أصالة الصراع بين الإنسان والشيطان واستمراره

الكاتب: المدير -
أصالة الصراع بين الإنسان والشيطان واستمراره
"أصالة الصراع بين الإنسان والشيطان واستمراره

 

يستمرُّ صِراع الشَّيطان مع الإنسان في الأرض، ويأخذ أبعادًا مختلفة، لكنه في مجمله ينطلق من البذور التي بذَرها الشيطان في قصَّة صراعه الأولى مع الإنسان، وقد جاء القرآن الكريم كاشفًا لهذه الصور الأخرى من الصِّراع التي هي امتِداد للصِّراع الأول، ومجمل هذه الصور يمكن تصنيفها على النحو الآتي:

إيقاعهم في الكفر والردَّة:

• إنَّ غاية الشيطان من خطَّته التي اختطها وأقسَم على تنفيذها: إيقاع بني آدم في الكفر، والارتداد عن الدِّين؛ ذلك أنَّ من أعظم صفاته التي وصَفه الله بها الكفر، قال تعالى: ? وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ? [الإسراء: 27]، ومعنى كونه كفورًا: أنَّه يَستعمل بدنه في المعاصي والإفساد في الأرض والإضلال للناس[1]، ومَن كانت هذه صِفته فهو ولا شك سوف يَدعو الناس إلى الكفر، واتباعه سوف يؤدِّي حتمًا إلى الكفر، وما سبق عرضه من صور خطَّته في صراعه مع بني آدم تصبُّ كلها في هذه الغاية الكبرى للشيطان.

 

والنصوص القرآنية التي تحدَّثَت عن هذه الغاية الكبرى للشيطان قد صرَّحَت بأمر الشيطان للإنسان بالكفر حينًا، وبالارتداد حينًا آخر، وبالموالاة التي تعني: الكفر بسبب اتِّباعه، فلننظر إلى هذه الصور القرآنيَّة؛ لنتعرَّف على أبعاد الخطَّة الشيطانية، وكيفية تنفيذها، قال تعالى: ? كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ? [الحشر: 16]، النصُّ يشبه حال المنافقين وحلفائهم من يهود بني النَّضير بحال الشَّيطان ? إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ ?؛ وذلك أنَّ المنافقين قالوا لهم كما جاء في سورة الحشر: ? لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ... ? [الحشر: 11]، ولكن الله قال في شأن المنافقين؛ كما جاء عقبه في السورة نفسها: ? وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ? [الحشر: 11، 12]، وكذلك كان من أمرهم حين حاصرهم الرسولُ وأجلاهم عن المدينة؛ لم ينصرهم إخوانهم المنافقون، فكان حال المنافقين وإخوانهم من يهود، كحال الشيطان إذ قال للإنسان: اكفر، وكان الوصف هنا شبيه الوصف هناك[2].

 

فالشيطان يدعو أولياءه وحزبَه من الناس، والإنسان يَنخدع بالشيطان، فهما متلازمان غواية واستجابة، حتى إذا تمَّ التأثير وتنمَّر المرء بطغيانه وكفره، نفَض منه كفَّيه، (وأسلمه إلى الهلاك، وأظهر قطع العلاقة وتهاون الصِّلة، بدعوى الخوف من الله ربِّ العالمين؛ وهكذا أولياء الشيطان من كلِّ الفصائل والأجناس في إغراءاتهم المشتركة، فإذا حَمي الوطيس، تبرَّأ القرين من قرينه، والأخُ من أخيه، وعادوا سواسية في ملحظ الهلاك ومنظار الاستسلام)[3].

 

إنَّ تبرؤ الشيطان يأتي في أحلك الظروف؛ إذ يأتي والمرء بحاجة إلى المُعين والناصِر، فيتبرَّأ منه والحالة هذه؛ (ففي الآية إيجاز حَذفٍ، حُذف فيها معطوفات مقدَّرة بعد شرط (لَمَّا)، هي داخلة في الشرط؛ إذ التقدير: فلمَّا كفر واستمرَّ على الكفر، وجاء يوم الحشر، واعتذر بأنَّ الشيطان أضلَّه، قال الشيطان: إنِّي بريء منك... إلخ)[4].

 

وفي النِّهاية يعاقَب كلا الطرفين الممثل بهما بالخسران في الآخرة؛ وذلك بخلودهما في النَّار، وهي عاقبة كلِّ ظالم، ومفسِدٍ، وباحثٍ عن المكيدة للمسلمين، وبعد هذا البيان والإعذار والإنذار، فلا شك (أنَّ المقدِم على طاعته عاصٍ على بصيرة لا عذر له)[5]، وهو يستحقُّ هذه العقوبة العظيمة، وقد جاءت هذه العقوبة موضحة بشكل أكبر عند قوله تعالى: ? فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ? [مريم: 68]، ففي الآية إقسام من الله تعالى بنَفسه بأنَّه سوف يبعث هؤلاء المشركين من قبورهم، ويَحشرهم مع الشياطين الذين أضلوهم في جهنَّم[6]، فالمعنى: (إنَّهم يُحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم، يقرنون كل كافر مع شيطان)[7].

 

وعطف (الشياطين على ضمير المشركين بقَصد تحقيرهم، بأنَّهم يُحشرون مع أحقر جِنس وأفسده، وللإشارة إلى أنَّ الشياطين هم سبَب ضلالهم الموجب لهم هذه الحالة، فحشرهم مع الشياطين إنذار لهم بأنَّ مصيرهم هو مَصير الشياطين، وهو محقق عند الناس كلهم)[8]، ولا يخفى ذلك التهديد الرَّهيب في الآية بإحضارهم حول جهنَّم جاثين على رُكبهم، وهم في كلِّ ذلك يتنقَّلون بين أنواع العذاب، هم وقرناؤهم؛ كما لا تخفي الآية تلك العلاقة القائمة بين المشركين والشياطين، والتي تعني: علاقة بين التابع والمتبوع، والقائد والمقود؛ نتيجة لأمر الشيطان لهم بالكفر واتِّباعهم إياه[9].

 

• وهذه صورة أخرى للكُفر متمثلة في الارتداد، يصوِّر لنا فيها القرآن حالَ فئة من النَّاس ساروا في طريق الحقِّ والهدى، ثمَّ رجعوا عنه بعدما تبيَّن لهم صورة وهي تتمثل بحركة حسيَّة، تعني: الرجوع إلى الأدبار، وسبب ذلك كله هو تَزيين الشيطان وإغراؤه، قال الله تعالى: ? إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ? [محمد: 25]؛ فالآية تَحكي صِفةَ بعض أهل الكتاب والمنافقين الذين تَبيَّن لهم الحق، ثمَّ منعهم متابعتهم للشيطان وتسويله وتزيينه وإملاؤه لهم من اتِّباع هذا الحقِّ، فارتدوا على أدبارهم، ورجعوا القهقرى[10].

 

فالارتداد على أدبارهم هنا (تمثيل للرَّاجع إلى الكفر بعد الإيمان بحال مَن سار ليصِل إلى مكان، ثمَّ ارتدَّ في طريقه، ولمَّا كان الارتداد سيرًا إلى الجهة التي كانت وراء السائر، جعل الارتداد إلى الأدبار؛ أي: إلى جهة الأدبار)[11].

 

وإنما كان هذا الارتداد والانتكاس - كما ذكرنا آنفًا - سببه تَسويل الشيطان وتزيينه، فهو يزيِّن للناس طريقَ الباطل، ويوهمهم أنَّ في هذا الطريق إرضاء لشهواتهم، وإشباعًا لغرائزهم، فيسيرون فيه، وكم يرى المرء من هؤلاء الذين تنكَّبوا الطريق وحادوا عنه بعدما عرفوه، لا لشيء إلَّا بسبب تسويل الشيطان!

 

• وهذه صورة أخرى تمثِّل حالةَ الارتداد بعد معرفة الحق، قال تعالى: ? وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ? [الأعراف: 175، 176]، إنَّه مثال للعلماء الذين اتَّبعوا أهواءهم، فلعبَت بهم الشياطين، وجعلَتهم يتنكَّبون الطريقَ ويحيدون عن الصِّراط القويم.

 

وإذا كانت كتب التفسير قد خاضَت في معرفة هذا الرجل الذي نزلَت فيه هذه الآية، وذهبَت فيه كلَّ مذهب؛ فمِن قائل: إنَّه بلعام بن باعوراء، ومن قائل: إنَّه أمية بن الصلت، ومن قائل: إنَّه أبو عامر الفاسق... وثمَّة آراء أخرى لا تَخلو من الإسرائيليات[12]؛ لذلك فإنَّني لن أتوسَّع في تفاصيل معرفة ذلك الرجل؛ لأنَّ المهم هو صِفته لا شخصه، تلك الصِّفة التي تبيِّن لنا باختصار: صِفة رجل آتاه الله آياته، ثمَّ لم يستقِم عليها؛ بل انحرف عنها اتباعًا لهواه وشهواته وشيطانه، وهذا ما أراد النصُّ الوصولَ إليه، ولَكَم يُشاهِد المرء في كلِّ عصر ومصر عند العصور الغابرة وحتى عصرنا هذا مَن يَعرف الحقَّ ثم يحيد عنه، أو يتخلَّى عنه اتباعًا لهواه! سواء كان ذلك على مستوى الذين مَنَّ الله عليهم بالهداية، ثمَّ انحرفوا عن الجادَّة بسبب من الهوى والشيطان، أو على مستوى العلماء والحكام الذين يَعلمون الحقَّ ثم يتركونه، فكم (من عالم دين رأيناه يَعلم حقيقةَ دين الله، ثمَّ يَزيغ عنها، ويعلِن غيرها، ويستخدم علمه في التحريفات المقصودة والفتاوى المطلوبة لسلطان الأرض الزائل، يحاول أن يثبت بها هذا السلطان، المعتدي على سلطان الله، وحرماته في الأرض جميعًا)[13]، ثمَّ لننظر كيف صوَّر القرآن الكريم حالةَ الارتداد عند هذا المسكين الذي اتَّبع الشيطان فيما وسوس له فيه من اتباع هواه، إنَّه شبَّهه بعملية الانسلاخ، والانسلاخ (حقيقته: خروج جسَد الحيوان من جلده حينما يُسلخ عنه جلده، والسَّلخ: إزالة جلد الحيوان الميِّت عن جسده، واستُعير في الآية للانفصال المعنوي، وهو تَرك التلبُّس بالشيء أو عدم العمل به)[14]، وهذا الانسلاخ مستعمل عند العرب في خروج الثعابين من جلودها؛ وفيه دلالة واضحة على أنَّ الجلد (كان متمكنًا منها ظاهرًا لا باطنًا)[15].

 

وبذلك نفهم أن هذا الرجل آتاه الله الآيات والهدى والعلم، وأنعَم عليه بذلك، ولكنَّ هذا العلم لم يلامِس شغاف قلبه، ولم يصِل إلى مرحلة العمل؛ بل بقي علمًا في الظَّاهر لا أثر له على القلب ألبتة؛ ولذلك انسلَخ من هذه الآيات وتركها؛ كانسِلاخ الحيَّات من جلدها، وسبب هذا الانسلاخ اتِّباعه لهواه وتزيين الشيطان له[16].

 

وعليه؛ فإنَّ هذا الرجل قد (فارق الإيمانَ مفارقةَ مَن لا يعود إليه أبدًا، فإنه انسلَخ من الآيات بالجملة كما تَنسلخ الحيَّة من قشرها، ولو بقي شيء لم ينسلِخ منها)[17]؛ ولذلك فإنَّه قد ضلَّ عن علم، واختار الكفرَ عن عمد، ثمَّ ترتَّب على انسلاخه من الآيات أن أدركه الشيطان ولحقه حتى صيَّره تابعًا له؛ وهذا يدلُّ على ظفره به واقتناصه له، وما ذاك إلَّا لأن هذا الرجل (خرج من الحصن الحصين، وسار إلى أسفل سافلين، فأزَّه إلى المعاصي أزًّا)[18]؛ لأنه فقَدَ حِصنَه الذي كان يتحصَّن به؛ وهو إيمانه، والعلم الذي آتاه الله إياه، فأصبح عرضةً لوساوس الشيطان؛ كذلك مثل الإنسان الذي يفقد جلده الخارجي، إنَّه لا شك سيكون عرضةً للإصابة بالكثير من الجراثيم والأمراض، (فالانسلاخ من الآيات أثَر من وسوسة الشيطان، وإذا أطاع المرء الوسوسةَ، تمكَّن الشيطانُ من مقاده، فسخَّره وأدامَ إضلاله)[19]، ثمَّ ترتَّب على ذلك مرة أخرى أن كان هذا الرجل من الغاوين، وتأمَّل التعبير بالفاء لإفادة الترتيب مع التعقيب، فإنَّ هذا الرجل انسلَخ من الآيات، فكان ذلك سببًا في تمكُّن الشيطان منه، وكان هذا سببًا في غَوايته، وكأنها أمور حدثَت بشكل سريع ومتتابع[20].

 

والحاصل أنَّ هذا الرجل (غوى بعد الرشد، والغيُّ: الضلال في العلم والقصد، وهو أخصُّ بفساد القصد والعمل، كما أنَّ الضلال أخصُّ بفساد العلم والاعتقاد، فإذا أُفرد أحدهما، دخل فيه الآخر)[21].

 

ثمَّ يقول تعالى: ? وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ?، قال الطبري رحمه الله بعد أن ساق الأقوالَ الواردة في معنى ? لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ?، قال: (وأَولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يُقال: إنَّ الله عمَّ الخبر بقوله: ? وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ?، أنْ لو شاء رفعَه بآياته التي آتاه إيَّاها، والرفع يعمُّ معانيَ كثيرة؛ منها: الرفع في المنزلة عنده، ومنها: الرفع في شرَف الدنيا ومكارمها، ومنها: الرفع في الذِّكر الجميل والثناء الرفيع، وجائز أن يكون الله عَنى كلَّ ذلك؛ أنه لو شاء لرفعه فأعطاه كلَّ ذلك بتوفيقه للعمل بآياته التي كان آتاها إياه...)[22]، فهذه العبارة من النصِّ تُعطي تصورًا أن الله سبحانه وتعالى (لم يشَأ رفعه بآياته؛ لأنَّه لم يستحق هذا الرفع، وهو ممكن باختياره الحرِّ أن يرتفع، وليس من حكمة الله أن يرفع المتسفلين بإرادتهم الحرَّة، وهم موضوعون في الحياة الدنيا موضع الابتلاء والامتحان)[23].

 

• ? وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ? [الأعراف: 176]، لقد عبَّر عن حرصه على الدنيا وميله إليها بالإخلاد إلى الأرض؛ (لأنَّ ما فيها من العقار، والضياع، وسائر أمتعتها من المعادن، والنبات، والحيوان - مستخرَج من الأرض، إنَّما يقوى ويكمل بها، فالدنيا كلها هي الأرض، فصحَّ أن يعبر عن الدنيا بالأرض)[24].

إذًا؛ فهذا الرجل مال إلى الدنيا بكلِّيته ولزمها، ونتج عن ذلك أنَّه اتَّبع هواه فصار تابعًا له يَقتدي به ويحذو حذوه، وهذا يعني حِرصه على مَسافل الأمور، والابتعاد عن معاليها؛ نتيجة لحقارة همَّته، وخسَّة نفسه[25].

 

ونتيجة لذلك فقد شبَّهه بالكلب فقال: ? فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ ? [الأعراف: 176]، (وهذا التمثيل من مبتكرات القرآن)[26]، ووجه الشَّبه بين هذا الرجل وبين الكلب ما ذكره الرازي رحمه الله فقال: (إنَّ كل شيء يلهث فإنَّما يلهث من إعياء أو عطَش، إلَّا الكلب اللَّاهث فإنَّه يلهث في حال الإعياء وفي حال الرَّاحة، وفي حال العطش وفي حال الري، فكان ذلك عادة منه وطبيعة، وهو مواظب عليه كعادته الأصلية، وطبيعته الخسيسة، لا لأجل حاجة وضرورة؛ فكذلك مَن آتاه الله العلمَ والدِّين وأغناه عن التعرُّض لأوساخ أموال الناس، ثمَّ إنَّه يميل إلى طلَب الدنيا ويلقي نفسه فيها، كانت حاله كحال ذلك اللاهث؛ حيث واظب على العمل الخسيس والفِعل القبيح لمجرَّد نفسه الخبيثة، وطبيعته الخسيسة، لا لأجل الحاجة والضرورة)[27].

 

فهو يكدُّ ويتعب ولا يصِل إلى مبتغاه؛ ذلك أن مطالب نفسه تتجدَّد دومًا، (فكلَّما حقَّق مطلبًا أو خاب في سعيه، تجدَّد في نفسه مَطلب يطمع في تحقيقه، فيسعى مجتهدًا كادًّا لاهثًا في جريه، طامعًا في الحصول عليه، مشوقًا للظفر به، فهو بسبب أهوائه، وشهواته، وشرَهِ نفسه لمتاع الحياة الدنيا، لا يتوقَّف عن الكدِّ والكدح الذي يجعله لاهثًا دومًا)[28].

 

والحاصل من هاتين الآيتين: (الترغيب في العمل بالعلم، وأنَّ ذلك رفعة من الله لصاحبه، وعِصمة من الشيطان، والترهيب من عدَم العمل به، وأنَّه نزول إلى أسفل سافلين، وتسليط للشيطان عليه، وفيه أنَّ اتِّباع الهوى وإخلاد العبد إلى الشهوات يكون سببًا للخذلان)[29].

 

وضمن هذا الإطار تكون ولاية الشَّيطان للكافرين، والمنافقين، والعصاة؛ يتولَّاهم بالإضلال، والإفساد، والاصطدام مع أوامر الله وسنَّته في الحياة، وإلى هذا المعنى كانت الإشارة بأمثال قوله تعالى: ? فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ? [النحل: 63]، وقوله تعالى: ? إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ? [الأعراف: 27]، وقوله تعالى: ? فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ? [الأعراف: 30]، فهؤلاء حلَّت فيهم سنَّة الضلال، وحقَّت عليهم الضلالة من الهدى والرشاد، باتِّخاذ الشيطان وليًّا من دون الله، فالفريق الذي حقَّ عليه الضلالة إنما ضلُّوا عن سبيل الله، وجاروا عن قَصد المحجَّة؛ باتِّخاذهم الشياطين نصراء من دون الله، وظهراء، جهلًا منهم بخطأ ما هم عليه من ذلك؛ بل فعلوا ذلك وهم يظنون أنَّهم على الهدى، وأنَّ الصواب ما أتوه وركبوا[30].

 

فهم قد رفضوا ولايةَ الله لهم، فلم يتَّبعوا ما أنزل الله لهدايتهم؛ بل زينَت لهم الشياطين اتِّباع الأهواء والشهوات والمحرَّمات من زينة الحياة الدنيا، فاتَّخذوا الشياطينَ أولياء لهم من دون الله بإرادتهم الحرَّة، (فغرَّتهم الشياطين بوساوسهم، وتسويلاتهم، وإطماعاتهم لهم بالباطل، من زخرف الأفكار والأقوال، فصاروا يتابِعون في مسيراتهم خطوات الشياطين، آنًا فآنًا على غير بصيرة، حتى أوصلَتهم إلى حضيض الضَّلالة، وأدركَتهم مناياهم وهم في هذا الحضيض)[31].

 

إذًا، تولية الشيطان تَعني: طاعته واتِّباعه في كلِّ ما يأمر، وهذا يعني بوضوح: الارتداد؛ لأنَّ مَن تولَّى أحدًا كان له تبعًا في كل أمر، فالنصوص رسمت الإطارَ لهذه الولاية بالباطل، وقد قضى الله عزَّ وجل فيمن تولَّى الشيطان أن يضلَّه عن الصِّراط المستقيم، ويهديه إلى عذاب الجحيم[32]، قال تعالى: ? وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ? [الحج: 3، 4]؛ تلك كانت صورة أخرى من صور صِراع الشيطان مع الإنسان، وتلك كانت أيضًا فقرة أخرى من فقرات خطَّته التي أراد من خلالها إيصال الإنسان إلى مرحلة الكفر والردَّة.




[1] ينظر: التفسير الكبير؛ الرازي - ج (20)، ص (155).

[2] ينظر: تفسير ابن كثير - ج (4)، ص (341)، وينظر: أمثال القرآن وصور من أدبه الرفيع؛ عبدالرحمن حسن حبنكة الميداني - ص (36).

[3] الصورة الفنية في المثل القرآني؛ محمد حسين علي الصغير - ص (293).

[4] التحرير والتنوير؛ ابن عاشور - ج (28ص 109).

[5] تيسير الكريم الرحمن - ص (853).

[6] ينظر: الاتباع أنواعه وآثاره في بيان القرآن - ج (2)، الاتباع المذموم - ص (515).

[7] تفسير القرطبي ج (11)، ص (88).

[8] التحرير والتنوير؛ ابن عاشور - ج (16)، ص (147).

[9] ينظر: الاتباع أنواعه وآثاره في بيان القرآن - ج (2)، ص (516).

[10] ينظر: التفسير الموضوعي بين النظرية والتطبيق؛ د. صلاح عبدالفتاح الخالدي - دار النفائس - الأردن - ط2 - 1422هـ - 2001 م، ص (272)، وينظر: الاتباع - ج (2)، ص (517).

[11] التحرير والتنوير؛ ابن عاشور ج (26، ص (115).

[12] ينظر: جامع البيان؛ الطبري - ج (9)، ص (123)، والتفسير الكبير؛ الرازي - ج (15)، ص (46)، والجامع لأحكام القرآن؛ القرطبي - ج (7)، ص (319).

[13] في ظلال القرآن؛ سيد قطب - م3، ص (1398).

[14] التحرير والتنوير؛ ابن عاشور ج (5)، ص (176).

[15] تفسير المنار - ج (9)، ص (406).

[16] ينظر: الاتباع أنواعه وآثاره في بيان القرآن - ج (2)، الاتباع المذموم؛ محمد بن مصطفى السيد - ص (448).

[17] بدائع التفسير الجامع لتفسير ابن قيم الجوزية - ج (2)، ص (312).

[18] تيسير الكريم الرحمن؛ ابن السعدي - ص (309).

[19] التحرير والتنوير؛ ابن عاشور - ج (5)، ص (177).

[20] ينظر: تيسير الكريم الرحمن - ص (309)، والاتباع في القرآن - ج (2)، الاتباع المذموم، ص (449).

[21] بدائع التفسير الجامع لتفسير ابن قيم الجوزية - ج (2)، ص (313).

[22] جامع البيان - ج (9)، ص (127).

[23] معارج التفكر ودقائق التدبر؛ الميداني - م5، ص (37).

[24] التفسير الكبير؛ الرازي ج (15، ص (46).

[25] ينظر: بدائع التفسير ج (2)، ص (311 - 313)، والاتباع أنواعه وآثاره في بيان القرآن ج (2)، ص (450).

[26] التحرير والتنوير - ج (5)، ص (177).

[27] مفاتيح الغيب - ج (5)، ص (46).

[28] معارج التفكر ودقائق التدبر؛ الميداني - م5، ص (32).

[29] تيسير الكريم الرحمن - ص (309).

[30] ينظر: تفسير الطبري - ج (5)، ص (159)، وتفسير البيضاوي ج (2)، ص (189)، وتفسير الخازن ج (2)، ص (223).

[31] معارج التفكر ودقائق التدبر؛ الميداني - م4، ص (177).

[32] ينظر: تفسير الطبري ج (17)، ص (116).


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook