أمة التعايش والرحمة

الكاتب: المدير -
أمة التعايش والرحمة
"أمة التعايش والرحمة

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

فقد أخرجَ الإمام مالك في الموطأ بسند صحيح من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بعثَ عبدالله بن رواحة إلى اليهود؛ ليُقدِّر ما يجب عليهم في نَخيلهم من خَراج، فعَرَضوا عليه شيئًا من المال يَبذلونه له، فقال لهم: فأمَّا ما عرضتُم من الرِّشوة، فإنها سُحْتٌ، وإنَّا لا نأكلها، وفي رواية قال: يا معشر اليهود، والله إنكم لَمِن أبغض خلق الله إليَّ، وما ذاك بحاملي على أن أَحِيف عليكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض.

 

هل هناك عدل بعد هذا العدل؟!

هل هناك إنصاف بعد هذا الإنصاف؟!

هل هناك رحمة بعد هذه الرحمة؟!

 

إنها رسالة ابنِ رواحة كما تعلَّمَها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومضمونُها أنني وإن كنت أخالفكم فليس معنى هذا أن أجورَ عليكم، مضمونُها أنني وإن كنت مؤمنًا وأنتم كفارًا فلن أظلمكم، مضمونُها أنني وإن كنت على غير منهجكم فلن أحيفَ عليكم.

 

إنها أروع صور التعايُش والرحمة لهذه الأمة العظيمة، الأمة التي اختصر الله سبحانه أساسَ بعثتها بقوله جل وعلا: ? وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ? [الأنبياء: 107]، هل هو رحمةٌ للمؤمنين؟ رحمة للرجال دون النساء؟ رحمة للعرب دون العجم؟ رحمة للأبيض دون الأسود؟

كلا... رحمة للمؤمن والكافر، للبَرِّ والفاجر، للذكر والأنثى، للصغير والكبير، للعربيِّ وللأعجمي، بل رحمة للإنس والجن.

 

وأنت أيها المسلم تتلمَّس تلك المعاني وأنت تقرأ الآية الأولى: ? الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ? [الفاتحة: 2]، فإنها خطاب للعالمين جميعًا، ويُختم المصحفبكلمة ? مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ? [الناس: 6]، والناس جميعًا لا فرق بينهم في الخطاب.

 

إنها رسالة الرحمة والتعايش التي يحاول البعضُ تحريفَها أو تشويهها؛ ليَنسُب للأمة ما هي بريئةٌ منه، بفِعل شواذَّ محسوبين عليها.

 

في دين الجاهلية الأولى صورٌ كثيرة تُشير إلى حروب بين قبائل العرب من أجل ناقة (حرب البَسوس)، ومن أجل فرسَيْ رهان (داحس والغبراء)، وهي صور جليَّة لانعدام مبدأ التعايش والرحمة فيما بين العرب في دينهم القديم، فجاء الإسلام برسالته الخالدة؛ ليُقرِّر قواعدَ جديدة في السِّلْم الاجتماعي؛ ? لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ? [الممتحنة: 8]، وهنا جاء بلفظ البِر، وهو أرقى صور التعامُل فيما بين الناس، وقال سبحانه: ? فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا ? [النساء: 90]، وقال عزَّ مِن قائل: ? وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا ? [الأنفال: 61]، فهل هناك نَموذج أروعُ مِن هذا المثال في الرحمة والتعايش؟!

 

تأمَّلْ معي هذه الآية العظيمة: ? الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ... ? [المائدة: 5]، فتصوَّرْ حين يكون طعامُك هو طعامَ مخالفيك، وطعامُ مخالفيك هو طعامَك، فأيُّ نوع من التعايش بينكما؟ بل يزداد الأمر غرابة حين تكمل تلك الآية المباركة: ?... وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ... ? [المائدة: 5]، فهل لك أن تتزوَّج يهودية أو نصرانية، ثم لا تَقبل التعايش معها؟ أتتزوج الكِتابيَّة وأنت تدعو عليها وتشتِمُها وتسبُّها؟ كيف هو شأن أسرتك وأطفالك وأنت لا تعاشرهم بالرحمة؟ إنها أسمى صور التعايش في الدين.

 

البعض - مع الأسف الشديد - يحاول أن يجتزئَ الدين بآيات القتال للكفار، أو آيات البراء منهم، وهذا بعضُ الحق وليس كله، فالإسلام دين الشمول ولا يقبل التجزئة، ولا بد لنا في هذا الباب من التمييز بين مقام الدعوة ومقام النصرة؛ ففي مقام الدعوة: ? وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ? [آل عمران: 159]، وفي مقام الدعوة: ((لعل الله يُخرج من أصلابهم مَن يعبده))، وفي مقام الدعوة: ((اللهم اهدِ دَوْسًا))، وفي مقام الدعوة: ((اللهم اهدِ أمَّ أبي هريرة))، وفي مقام الدعوة: ? ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ? [النحل: 125]، وفي مقام الدعوة: ? قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ? [آل عمران: 64]، أما في مقام النصرة: ((اللهم عليك بهذا الملأ من قريش؛ اللهم عليك بعتبة بن ربيعة، اللهم عليك بشيبة بن ربيعة، اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، اللهم عليك بعقبة بن أبي مُعَيط، اللهم عليك بأُبيِّ بن خلف، أو: أمية بن خلف)).

 

هذا موسى عليه السلام في مقام الدعوة: ? اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا ? [طه: 43، 44]، وفي مقام النصرة: ? وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ? [يونس: 88].

 

ومن هنا يتبيَّن لنا أن الإسلام دينٌ لا يدعو للكراهية أبدًا، دين لا يقبل التطرُّف ولا الغلو، ولا يزرع تلك الثقافات المسمومة التي يحاول البعضُ إلصاقَها بالمسلمين كَيْدًا وحسدًا، الإسلام ثقافتُه: ((لا تباغضوا، لا تدابروا، لا تحاسدوا... ))، وما يريده بعضُ الموتورين من جرِّ مجتمعات المسلمين إلى دوَّامة إبليس - ذلك الأُخطبوط المدمِّر - وإلى ثقافةٍ تحرق الأخضر واليابس، فإننا نذكِّرهم بسُنة النبي صلى الله عليه وسلم في تعايشه وتعامله ورحمته مع ألدِّ خصومه؛ (ابن أُبَيِّ بن سَلُول) رأس النفاق، ذاك الذي قال: ? لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ? [المنافقون: 8]، والذي قال: ? لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا ? [المنافقون: 7]، والذي قال: يا محمد، أبعِد عنا نتنَ حمارك، لا يؤذينا في مجالسنا، يموت يومَ يموت، فيأتي ولدُه إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما روى ذلك البخاري ومسلم في الصحيح، من حديث عبدالله بن عمر قال: لما تُوفيَ عبدالله - يعني ابن أُبَي بن سَلُول - جاء ابنُه عبدالله بن عبدالله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيَه قميصَه يُكفِّن فيه أباه؛ فأعطاه، ثم سألَه أن يُصلي عليه؛ فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمرُ فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، تصلي عليه وقد نهاك ربُّك أن تصليَ عليه؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنما خيرني الله؛ قال: ? اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ? [التوبة: 80] وسأزيد على السبعين، لو أعلم أني إن زدتُ على السبعين غفرَ له، لزدتُ عليها)).

 

? عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً ? [الممتحنة: 7]، ? فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ? [فصلت: 34]، آيات رائعة في فن التعايش والرحمة، ونبذِ ثقافة الكراهية، ويَختم النبي صلى الله عليه وسلم رسالتَه في حَجة الوداع؛ ليؤصِّل لميثاق التعايش العظيم، فيقول: ((فإنَّ دماءكم وأموالكم حرامٌ عليكم؛ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا))، وهل هناك صورة سامية للتعايش أرقى مِن حِفظ الإنسان لدمِه وعرضه وماله ودينه؟!

 

إنها شريعة الرحمن؛ الذي يدعو للرحمة والتعايش، فيختصر المولى جلَّ وعلا ثلاثةً وعشرين عامًا من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، ومعها (6236) آية في القرآن، وعشرات الآلاف من الأحاديث النبوية، فيصف ذلك الاختصار بقوله سبحانه: ? وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ? [الأنبياء: 107].

 

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook