، فضلاً عن الاستهزاء بعلماء الدين وتسفيه آرائهم، وتكذيب أقوالهم، بوقاحةٍ لم يعهدها الناسُ، بل لم تدر بخَلَد أحد منهم.

 

لا يُفلح الناسُ إلا بالرجوع إلى الينبوع الروحي، إلى دين الفطرة التي فطرهم اللهُ عليها، ولا يتمُّ لهم ذلك إلا بإزالة ما تراكم على ذلك الينبوع مِنْ أدران، وبجهاد النفس لصرْفِها عن الشهوات والمعاصي ومعالجتها لتغيير ما اعتادتْ عليه مِنْ ذلك.

إنه جهادٌ صعبٌ عسيرٌ، إنه الجهاد الأكبر، جهادٌ شاقٌّ مستمرٌّ ما استمرت خلجاتُ النفوس ولحظاتُ العيون، وبهذا يَستطيع المرءُ أَنْ يدرك السرَّ في تسمية النبيِّ عليه الصلاة والسلام لهذا الجهاد بالجهاد الأكبر[4].

 

يَغلب على بني آدم حبُّ الدنيا والجريُ وراء زخرفها ومتاعها، فيتكالبون عليها ليشبعوا شهوات أنفسهم، ولكن النفس لا تشبع ولا تقنع، فإِرخاءُ العنان لها يزيدُها نهماً واسترسالاً في تلكم المتع الزائلة الزائفة، يزيدُها انغماساً في الشهوات، بل يجعلها تتفنن في ذلك وتبتكر، ورحم اللهُ البوصيري حيث يقول:

والنفسُ كالطفل إِنْ تهملهُ شبَّ على ??? حبِّ الرضاع وإِنْ تفطمْهُ ينفطمِ

 

نعم تزداد النفسُ شراهة، ويزداد شغفُها بالنعيم المادي الدنيوي، والله سبحانه يريدُ لنا النعيم الروحي الأخروي[5]: ? بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ? [الأعلى: 16، 17].

يريد الإنسانُ سعة الرزق ووفرة المال، ولكن ذلك في أكثر الأحيان يعود عليه وعلى غيره بأسوأ النتائج وأوخم العواقب: ? وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ? [الشورى: 27]، لذلك كان المؤمنُ مأموراً بكبحِ جماحِ نفسهِ فلا يدعها تزدري نعمة الله، ولا يفسح لها المجال لتجري وراء الأماني، يتمنى ما فضل الله به غيره عليه، وهناك ينشأ الحسد.

 

إِنَّ مكافحة ذلك ضربٌ من ضروب جهاد النفس، وعَوْدٌ بها إلى فطرتِها الطيبة السالمة المسالمة.

وبالإمكان أَنْ ندركَ أثرَ جهاد النفس في جميع العبادات التي أوجبها اللهُ على المسلم، يؤديها طلباً لرضوان الله وتقرُّباً إليه، ولا يتمُّ ذلك إلا بالحد من شهوات النفس، وبهجر كثيرٍ ممّا اعتادتْ عليه.

 

ففي الصلاة يتركُ المُصلي تجارته، وعمله، وحديثه، وطعامه وشرابه مدة الصلاة، ثم يُرغم نفسه على الوقوف جنباً إلى جنب مع أي مسلم كان، مع الغني أو الفقير، مع الأمير أو المأمور، مع العربي أو الأعجمي، يقرأ كما يقرأ، ويستمع كما يستمع، يركع معه ويسجد معه، متجهاً نفس الاتجاه، متضرعاً إلى إلهٍ واحدٍ، إلى الذي خلقهم جميعاً، وفي كل ذلك يصرفُ عن نفسه وساوسها، ويردها كلما انصرفتْ عن الموقف العظيم الذي يقفه، وهو صلة القلب بخالق القلب، لتكون صلاته مما ينطبق عليها قوله تعالى: ? إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ? [العنكبوت: 45].

 

وإرغامُ النفس في الزكاة واضحٌ كذلك، فإنَّ الإنسان الذي قد حرصَ على جمع المال، وبذلَ الجهد للحصول عليه بعرقِ جبينهِ وإرهاقِ أعصابهِ، ليعدَّه لمعيشته ولمستقبل أيامه، يُرغم نفسَه على صرف بعضهِ بدون مقابلٍ للمحتاجين.

أمّا مخالفةُ النفس وإرغامها عند الصوم فالأمرُ فيه أكثر وضوحاً فلا يحتاج إلى إطالة كلام.

 

والحجُّ مِنْ أول يوم التهيؤ له إلى يوم العودة، جهادٌ للنفس، ودفعٌ لها إلى الاستغراق الروحي الذي به تلتفتُ النفسُ إلى فطرتها التي فطرها الله عليها، لتنهل من ذلك الينبوع الصافي.

في الحج يبتعدُ المؤمن عن كثيرٍ من المألوفات فلا يتطيبُ بأي طيب (بعد الإحرام) ولا يقص شعراً ولا ظفراً، ولا يلبس المخيط من الثياب، فالحج تصوفٌ وتقشفٌ وروحانيةٌ، ويتجلى ذلك عند الوقوف بعرفات، حيث يقفُ الآلآفُ من المسلمين بزي واحد، وإن اختلفت قومياتُهم وألوانُهم، يدعون رباً واحداً، وإن اختلفت لغاتهم ولهجاتهم، فتسمو الأرواح على الفوارق المادية والحسية، ويتطهرُ ينبوعُ القلب بالتوبة والاستغفار، وبإدراك أنَّ متاع الدنيا زائل فانٍ، وأنَّ ما عند الله خير وأبقى.

? ? ? ?

 

(2)

آية من كتاب الله[6]

? وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ? [إبراهيم: 12].

تلك كلمة وردتْ على لسان الرُّسل، وقد خاطبوا بها أقوامَهم الضالين المُعاندين، ذُكِرَ فيها التوكلُ ثلاث مرات، بُدئت به، وخُتمت به، وذُكِرَ في أثنائها، وهي تشير إلى صبر أولئك الرسل الكرام، وعزمهم على نشر دين الله، وعدم مبالاتهم بالتهديد والوعيد، أو اكتراثهم بالأذى والاضطهاد، أو ميلهم عند الإغراء للانحراف عن الحق، أو الكف عن نشر الدين.

 

تلك كلمة الرُّسل الهُداة مع الكفرة الطغاة.

قالوا: كيف لا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا؟

هدانا للإيمان، هدى كلاً منا سبيله الذي خُلق مِنْ أجله، والذي يجبُ عليه أن يسلكه في حياته.

قالوا: كيف يصرفنا عن ذلك تهديدٌ، أو يصرفنا عنه تعذيبٌ، أو يفتننا عنه إغراءٌ؟

 

إنها كلمة ملؤها الإيمانُ الراسخُ الذي لا يشوبه شك، واليقينُ الثابت الذي لا يخالجه ارتياب، والثقة الجازمة التي لا يتسرب إليها وهمٌ، ولا يتطرق إليها وهنٌ.

كلمة كلها عزمٌ لا ينثني، وقوةٌ لا تضعف، وتصميمٌ لا يضطرب، وصبرٌ ناتجٌ عن علم وخبرة، ناشئٌ عن بصيرة واطمئنان، إنه صبرُ ثقة وعقيدة، لا صبر خور وخوف، ولا صبر هزيمة وانكسار.

 

كلمة لا تصدرُ إلا عن العالم المُجرِّب، والواعي المُحنَّك، يخاطبُ بها الجاهلَ إذا ضل، والمعاندَ إذا ركبَ رأسه، ويخاطبُ بها الظالمَ إذا طغى، والمتجبرَ إذا أخذته العزةُ بالإثم.

كلمة المؤمنين الصادقين إذا وقفوا يدافعون عن الحق، لا يزحزحهم تهديدُ الخصوم وإنْ كثروا، ولا يرهبهم وعيدُ الطغاة وإنْ جاروا، ولا يصدُّهم عن عقيدتهم إرهابٌ، ولا يفتنهم عنها تعذيبٌ، ولا يثبِّطهم عن أداء الواجب مثبطٌ، أي مثبط كان، ومِنْ أية جهة جاء.

 

كلمة صادقة وقوية: صادقة لأنها برزت ممّن آمن بالله، وقوية لأنها صدرت عمّن توكل على الله. فقد قالها مَنْ علم أنَّ الله هو الأول والآخر وهو الظاهر والباطن، وهو المُقدِّم والمُؤخِّر، وأنه بيده مقاليد السموات والأرض، وإليه يرجع الأمر كله.

إنها التجاءُ الإنسان الضعيف إلى ربه القوي، وأين تتجهُ النفوسُ عند ما تدلهمُّ الخطوبُ وتشتدُّ الأزمات، إنْ لم تتجه إلى خالقها وبارئها؟

وإلى أي ملجأ يلجأ المخلوقُ الضعيفُ الذي دخلَ هذه الدنيا مرغماً، وسيَخرج مرغماً، إلى أي ملجأ إنْ لم يلجأ إلى مَنْ بيده الموت والحياة؟

 

أيتوكلُ على مخلوقٍ ذي مالٍ وجاهٍ أو سلطةٍ ومنعةٍ؟

إنَّ ذلك المخلوق ضعيفٌ مثله، يخافُ كما يخافُ هو أو أشد خوفاً، ويجهلُ مصيره كما يجهله هو أو أكثر جهلاً، يخافُ الفقر، ويخافُ المرض، ويخافُ مستقبله المجهول، ويخافُ ما تضمره الليالي الحبالى، ويخافُ الموت الذي يجهل ساعته كما يجهلُ مكانه وسببه، وهو بمصيره بعد الموت أكثرُ جهلاً مِنْ كل ذلك.

 

أمّا المهتدون فقد توكلوا على غني قوي قادر، لا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، وتلك كلمتهم التي صدرنا بها هذا الموضوع، والتي وردتْ على لسانهم في القرآن الكريم كما تقدَّم آنفاً.

والله سبحانه أمرَ نبيَّنا أن يقتدي بهداهم: ? أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ? [الأنعام: 90].

وأمرَه أنْ يصبرَ كما صبروا: ? فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ? [الأحقاف: 35].

والصابرُ هو الجديرُ بتحمُّل الأعباء المشتركة، فهو كفردٍ[7] يسعى ويجالدُ لاجتياز العقبات الخاصة التي تواجهه، وهو كجزءٍ من الأمة[8] يكافحُ ويجاهدُ لاجتياز العقبات العامة التي تواجه أمته.

 

ولم يأمر اللهُ رسوله بالصبر فحسب، بل أمرَه أن لا يعترضَ على ما قدَّر اللهُ عليه، وما يَلحقه مِنْ أذى لا يستطيعُ دفعه:

روى البخاريُّ في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال: شج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟! فنزلت: ? لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ? [آل عمران: 128].

وكما أمرَه بالصبر على المكاره والشدائد، أمرَه بالثبات والصمود تجاه فتنة الإغراء، ولقد ثبتَ وصمدَ عليه السلام، أقوى ما يكون الثبات، وأرسخ ما يكون الصمود.

 

وقف كبراءُ قريش تلك الوقفة العنيدة في وجه دعوة الرسول، ولمّا لم يفلحوا عمدوا إلى إغرائه بوافر المال، وعريض الجاه، وجميل المتاع، فقال كلمته المدوية الهائلة، كلمته الواضحة الصريحة:

لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه[9].

وأمرَه بالثبات والصمود أمام العقبات والأهوال، فامتثل أمرَ ربه في حياته كلها حتى صارت تلك الأهوال تزيدُه قوة وإيماناً بالله، وثقةً بنصره، واطمئناناً إلى عونه ورعايته: ? الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ? [آل عمران: 173].

 

وأمرَه بالتوكل عليه في شأنه كله، صغيره وكبيره، خاصه وعامه، قال تعالى: ? فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ? [هود: 123].

وقال سبحانه: ? وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ? [الفرقان: 58].

والتوكلُ على الله معناهُ الاعتماد على الله مع مباشرة الأسباب، إذ لا بُدَّ من الدأب والسعي، وإعداد ما يمكن من العُدة، وبذل الوسع للخروج من المأزق، وعند العزم يكون التوكل: ? فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ? [آل عمران: 159].

 

ولكيلا يفهم أحدٌ أنَّ التوكل الاتكالُ على المقادير قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الطبراني في معجمه الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: اعملوا فكلٌّ ميسرٌ لما خُلق له[10].

والتوكلُ مع العزم ومباشرة العمل، يقوّي العزيمة، ويطردُ الهواجس المثبطة، والوساوس الزائفة الكاذبة، والمتوكلُ يعمل جاهداً للوصول إلى ما يهدف، ولا يتراجعُ عند الصدمة الأولى.

 

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:

إنَّ المتوكلَ الذي يُلقي حبَّه في الأرض ويتوكل على الله.

 

وكان يقول:

لا يقعد أحدُكم عن طلبِ الرزق، ويقول: اللهمَّ ارزقني، وقد علم أنَّ السماءَ لا تمطر ذهباً ولا فضة، وأنَّ الله تعالى يرزق الناس بعضهم من بعض.

 

وكان يقولُ لمن قعد عن السعي وعاشَ على الصدقات مع قدرته على العمل، كان يقول لأمثال هؤلاء:

يا معشرَ الفقراء، لقد وضحَ الطريق، فاستبقوا الخيرات ولا تكونوا عيالاً على المسلمين.

فالقعودُ عن السعي، وانتظارُ ما تأتي به المقادير، والاكتفاءُ بالدعاء، إنْ جاز فإنما يجوزُ للعاجز الذي لا يستطيع غير ذلك، أما مَنْ قدر على عمل، أي عمل كان مِنْ أعمال الخير له أو لغيره فلا عذرَ له إذا ما قعد أو توانى، حتى لو رضي أن يكون مع الخوالف.

 

إنَّ الله سبحانه ربطَ الأسباب بمسبباتها، والغايات بوسائلها، والتوكلُ هو الاعتماد على الله مع مباشرة الأسباب كما تقدّم. أمّا انتظارُ المُسبب بدون سبب، وتوقُّع الغاية دون الوسيلة، فهو عبثٌ وجهلٌ، هذه سُنة الله الذي قال: ? وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ? [التوبة: 105].

? ? ? ?

 

(3)

وذلك أضعف الإيمان[11]

الإيمانُ يزيد وينقص، ويقوى ويضعف، هذا مذهبُ السلف، ولغيرهم قولٌ أو أقوالٌ أخرى لستُ بصددها الآن.

وفي القرآن الكريم: ? لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ? [الفتح: 4].

وفي الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد ومسلم وغيرهما: مَنْ رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان.

 

يزداد الإيمانُ بالطاعات وينقص بالمعاصي، ويقوى فتقوى الثقةُ بالله بحيث لا يخافُ المؤمنُ أحداً سواه، ويضعفُ فتضعف تلك الثقة بحيث يخشى الناسَ كخشية الله، وقد يشتدُّ الإيمانُ ضعفاً فتكون خشية الرجل للناس أشدَّ مِنْ خشيته لله، وقد يتلاشى - والعياذ بالله - فلا يخشى إلا الناس، ولا يضطربُ إلا إذا أصيب في ماله، أو أهله، أو منصبه، والله سبحانه يقول: ? فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ? [المائدة: 44].

 

والنبيُّ عليه السلام يقول -فيما رواه البيهقيُّ عن ابن عباس-: لا ينبغي لامرئٍ شهد مقاماً فيه حق إلا تكلم به، فإنه لن يقدم أجله ولن يحرمه رزقاً هو له[12].

إذا قويَ إيمانُ الرجل جهرَ بالحق فأمرَ بالمعروف ونهى عن المنكر، وسعى في تغييرهِ بالفعل أو بالقول أو بكليهما، وإذا ضعف إيمانُه لم يستطعْ أنْ يغيِّر المنكر لا بالفعل ولا بالقول، بل بقلبه بأن يكره ويعزم على تغييره متى استطاع وذلك أضعف الإيمان.

 

وصدقَ رسولُ الله إن ذلك أضعف الايمان، لأنَّ المؤمن قويٌّ بربه عزيزٌ بدينه، لا ينبغي أن يصل به الأمرُ إلى هذه الدرجة من الذل والخوف، وإذا ما حصل له ذلك فلا يعدو أن يكون شيئاً طارئاً وحالة وقتية قد تقعُ لبعض أفراد الأمة في وقتٍ ما وظرفٍ ما، ومع ذلك فيجبُ عليهم أن يعزموا على الخروج إلى الدرجة الثانية أو الأولى.

نعم قد يحصلُ ذلك لبعض الأفراد لخطرٍ محدقٍ يصحبه ضعفُ الإيمان.

 

أمّا وقوفُ أكثر أفراد الأمة ذلك الموقف الذليل الضعيف فلا يجوزُ بحال، وإنْ حصلَ ذلك فهم عندئذ لا يستحقون أن يكونوا خير أمة أخرجت للناس.

وكيف يقفون ذلك الموقفَ السلبيَّ وهم يتلون قوله تعالى: ? وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ? [آل عمران: 139].

 

ولا يسلمُ مِنَ الإثم من استطاعَ إزالة المنكر بالفعل إذا اكتفى بالإنكار القولي، كما لا يسلمُ من الإثم من استطاعَ الإنكار القولي إذا سكتَ مكتفياً بالإنكار القلبي.

ولا ريبَ أنَّ الطائفة الأولى هي الفُضلى، وأنَّ الثانية أفضل من الثالثة.

 

وليت شعري ماذا نسمِّي الطائفة الرابعة - إنْ صح التعبير - وهي التي سكتَ عنها الحديثُ الشريفُ، وفي سكوته إشعارٌ مخيفٌ إذ قد يدلُّ على أنها خارجة عن دائرة المؤمنين، أو أنها لا يُعتدُّ بها بل هي في عداد الأموات.

وأقصدُ بالطائفة الرابعة ما إذا ذهبَ حتى الإنكار القلبي، وذلك عندما تكون المنكراتُ مألوفة، ولعمري إنَّ ذلك في مجتمعنا كثير، إنْ لم يكن كثيراً جداً، والأمر لله.

 

نقل الإمامُ الغزالي في الإحياء أنَّ حذيفة رضي الله عنه سُئِلَ عن ميت الأحياء فقال: الذي لا ينكر المنكر بيده، ولا بلسانه، ولا بقلبه.

قال تعالى: ? لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ? [المائدة: 78، 79].

 

وفي الحديث الذي رواه الترمذي: أن أول ما دخل النقصُ على بني اسرائيل أن كان الرجل يلقى الرجلَ فيقول: يا هذا اتقِ الله ودع ما تصنع به فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشربيه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض[13].

 

أصابَهم ما أصابَهم لسكوتهم عن المنكر ومخالطتهم لأصحابه، ولم يقتصر الأمر الذي أصابهم على فاعلي المنكر بل عمَّ الجميع.

والقرآن الكريم يصرِّح بأن الصالحَ قد يصيبُه ما يصيبُ قومَه الظالمين إذا سكتَ عن صنيعهم: ? وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ? [الأنفال: 25].

 

كما يصرّح في آيةٍ أخرى أنه تعالى ينجي مَنْ نهى عن المنكر: ? فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ? [الأعراف: 165].

والمسلمون عنصرُ إصلاح في الأرض، وقوةٌ إيجابية في الحياة، وقد جعلهم الله تعالى خيرَ الأمم، ولكن لماذا؟

أكان ذلك لوفرة أموالهم، وقوة أجسامهم؟

أم كان ذلك لكثرة عَدَدهم، ومضاء عُدَدهم؟

 

كلا، بل كانوا خيرَ الأمم لسببٍ خاصٍّ عيّنه اللهُ وحدّده في نفس الآية التي سماهم بها خير الأمم: ? كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ? [آل عمران: 110].

لذلك كلَّفهم اللهُ بنشر الهدى في الأرض.

 

وكيف يتحقَّق ذلك إذا لم يهتدوا هم أنفسهم، وهل بالإمكان أن يصلحوا غيرهم إذا عجزوا عن إصلاح أنفسهم، ولا يمكن أن يكونوا مُصلحين إذا لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، لأنَّ الأمر بالمعروف معناه الإصلاح، والنهي عن المنكر -أي إزالة الفساد- معناه الإصلاح أيضاً.

 

المؤمن مكلفٌ باستخدام مواهبه لإشادة الحياة القوية الرفيعة السامية، ومكلفٌ ببناء المجتمع الفاضل الطاهر النظيف، وإنشاء الجيل الواعي المتضامن المتآلف.

فهو مكلفٌ أن يظهرَ فلا ينزوي، ويصارعَ فلا يستسلم، ويعزَّ ولا يستكين.

وهو مكلفٌ أن يتعلمَ ولا يبقى جاهلاً، ويتبصرَ ولا يبقى مغفلاً.

ومكلفٌ أن يحبَّ لأبناء أمته ما يحبُّ لنفسه، ويكرهَ لهم ما يكرهُ لها.

 

المفروض في المؤمن أن يكون صالحاً مُصلحاً، والإصلاح إذا كان واجباً على أفراد الأمة، فهو على أهلِ العلم أوجب، ولكن أكثرَهم يدعوهم الواجبُ فيفرون، وعن خوض المعركة يُحجمون، والذين أوقفوا[14] أنفسَهم للإصلاح قليلٌ بل أقل من القليل، أمّا الباقون فأكثرُهم يخافون فيختفون، مع أن أهل الباطل يتجاسرون ويتجاهرون، وهم يقلون والمنكرات تزداد، تزداد تنوّعاً وانتشاراً وتغلغلاً وفتكاً.

 

نعم، المفروض في المؤمن أن يكون صالحاً مُصلحاً، والإصلاح كلمة محببة تشعُّ أملاً ونوراً، فيها من الخيرِ بقدرِ ما في الإفساد من الشر.

والمصلحون في كل زمان ومكان هم الصفوة الهادية المختارة، والطائفة المنيرة الممتازة، وهم الخالدون: خالدون في الدنيا بحُسنِ الذكر، وجميلِ الأحدوثة على مرِّ السنين، وخالدون في الآخرة في نعيمِ الله ورضوان الله، ذلك النعيم الذي لا يعدلُه نعيمٌ.

? ? ? ?

 

(4)

ذكراك يا سيدي[15]

ذكراكَ يا سيدي تبقى إلى الأبدِ
تقتادُ أرواحَنا للواحدِ الصمدِ
فالقلبُ تملؤه حباً لخالقهِ
والنفسُ تدفعُها للخيرِ والرشدِ

 

تمرُّ في هذا الشهر[16] ذكرى ميلاد الرسول الأعظم عليه أفضل الصلاة والسلام، وإنها لذكرى ليستْ كالذكريات، ذكرى حبيبة إلى قلوب المسلمين، كريمة في نفوسهم، عظيمة عندهم، بل عند الناس جميعاً لو أنصفوا، فقد نبهتْ إلى أنَّ الله كرَّمه[17] فلا ينبغي أنْ يرضى بالهون، وجعله حرّاً فلا ينبغي أنْ يخضع إلا للواحد القهار، لمن خلقه ورزقه، وأنَّه تعالى استخلفه في هذه الأرض ليعمرها بإشاعة الحُب، ومُناصرة العدل، والتواصي بالحق والصبر.

 

وُلِدَ في هذا الشهر مَن اصطفاه الله لرسالته، واختاره لإخراج النَّاس مِنَ الظلمات إلى النور.

مِنَ الباطل الزهوق المَقيت، إلى الحق الذي هو أحق أن يُتبع.

مِنْ عبادة الأوثان والتمسُّك بالأوهام، إلى توحيد العلي الكبير.

مِنْ تعاظمِ الإنسان على أخيه الإنسان، إلى الحُبِّ في الله والأخوة في الدين.

مِنْ تنافرِ الآراءِ، وتعدُّد الأهواء، وفوضى النُّظم، وتباين المشاعر، وتشتُّت السُّبل والأهداف، إلى الوحدة في المُعتقد، والوحدة في الاتجاه.

 

مِنْ تحيُّنِ الفرصِ للسلب والنهب، وغزوِ الآمنين، والافتخارِ بالظلم، والانتقامِ، إلى الدأبِ على نشر الهدى والإيمان، والمسارعة إلى إعلاء كلمة الله.

كانت كلماتُ الله قد أيقظتْ ضميرَ الإنسان، ومزَّقت الحُجب عن بصيرته، ورفعت الأستارَ عن فطرته التي فطره الله عليها، فرأى أنَّ الله قد هداه النَّجدين ونظرَ أيهما يسلك.

 

دفعته كلماتُ الله إلى أنْ يفكِّر ويتدبَّر ليفهم فيتعظ، ثم يمعن النظر ويرجع البصر كرتين فيجزم بأنَّ لهذا الكون خالقاً، ولهذه الأحياء رازقاً، ولهذا الفلك مدبِّراً.

وهكذا كانت الرسالة تحمل الهدى للأرواح بعد ضلالها، وتشيع الثقة في النفوس بعد حيرتها واضطرابها، وتنشر الأمنَ والسلام في النَّاس بعد ذلك الشقاق القاتل، وبعد تلك الحروب المُبيدة، وكانت تبدل الشحناء والبغضاء بالمودة والألفة، والإيثار، والمشاركة في الشعور بالآلام والمسرات بحيث يكونون كالجسم الواحد يتألم بعضُه للبعض الآخر، وكالبنيان المرصوص يشد بعضُه أزرَ بعضه الآخر.

 

وبعد أن طهرت القلوبُ مِنْ فاسد الاعتقاد ودنس الأباطيل ملأتها هدى ويقيناً وعفة وطهارة، حتى أشرق فيها نورُ الإيمان، وجرى في عروقها الاعتزازُ بالله، وحبُّ العمل الخالص في سبيل الله، فكانوا بحقٍّ خيرَ الناس: ? إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ? [البينة: 7].

 

وقد علمتهم آياتُ الله، وعلمتهم سيرةُ رسول الله، أنْ يتواصوا بالصبر ويتواصوا بالرحمة، بعد أنْ أوجبت على كل مؤمنٍ أن يصبر ويثبت، أمرتهم مجتمعين أن يوصي بعضُهم بعضاً بذلك، ففرضتْ عليهم أن يكونوا مثبتين لا مثبّطين، ومناصرين لا مخذّلين، أوجبتْ عليهم وجوباً حتمياً أنْ يتعاونوا على دفع ما يحلُّ بهم من المصائب والنوازل، ويكونوا يداً واحدة عندما تقعُ على الأمة الكوارث، وتشتدُّ الأزمات، وتدلهم الخطوب.

 

وكانت الرسالة قد أقرَّتْ في نفوسهم أنَّ رأسَ الحكمة مخافة الله، وبمخافة الله استطاعوا أن يسيطروا على نزعاتِ النفوس وهواها، ذلك الهوى العنيفُ الذي استولى على العُصاة فأوردهم النار وبئس الورد المورود، وهكذا كانت الجحيم هي المأوى.

أمَّا المؤمنون الصَّادقون فقد نهوا أنفسَهم عن هواها، واستعانوا على إغرائه بالخوف من الله، فأنجاهم سبحانه وأدخلهم في رحمته: ? وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ? [النازعات: 40، 41].

 

وقد تجمعت الفضائلُ البشرية ومكارمُ الأخلاق فتمثلتْ في خُلق الرسول، وفي سيرة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، فكان المثلَ الأعلى في كل فضيلة، وكان العبقريَّ الفذَّ في كل معرفة، وكان أفضلَ البشر في كل مكرمة، وسبحان مَنْ قال له: ? وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ? [القلم: 4]، فكان أشجعَ الناس، وأفصحَ النَّاس، وأعلمَ النَّاس، وأسخى الناس، وأعدلَ النَّاس، وأعفَّ النَّاس.

 

غفر اللهُ له ما تقدَّم مِنْ ذنبه وما تأخر، فزاد في عبادته فكان يقوم من الليل ما شاء اللهُ أن يقوم، ولما قيل له في ذلك، قال: أفلا أكون عبداً شكوراً[18]؟

كان عشرات المئات من النَّاس عند فتح مكة ينتظرون كلمة مِنْ فمه الشريف، ينتظرون الكلمة التي تقرِّرُ مصيرَهم فقال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء[19].

 

كان ذلك النبي العظيم نفسُه يجالسُ الفقراء والمساكين، ويأكلُ مع العبيد، ويبدأ أصحابَه بالسَّلام، فلم يجدِ الكبرُ إلى قلبهِ الشريفِ الكبيرِ سبيلاً.

ذلك النبيُّ العظيم الذي ملأتْ هيبتُه القلوبَ تراه عند حفر الخندق يحملُ التراب كواحدٍ من سائر المسلمين، وتراه يساعدُ أهله في شؤون بيته، وتراه يرقعُ ثوبه، ويَخْصِفُ نعله، ويحلبُ شاته.

 

كان يفعلُ ذلك وأكثر من ذلك، ليضربَ للمؤمنين أمثلة عملية في الابتعاد عن الكِبْرِ وعن التعاظمِ على أبناء الأمة، وليعلمهم أنَّ العظيمَ من النَّاس مَنْ كان عظيماً بأفعاله وأخلاقه لا بمنصبه ومركزه.

الله أكبر! ما هذا؟

 

إنَّ مَنْ ينظر في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه ثم يرجع إلى ما حوله الآن يجد أنَّه كان يتقلبُ في الرؤى الجميلة والأحلام، وإلا فكيف يكون ذلك الدين القيِّم وتلك الرسالة التي سعد بها المسلمون والتي كانت منهلاً لعطشهم الروحي، ومنظماً لكافة أمورهم، ودافعاً لرقيهم السريع المتتالي.. إلى أن جاء دورُنا في الحياة فإذا نحنُ في آخر القوافل.

 

فأين تلك الدولة التي انتظمت الشرقَ والغربَ؟

وأين تلك العلومُ التي يردُ إليها الشرقُ والغربُ؟

وأين! وأين!

تلك سُنّة الله في خلقه، لقد بدَّلنا وغيَّرنا، وإنَّ الله لا يغيرُ ما بقومٍ حتَّى يغيروا ما بأنفسهم.

لقد نمنا واستيقظ غيرُنا.

وقعدنا وسار غيرُنا.

إذا كانت السلحفاة قد سبقت الأرنبَ في قصصِ الأطفال، فإنَّا نقول: إنَّ السلحفاة تسبق الحصانَ والغزالَ وو...

 

خذل بعضُنا بعضاً فأكلتنا الأمم، وحاربتنا في عُقر دارنا، وصار غيرُ المسلم يحكمُ المسلمين في بلاد الإسلام، ويتحكَّم في خيرات بلاد المسلمين، ويقرِّرُ مصير المسلمين، وتلك حالة مؤلمة أشدَّ الإيلام، حالٌ مخجلةٌ أمامَ الله، مخجلةٌ أمامَ رسول الله.

لقد كان رسولُ الله عليه الصلاة والسلام ينظرُ بنور الغيب حين أوصانا بأننا لا يمكنُ أن نصلح أنفسَنا إلا بما صلح به أولنا[20].

 

وإنَّ ذلك لممكنٌ قريبٌ بعون الله، ورعاية الله، ومَنْ قالَ غير ذلك فهو المثبِّطُ للعزائم المفتِّرُ للهِمم.

فالمسلمون -بحمد الله- كثيرون، وفي بلادهم من الخيرات ما يُغنيهم، وفي كتاب الله ما يُرشدهم ويَهديهم، وفي سُنة رسول الله ما يُوضح لهم الطريق، والله على الأخذ بأيدينا قادرٌ، وما ذلك عليه بعزيزٍ.




[1] ثم نُشر له فيها فتاوى كثيرة لما يرد إلى المجلة من أسئلة.

[2] نُشرت في مجلة التربية الإسلامية ببغداد، السنة الأولى، العدد (5)، ذو الحجة (1379هـ)، حزيران (1960م).

[3] استعمل الشيخ - رحمه الله - لفظ الصمود بمعناه الشائع، وهو يريد: الثبات.

[4] يُشير الشيخ - رحمه الله - إلى ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “قدمتم خير مقدم، قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. قالوا: وما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟ قال: مجاهدة العبد هواه”.

رواه البيهقي في كتابه “الزهد” (373)، والخطيب في تاريخ بغداد، في ترجمة واصل بن حمزة الصوفي (13/ 523)، عن جابر، وقال البيهقي: إسناده ضعيف، وتبعه العراقي. انظر فيض القدير (4/ 511).

[5] إلى جانب النعيم الجسدي، ولعل الشيخ ذكرَ النعيم الروحي -وهو رؤية الحق سبحانه- لأنه الأعلى والأسمى. أو أنه وصف النعيم بالروحي لعلو شأنه فحسب.

[6] نُشرت في مجلة التربية الإسلامية ببغداد، السنة الثانية، العدد (6)، محرم الحرام (1380هـ)، تموز (1960م).

[7] أي بصفته فرداً.

[8] أي بصفته جزءاً من الأمّة.

[9] حديث: يا عم والله؛ لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله، أو أهلك فيه؛ ما تركته. إسناده ضعيف. رواه ابن إسحاق، ومن طريقه الطبري، والبيهقي في الدلائل بإسناد منقطع.

ولكن رواه البخاري في التاريخ، والطبراني في الكبير، وأبو يعلى في مسنده، والحاكم في المستدرك، والبيهقي في الدلائل كلهم من طريق طلحة بن يحيى عن موسى بن طلحة عن عقيل بن أبي طالب مرفوعاً بلفظ: ما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم أن تشعلوا منها (يعني: الشمس) شعلة. وهذا إسناد حسن، فيه يونس بن بكير وطلحة بن يحيى بن عبيد الله، صدوقان.

انظر: السيرة النبوية (1/ 329)، المعجم الكبير (7/ 192)، مسند أبي يعلى (12/ 176)، التاريخ الكبير (4/ 1/ 51/ رقم230ـ ترجمة ابن عقيل)، الدلائل (2/ 186)، السلسلة الصحيحة (1/ 147)، السلسلة الضعيفة (2/ 310). اهـ مِنْ تخريج أحاديث وآثار كتاب في ظلال القرآن.

[10] أخرجه البخاري (4666)، ومسلم (2647) عن علي.

[11] نُشرت في مجلة التربية الإسلامية ببغداد، السنة الثانية، العدد (7)، صفر (1380هـ)، آب (1960م).

[12] عزاه العراقي في المغني إلى البيهقي في الشُّعب وقال: وروى الترمذي وحسنه وابن ماجه من حديث أبي سعيد: لا يمنعن رجلاً هيبةُ الناس أنْ يقولَ الحقَّ إذا علمه.

[13] أخرجه أبو داود (3048)، والترمذي (4338).

[14] استعمل الشيخُ اللفظَ الشائعَ لوضوحه، والفصيح: وقفوا.

[15] نُشرت في مجلة التربية الإسلامية ببغداد، السنة الثانية، العدد (8)، ربيع الأول (1380هـ)، أيلول (1960م).

[16] شهر ربيع الأول الذي نشرت فيه هذه المقالة.

[17] أي كرّم الإنسان.

[18] أخرجه البخاري (1078)، ومسلم (2819).

[19] قال ابن حجر في فتح الباري (8/ 18): وعند ابن إسحاق بإسناد حسن عن صفية بنت شيبة قالت: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت فطاف به، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتح له فدخلها، ثم وقف على باب الكعبة فخطب قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم أنه صلى الله عليه وسلم قام على باب الكعبة، فذكر الحديث، وفيه: ثم قال: يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء....

[20] جاء في تاريخ المدينة لابن شبة ضمن خطبة أبي بكر الأخيرة: ...وِإن هذا الأَمر الذي هو أَملك بنا لا يصلح آخره إِلا بما صلح أَوله....

وجاء في موضح أوهام الجمع والتفريق (1/ 263) في كلام لعلي: ...إن هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله....

وجاء في مسند الموطأ برقم (783): أخبرنا الحسن بن علي بن شعبان قال: حدثنا أحمد بن مروان قال: حدثنا إبراهيم بن داريل قال: حدثنا ابن أبي أويس قال: قال مالك: كان وهب بن كيسان يقعد إلينا ثم لا يقول أبدا حتى يقول لنا: إنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أوله. قلت له: يريد ماذا؟ قال يريد التقى.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook