أسباب الصدود عن الحق

الكاتب: المدير -
أسباب الصدود عن الحق
"أسباب الصدود عن الحق




أسباب: جمع سبب، والسبب هو: الحبل الذي يتوصل به إلى الماء، وفي قوله تعالى: ? فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ?[1] أي: فليمدد حبلاً إلى سقفه، ثم استعيرت كلمة سبب لكل ما يتوصل به إلى شيء[2].

 

وصَدَّ في اللغة: يصِّدُ صداً وصدوداً: أعرض. ويقال: صد فلان عن كذا: إذا منعه وصرفه عنه.

 

وقيل: الصد الهجران. ويقال: صد السبيل: أي اعترض دونه مانع من عقبة أو نحوها. ويقال: أخذ يصادُّه ويضادُّه: أي يدافعه ويخالفه[3].

 

والمقصود بأسباب الصدود:

الموانع الشخصية والبيئية المحيطة بالإنسان، والتي تمنعه من الاستجابة لدعوة الإسلام، وتحول بينه وبين قبولها، وتصرفه عن الالتزام بأحكامه، وتنتج في نفسه إعراضاً وهجراً ومخالفة لهذا الدين[4].

 

وقد أوجز شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذه الموانع في أمرين، وضحهما بقوله: (إن الذي يمنع الإنسان من اتباع الرسول شيئان: إما الجهل، وإما فساد القصد)[5].

 

كما يبين الإمام ابن القيم رحمه الله ثلاثة أبواب تصد الإنسان عن اتباع الحق وتورده المهالك، فقال: (دخل الناس النار من ثلاثة أبواب: باب شبهة أورثت شكًّا في دين الله، وباب شهوة أورثت تقديم الهوى على طاعة الله ومرضاته، وباب غضب أورث العدوان على خلقه)[6].

 

ثم يوضح العلل النفسية التي تؤدي إلى الولوج في هذه الأبواب، فيقول: أصول الخطايا كلها ثلاثة:

1- الكبر.

2- والحرص.

3- والحسد.

 

فالكفر من الكبر، والمعاصي من الحرص، والبغي والظلم من الحسد[7].

 

إن من يطلع على سير الأنبياء السابقين عليهم السلام مع أقوامهم، يلاحظ اطراد السنن الإلهية في صدود كثير من الناس عن الاستجابة لداعي الله، وهذا الصدود عن دعوة الحق، هو من تسلط الشيطان على الناس وتزيينه لهم الكفر وما هم عليه من الضلال، كما في قوله تعالى: ? وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ? [8]، فلم تنفعهم بصيرتهم، أنهم قد عرفوا الحق من الباطل وظهور البراهين، بل صدهم الشيطان عن طريق الحق[9]،كما قال تعالى: ? وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ? [10].

 

كما يظهر صد الشيطان للإنسان عن دين الإسلام، بإغلاق أبواب الخير والهداية أمامه وذلك بتربصه له من قبل شهوات نفسه، وإثارة الوساوس والشبهات أمام ناظريه ليثنيه عن اتباع الحق، كما بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (( إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه[11]، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك، فعصاه وأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كمثل الفَرَس في الطِّوَل[12]،فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد فهو جَهد النفس والمال، فتُقاتل فتُقتل، فتنكح المرأة ويقسم المال، فعصاه فجاهد.. ))[13].

 

فالشيطان لا يفتأ يخوف الإنسان من فقد الوطن والأهل والمال، ويثير الشبه والشهوات أمامه، ليصده عن طريق الحق، فإذا تمكن من ذلك تسلط عليه بتزيين الضلالة له، بل والدعوة لهذه الضلالة والكيد لغيره،كما في قوله تعالى: ? بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ? [14]، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ( من قرأها بفتح الصاد معناه: أنهم لما زُين لهم ما هم فيه، وأنه حق، دَعوا إليه، وصَدوا الناس عن اتباع طريق الرسل)[15].

 

وقد بعث الله عز وجل نبيه صلى الله عليه ? بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ? [16]، فأعرض أهل مكة، وامتنع كثير من كبرائها عن الإيمان بدعوته، رغم اشتهاره بالصدق بينهم، فقد كانت( قريش بأسرها تتيقن صدقه قبل الإسلام، فجهروا بتكذيبه في استدعائهم إليه، فمنهم من كذبه حسدا، ومنهم من كذبه عنادا، ومنهم من كذبه استبعادا أن يكون نبيا أو رسولا)[17].

 

وقد استمر هذا الإعراض والصدود أعواماً طويلة، رغم الجهود العظيمة التي بذلها صلى الله عليه وسلم في دعوتهم، ورغم الصدامات الدامية التي جرت بين الفريقين، وفضلا عن إسلام بعض سادتها في مراحل متفاوتة من عهد الدعوة الإسلامية، حتى فتح الله على نبيه البلد الحرام، وفتح قلوب أهله للإسلام فدخلوا فيه راغبين، وحذت حذوهم قبائل العرب، فأسلموا بعد امتناع واستجابوا بعد تعنت وإعراض.

 

وأسباب الصدود تختلف من شخص لآخر، ومن مجتمع لمجتمع غيره.

 

كما أنها تكون أحياناً داخلية نابعة من نفس الإنسان الضال عن طريق الحق، وتارة تكون بسبب تأثير عوامل خارجية.

 

وقد يكون سبب الصدود مقصوداً، كشهوة متحكمة، أو غير مقصود كشبهة عارضة مضلة.

 

والمدعو تارة يكون مصدوداً عن الحق بفعل هذه العوامل، وأحياناً يكون هو ذاته العامل الفعال في الصد عن سبيل الحق.




[1] سورة الحج جزء من آية 15.

[2] الصحاح فصل السين من باب الباء 1/ 145، وتاج العروس فصل السين باب الباء 1/ 293، والنهاية في غريب الحديث 2/ 329.

[3] الصحاح فصل الصاد من باب الدال 2/ 495، وتاج العروس فصل الصاد من باب الدال 2/ 394، والنهاية في غريب الحديث 3/ 15، و المنجد ص 418.

[4] ولا يلزم من هذا التعريف حصر هذه الأسباب في صدود الكفار عن الإسلام فقط، بل أن منها ما يمنع المسلم من القيام بحقوق الله تعالى وحقوق الدين ويصده عن الاستجابة المطلقة لأوامر الشرع.

[5] الفتاوى: ابن تيمية 15/ 93.

[6] الفوائد ص 76.

[7] بتصرف، المرجع السابق ص 76.

[8] سورة النمل جزء من آية 24 وهي في حق قوم ملكة سبأ.

[9] بتصرف، الجامع لأحكام القرآن 13/ 344.

[10] سورة العنكبوت جزء من آية 38، وهي بشأن عاد وثمود.

[11] جمع طريق، شرح السيوطي على سنن النسائي 6/ 21 ح 3134.

[12] والمقصود: الحبل الذي يشد أحد طرفيه في وتد، والطرف الآخر في يد الفرس، وهذا من كلام الشيطان، ومقصوده أن المهاجر يصير كالمقيد في بلاد الغربة، لا يدور إلا في بيته، ولا يخالطه إلا بعض معارفه، فهو كالفرس في طول لا يرعى إلا بقدره، بخلاف أهل البلاد في بلادهم، فإنهم مبسوطون لا ضيق عليهم، فأحدهم كالفرس المرسل. بتصرف، حاشية الإمام السندي على سنن النسائي 6/ 22.

[13]سنن النسائي كتاب الجهاد باب ما لمن أسلم وهاجر وجاهد 6/ 21 ح 3134 واللفظ له، ومسند الإمام أحمد 3/ 483 عن سبرة بن أبي فاكه رضي الله عنه، وموارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان كتاب الجهاد باب فضل الجهاد ص 385 ح 1601، وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة راوي الحديث سبرة بن الفاكه رض الله عنه: إسناد الحديث حسن إلا أن فيه اختلافا وصححه ابن حبان. انظر الإصابة 2/ 14.

[14] سورة الرعد جزء من آية 33.

[15] تفسير القرآن العظيم 4/ 385.

[16] سورة فصلت جزء من آية 4.

[17] أعلام النبوة ص 212.


"
شارك المقالة:
5 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook