أسس ومبادئ الارتقاء بالدعوة الإسلامية

الكاتب: المدير -
أسس ومبادئ الارتقاء بالدعوة الإسلامية
"أسس ومبادئ
الارتقاء بالدعوة الإسلامية




هناك مجموعة من الأسس والمبادئ التي ينبغي أن تقوم عليها سبل الارتقاء بالدعوة، منها ما يأتي:

1)) التأكيد على مبدأ النظرة الكلية في الارتقاء بالدعوة:

لا يستقل أي سبيل من سبل الارتقاء بالدعوة بالتأثير وحده دون أن يتوقف تأثيره على غيره، كما لا ينفرد أي علاج بإزالة معوّق من معوّقات الدعوة دون أن يؤثر ويتأثر بما حوله، وهذه طبيعة الأسباب والمسببات كما وضح ذلك الإمام ابن القيم - رحمه الله - بقوله: (ليس في الوجود الممكن سبب واحد مستقل بالتأثير؛ بل لا يؤثر سبب البتة إلا بانضمام سبب آخر إليه، وانتفاء مانع يمنع تأثيره؛ هذا في الأسباب المشهودة بالعيان وفي الأسباب الغائبة والأسباب المعنوية، كتأثير الشمس في الحيوان والنبات، فإنه موقوف على سبب آخر من وجود محل قابل، وأسباب أخرى تنضم إلى ذلك السبب)[1]، وهذا يوضح أهمية مبدأ النظرة الكلية في علاج المعوّقات أمام دعوة الطالبات، فالدعوة موجهة للطالبة وهي شخصية إنسانية متكاملة ينبغي لدعوتها وعلاج مشكلاتها (أن ننظر إلى الشخصية الإنسانية على أنها وحدة متكاملة، وليست مكونة من عناصر منعزلة مستقلة)[2]، وتقسيم المعوّقات إلى معوّقات متعلقة بالمعلمة أو الطالبة أو العملية الدعوية ذاتها هو تقسيم صوري لا يعارض النظرة الكلية، وإنما يُقصد به تسهيل دراسة هذه المعوّقات وعرضها، والتقسيم الحقيقي الخالي من التداخل لا يتأتّى في القضايا التي تمس الشخصية الإنسانية، أو عقبات توجيهها وإصلاحها.

 

ومما يؤكد أهمية هذا المبدأ: العلاقة الوثيقة بين عناصر العملية الدعوية والتأثير المتبادل بين جوانبها، فما يؤثر في الطالبة المدعوة ويعيق دعوتها لا يقف تأثيره عليها؛ بل يتعداها إلى المعلمة الداعية، كما أن أي انحراف أو تقصير يظهر على المعلمة يؤثر في الطالبة أو المعلمات الأخريات، ولهذه العلاقة الوثيقة بين عناصر الدعوة فإنه ينبغي للقائمات على دعوة الطالبات النظر إلى سبل الارتقاء نظرة متكاملة حيث يتأثر بعضها بالبعض الآخر، والعمل على علاج المعوّقات على أساس هذا المبدأ التكاملي، فلا يمكن علاج معوّق واحد من هذه المعوّقات ما لم يصاحب ذلك علاج للمعوّقات الأخرى حتى تؤتي الثمار المرجوة.

 

وحتى تتحقق النظرة الشمولية التكاملية فمن المهم إدراك العلاقات الترابطية وتجاوز الرؤية السطحية والتجزيئية للأشياء، بحيث ترى المعلمة الشيء مؤثراً ومتأثراً، وسبباً ومسبباً في آن واحد، فسلوك الطالبة المنحرف وسوء أخلاقها قد يكون نتيجة سوء علاقتها مع أسرتها وزميلاتها، وقد يكون نتيجة تقصيرها في تحصيلها الدراسي، وفي الوقت نفسه؛ قد يظهر أن سوء أخلاقها وانحرافها سبب لضعف علاقتها الأسرية كما أنه يدفع بالطالبة نحو التقصير في دراستها أكثر فأكثر، وفقد المعلمة للرؤية الترابطية يجعلها تعالج عوارض المرض دون انتباه للأسباب المسببة له، والتي قد تنتجه من جديد، كما أن ذلك يؤدي إلى اختلاط الأمر والحصول على نتائج ضئيلة لا تتناسب مع الجهود المبذولة في الإصلاح[3].

 

2)) ضرورة تعاون كافة الجهات المهتمة بالعملية الدعوية:

إن الارتقاء بالدعوة وعلاج معوّقاتها يتطلب التعاون بين جميع الجهات المعنية، فقد لا يكفي في تحقيق النتائج المرجوة تعاون المعلمة مع الطالبة فحسب، بل يضاف إلى ذلك تعاون إدارة المدرسة والإدارة التعليمية، مع دعم وزارة التربية، بالإضافة إلى المحيطين بالبيئة المدرسية من المؤسسات التربوية الأخرى كالأسرة والمسجد والجهات الخيرية وغيرها.

 

3)) التفاعل الذاتي لدى المعلمة الداعية والطالبة المدعوة في الجهود التي ترتقي بالدعوة:

من المهم أن يكون لكل من المعلمة الداعية والطالبة المدعوة دور إيجابي في إزالة المعوّقات التي تواجه دعوة الطالبات، حتى يحصل الارتقاء بالدعوة، كما يجب أن يُهيأ لهما الجو المناسب للقيام بمهمتهما الإيجابية الفعّالة، وأن تُعوّدا على مجابهة المشكلة والتدرب على حلها، وعلى تحديد الأهداف والترجيح بينها عند التعارض، وعلى اتخاذ نظرة واقعية متوازنة إلى نفسيهما وإلى غيرهما.

 

إن إشراك الطالبة والمعلمة في مواجهة عقبات الدعوة يعلمهما أن كثيراً من العاملات في مجال الدعوة يواجهنّ مثل تلك العقبات والمشكلات، الأمر الذي يجعل المعلمة والطالبة يتحلين بالثبات وعدم اليأس أو فقد الأمل أمام الصعوبات التي تعجز عن تغييرها، وأن استعصاء بعض المشكلات على الحل اليوم لا يعني استحالة معالجتها في المستقبل.

 

ولذلك يتطلب سبيل للارتقاء بالدعوة في المرحلة الثانوية مشاركة المعلمة أو الطالبة في التخطيط والتنفيذ للارتقاء بالدعوة، حتى يتم اكتشاف المعوّقات وأسبابها، وبالتالي تشعر كل منهما بأهميتها في مجال الدعوة رغم أن بعض المعوّقات مرتبطة بها، وإلا ظل أثر العلاج سطحياً، غير متناول للجوهر الحقيقي للمعوّق.

 

4)) أهمية تحديد أسباب معوّقات الدعوة:

إن التركيز على سبل الارتقاء بالدعوة وعلاج معوّقاتها ينبغي أن يركز على الأسباب والعوامل التي أدت إلى ظهور هذا المعوّق، بدلًا من أن يكون على أعراضه وآثاره، لأن الداعية إذا تعرفت على المعوّق؛ تمكنت من معالجة الأسباب الحقيقية له؛ بل وتغلبت عليه بصورة ناجحة فعّالة، أما إذا أهملت الأسباب وركزت على علاج الأعراض؛ فإنها لا تضمن علاجاً دائماً وحقيقياً للمعوّق، وحتى لو اختفت الأعراض بصورة مؤقتة، فإنها سرعان ما ترجع من جديد، وقد تبرز على شكل معوّق آخر، والطريقة الصحيحة هنا: أن يعالج العرض الخارجي والسبب الداخلي في آن واحد، مع إعطاء الأهمية الكبرى لعلاج السبب[4].

 

5)) مراعاة مظاهر الاتفاق والاختلاف:

لنجاح الدعوة لا بد أن تراعي القائمة بالدعوة أن اتحاد أو تشابه مظاهر معوّقات الدعوة بين مدرستين أو أكثر لا يعني أن أسبابها بالنسبة لكل مدرسة هي واحدة، بل كثيرا ما تختلف هذه الأسباب من مدرسة إلى أخرى، حيث إن لكل مدرسة ظروفها من حيث حالة مرافقها وعدد معلماتها وطالباتها وخصائصهنّ، وطبيعة الإدارة والإمكانات المادية، وقد تشترك أكثر من مدرسة في ظهور إعاقة ما مثل ضعف إقبال الطالبات على نشاط المصلّى، أو ضعف العلاقة بين المدرسة وأسرة الطالبة، ولكن عند تقصي الأسباب والظروف الذاتية والبيئية لكل مدرسة على انفراد، وعند تقصي الأسباب التي أدَّت إلى ظهور هذا المعوّق؛ يلاحظ أنها تختلف من مدرسة إلى أخرى، وهذا بدوره يتطلب علاجا مختلفا لكل مدرسة في ضوء ظروفها الخاصة وفي ضوء الأسباب المؤدية إلى إعاقة الدعوة، لأن ما يفيد في الارتقاء بالدعوة في مدرسة ما قد لا ينفع في مدرسة أخرى، أو قد لا يأتي بنفس النتائج الإيجابية التي قد تأتي مع الأولى، وبالمقابل فإنه يمكن القول بأن تشابه ظروف مجموعة من المدارس لا يستدعي بالضرورة ظهور نفس المعوّقات فيها، كـأن تكون المدارس في حي واحد والمدرسة بمواصفات متشابهة، لأن الاختلاف في شخصيات المعلمات والطالبات له تأثير كبير في إعاقة الدعوة أو الارتقاء بها، وهذا يؤكد أهمية التنوع والمرونة في أساليب العلاج وسبل الارتقاء.




[1] الفوائد ص 78.

[2] الأسس النفسية والتربوية لرعاية الشباب: د. عمر الشيباني ص 173.

[3] ينظر: تجديد الوعي: د. عبد الكريم بكار ص 193-194.

[4] ينظر: الأسس التربوية والنفسية لرعاية الشباب: د.عمر الشيباني ص 178.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook