أسلوب الكتمان في الدعوة إلى الله

الكاتب: المدير -
أسلوب الكتمان في الدعوة إلى الله
"أسلوب الكتمان في الدعوة إلى الله

 

الأصل في الدعوة إلى الله الوضوح والظهور والإعلان، لأن التبليغ والنذارة يقتضيان هذه الأمور، وقد قال تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم بإبلاغ ما أوحاه إليه من العقائد والشرائع والأحكام، وناهياً له عن التقصير في التبليغ لأي اعتبار من الاعتبارات: ? يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ? [المائدة: 67][1]، وقد أمره أن يصدع بالدعوة ويجاهر بها في قوله تعالى: ? فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ? [الحجر: 94][2].

 

ولكن قد تقتضي الحكمة أحياناً الإخفاء والكتمان لبعض أحوال الدعوة، وأمورها، وعدم إظهارها أمام الناس، وذلك من باب الحذر وأخذ الحيطة، فالداعية الحذر يعرف مدى ضرر المكروه المتوقع حصوله، فيخاف من وقوعه خوفا يدفعه إلى التحرز ومباشرة الأسباب لمنع وقوعه، أو لدفعه إذا وقع أو التقليل من أذاه وأضراره، ويلجأ في سبيل ذلك إلى الكتمان[3].

 

والكتمان والحذر من الأسباب المهمة للحفاظ على الدعوة ورجالها، وهناك الكثير من الأدلة على مشروعية مثل هذا الأمر، ووجوبه عند الحاجة إليه، ومن ذلك قوله تعالى: ? وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ? [الفتح: 25][4]، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله عن هؤلاء المؤمنين: أي بين أظهر المشركين، ممن يكتم إيمانه، ويخفيه منهم خيفة على أنفسهم من قومهم[5].

 

وكذلك قوله تعالى ? يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ? [النساء: 71][6]، ( أي تيقظوا واحترزوا من العدو، لا تمكنوه من أنفسكم، ويقال : أخذ حذره إذا تيقظ واحترز من المخوف، كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه)[7].

 

ومما يدل على مشروعية الكتمان، ما رافق السنوات الأولى من الدعوة الإسلامية من السرية الشديدة، والتكتم الذي تغير حسب الظروف والأحوال حتى قوي أمر الإسلام[8].

 

وفي غزوة الفتح اعتمد النبي صلى الله عليه وسلم على عامل مباغتة قريش ومفاجأتهم، وتكتم تكتما شديدا، وحرص أشد الحرص على أن لا تنكشف نيته لأحد عندما اعتزم المسير إلى مكة، ولم يبح بالأمر لأقرب أصحابه إلى نفسه ، أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، ولم يبح بسره إلى أحب نسائه إليه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ثم أعلم الجميع وبقي السر في طي الكتمان داخل حدود المدينة، حتى أنجز الجميع استعداداتهم، وفوق ذلك بث عيونه وأرصاده ودورياته، لتحول دون تسرب الخبر إلى مكة، وأطلعه الله حفاظا له وللمؤمنين بما يتعلق بشأن حاطب رضي الله عنه ورسالته، فاستطاع أن يحجز على تلك الرسالة قبل أن تصل لمكة[9].

 

مجالات استخدام أسلوب الكتمان:

1- في حالة غلبة الباطل، وصولته على الحق، كالتكتم على بيعة العقبة الثانية، حين استخفى بها الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون من الكفار[10].

 

وكما ذكر الله تعالى عن مؤمن آل فرعون ? وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ? [غافر: 28][11]، فمن حكمة كتمه لإيمانه، أنه إن أظهر موافقتهم وكتم إيمانه، فإنهم يراعونه في الغالب ما لا يراعونه لو خالفهم في الظاهر، ويسلم من أذاهم له[12].

 

2- عند رجحان تحقق مصلحة تقتضي الكتمان، كما حدث في غزوة الأحزاب، حين كتم نعيم بن مسعود[13] رضي الله عنه إسلامه، ليتمكن من تغيير مجرى المعركة، بالوقيعة بين الأحزاب وبين بني قريظة، وقد وجهه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاستفادة من ذلك، بقوله:(( إنما أنت رجل واحد، فخذل عنا ما استطعت ، فإن الحرب خَدْعة))[14] [15].

 

وقد ظهرت مصلحة الكتمان في غزوة الفتح، إذ أنها كانت لتحقيق عامل مفاجأة قريش وإرضاخهم للاستسلام للمسلمين دون إراقة دماء.

 

3- إذا كان التصريح والإعلان يؤدي إلى مفسدة ، كالفتّ في عضد المسلمين، أو يسبب لهم البلبلة والاضطراب، ومثال ذلك: أمر النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة رضي الله عنهما، بكتمان غدر بني قريظة عن المسلمين ، في غزوة الأحزاب، وأن يلحنا له لحنا يعرف منه حقيقة الخبر[16]، وذلك محافظة على روح المسلمين المعنوية، فالكتمان يكون فيما يضر إظهاره، أما ما لا يضر إظهاره فلا يصلح كتمانه، خاصة إذا كان متعلقا بتنظيم أمور الدعوة وترتيبها، كتصريح المرء بإسلامه أو كونه داعية إلى الله.

 

متطلبات نجاح هذا الأسلوب:

1- اتفاق رأي الدعاة على ضرورة الكتمان في الأمر المعين، حتى تظهر مصلحة إظهاره، ومما يعين على ذلك إدراك الحكمة من الكتمان والفائدة المرجوة من إعلانه، لأن مخالفة أحدهم وإفشاءه لسر الجماعة قد يؤدي إلى إيذاء إخوانه[17].

 

ولعل الفرق بين موقف حاطب رضي الله عنه، وإفشائه لخبر مسير المسلمين إليهم، وموقف العباس رضي الله عنه، وحرصه على إعلام قريش قبل دخول الرسول صلى الله عليه وسلم مكة ظاهر، فإفشاء حاطب للسر عدها بعض الصحابة جريمة وخيانة للمسلمين، ولم ينجه من العقوبة إلا شهوده بدرا، أما العباس رضي الله عنه فقد أظهر الأمر عندما اختفت مصلحة الكتمان، بل إن المصلحة كانت في ذلك الوقت في الإعلان، وذلك حتى يستأمن أهل مكة لأنفسهم.

 

2- طاعة القائد أو المسئول ممن هم دونه، إذا أمر بكتمان أمر ما رأى المصلحة في كتمانه، حتى لو لم ترسخ القناعة في أنفس الأفراد بضرورة ذلك، فاجتماع كلمة المسلمين أمام أعدائهم، وظهور اتفاق الدعاة أمام المدعوين خير من تخذيلهم لبعضهم، ومخالفة كل منهم الآخر، وقد ضرب الصحابة مثلا رائعا في اجتماع كلمتهم ، وطاعتهم لرسول صلى الله عليه وسلم حين وقفوا عند أمره ولم يفتاتوا عليه، ولم يعط أحدهم الأمان لأبي سفيان لما قدم المدينة لتجديد العهد، وفي ذات الوقت لم تظهر بادرة من أحدهم تشير إلى عزم الرسول صلى الله عليه وسلم على غزوهم[18].

 

3- أن يقدر الكتمان بقدره، فلا يبالغ فيه، أو يستكثر منه، لأن الأصل في الدعوة الوضوح والبيان، كما أن الإكثار منه بغير ضرورة قد يؤدي إلى ضعف الثقة، وكثرة الشكوك بين المسلمين، وتأخر الدعوة، وسيطرة الخوف والتوجس في نفوس الدعاة والمدعوين، فمسألة السرية والعلنية أثناء السير في طريق الدعوة، والتنقل بين مراحلها، مسألة نسبية، وليست مطلقة: أي سرية فقط أو علنية فقط، فالمراحل والظروف التي تحيط بالدعوة، وقوة الدعوة وقدرتها على الرد على أعدائها، هي التي تحدد تفاصيل العمل الدعوي وتوزع الأدوار المختلفة بين الدعاة.

 

فينبغي للدعاة ألا يجنحوا للسرية دائما خوفا من المواجهة، أو إلى العلنية دائما اندفاعا وتهورا، وإنما تنتقل الدعوة من طور إلى طور، دون طفرة واستعجال، وكذلك دون تفويت للفرص، أو خوف من الأذى[19]، مع مراعاة تطبيق قاعدة المصلحة والمفسدة، فدعاة الإسلام الذين كانوا يستخفون بصلاتهم من قومهم ويصلون في شعاب مكة[20]، عند بدء الدعوة وضعفها، هم أنفسهم الذين طهروا مكة وما حولها من الأصنام، وقاموا يصلون في بيت الله الحرام بعد أذان بلال رضي الله عنه فيه.

 

آثار أسلوب الكتمان على الدعوة الإسلامية:

1- إذا وضعت خطة، وكان الكتمان أحد دعائمها، فإن المحافظة على هذا الجزء من أسباب إنجاح الخطة بإذن الله، وتنفيذها حتى نهايتها، وقد أفلحت ترتيبات الرسول صلى الله عليه وسلم في الكتمان لحرمان قريش من معرفة خبر غزوهم، وتمت مباغتة متميزة للغاية، أجبرت قريشاً على الاستسلام دون قتال[21].

 

2- المحافظة على الأرواح أن تزهق، فالدعاة هم رأس مال الدعوة ووقودها، وقد تلجئهم بعض الظروف القاهرة إلى السرية والتكتم حذرا من أن تستأصلهم يد الباطل، والمغامرة في تلك الحال بكشف رجال الدعوة دون فائدة حقيقية، أو بخطوات غير مدروسة بعناية[22]، أمر بعيد كل البعد عن الحكمة التي يجب أن ينتهجها الداعية في دعوته.




[1] سورة المائدة جزء من آية 67.

[2] سورة الحجر جزء من آية 94.

[3] بتصرف، أصول الدعوة ص 448.

[4] سورة الفتح جزء من آية 25.

[5] بتصرف، تفسير القرآن العظيم 7/ 325.

[6] سورة النساء آية 71.

[7] تفسير أبي السعود 2/ 200.

[8] بتصرف، غلام الدعوة، دروس في حديث الساحر والغلام والراهب: هشام صقر ص 71- 72، دار التوزيع والنشر الإسلامية القاهرة، ط:1، 1414هـ 1994م.

[9] بتصرف، الرسول القائد ص 347. وانظر الآثار التشريعية في فتح مكة من ص 35- 357، وانظر العبقرية العسكرية في غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم من ص 558- 560.

[10] انظر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم: ابن هشام 2/ 47.

[11] سورة غافر جزء من آية 28.

[12] بتصرف، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 6/ 522. وانظر أصول الدعوة ص 456.

[13] هو نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف الأشجعي، أبو سلمة، صحابي مشهور أسلم ليالي الخندق، وأوقع الخلاف بين الأحزاب، قتل في وقعة الجمل، وقيل مات رضي الله عنه في خلافة عثمان. بتصرف، الإصابة 3/ 568.

[14] انظر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم : ابن هشام 3/ 247، وعيون الأثر 2/ 89، وقد روى الإمام البخاري في صحيحه قوله صلى الله عليه وسلم : الحرب خَدْعة، كتاب الجهاد والسير باب الحرب خدعة 4/ 24.

[15] انظر غلام الدعوة ص 73.

[16] انظر عيون الأثر 2/ 83. وكذلك ما حدث في سرية عبد الله بن جحش، حين كتب له كتاب وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه ثم يمضي، ولا يستكره أحدا من أصحابه، وذلك محافظة على معنويات المسلمين لأن الأوامر كانت بأن يترصد قريشا قرب مكة. انظر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم : ابن هشام 2/ 238.

[17] بتصرف، غلام الدعوة ص 75.

[18] ولعل سياق القصة في كتب السيرة يوحي بأن أبا سفيان قدم بعد نقض العهد مباشرة، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ قد أعلن نية الغزو.

[19] بتصرف، غلام الدعوة ص 76 - 77.

[20] انظر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم: ابن هشام 1/ 275.

[21] بتصرف، الرسول القائد ص 348.

[22] بتصرف، غلام الدعوة ص 71.


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook