أنا أخاف الله ولا بد أن أصلي هنا

الكاتب: المدير -
أنا أخاف الله ولا بد أن أصلي هنا
"أنا أخاف اللهَ ولا بد أن أصلي هنا

 

إن الناس غالبًا ما ينظرون إلى الأعمال والسلوك أكثر من نظرهم إلى الأقوال والأفكار، فالواقع العملي رسالة صامتة تدعو إلى الاقتداء والاتباع؛ ولهذا نجد أن سيرة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وأخلاقه العالية ومعاملته الحسنة للناس كان لها دور كبير في دخول بعض الناس الإسلام، وعلى نهجه سار بعض الصالحين من بعده في كل زمان، حيث مارسوا أحكام الإسلام وآدابه في حياتهم العملية فكان لذلك أثر حسن بين من عاشروهم؛ حيث دعا ذلك من كان كافراً إلى الإسلام، ومن كان عاصيًا إلى التوبة والإنابة. وأخص الناس بهذا أهل العلم والمشار إليهم بالصلاح؛ فإن الأقوال لا تنبت في القلوب وتثمر حتى تسقى بماء الامتثال والعمل بها، والصلاح لا يؤخذ من الهيئات والأقوال المسموعة حتى يحقق صاحبه مصداق ذلك في أفعاله، وغير لائق بذي علم أن يدعو الناس إلى الاستقامة بقوله وهو يحذرهم منها بفعله، يقول تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ? [الصف: 2] ? كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ? [الصف:3]، وقال على لسان نبيّه شعيب عليه السلام: ? وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ? [هود: 88]. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأيت ليلة أسري بي رجالاً تقرض شفاههم بمقاريض من النار فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: الخطباء من أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون)[1].

 

قال ابن القيم: علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، فكلما قالت أقوالهم للناس: هلموا قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم؛ فلو كان ما دعوا إليه حقًا كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصورة أدلاَّء وفي الحقيقة قطاع الطرق [2].

 

وقد أحسن القائل:

يا أيها الرجل المعلم غيرَه
هلَّا لنفسك كان ذا التعليمُ
تصف الدواءَ لذي السقام وذي الضنى
كيما يصح به وأنت سقيم
ونراك تصلح بالرشاد عقولَنا
أبداً وأنت من الرشاد عديم
فابدأ بنفسك فانهها عن غيها
فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يُقبل ما تقول ويُهتدى
بالقول منك وينفع التعليم
لا تنهَ عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم[3]

 

وهذا وإن كان بأهل العلم أجدر، إلا أنه مطلوب من كل مسلم أن يكون سفير الإسلام بأعماله، خاصة أولئك الذين يخالطون الكفار في الأعمال أو الدراسة أو الجوار أو غير ذلك.

 

فامتثالهم لهدي الإسلام دعوة كاملة لغيرهم إليه، وهذا ما وجدناه في عبد القدوس الطاجيكي الذي أثر بسلوكه الحسن وامتثاله شعائر الإسلام، على عبد الله الروسي، حتى جعله يقرأ معاني القرآن المترجمة إلى الروسية، ويتأثر بسورة القارعة حتى فتحت له النافذة إلى اعتناق الإسلام.

 

فما قصة عبد الله الروسي، وحاله مع القرآن وسورة القارعة تحديداً؟

عبد الله شاب روسي، كان يعمل حمالاً فمحاسبًا ثم عمل عامين في مصنع أسمنت، ثم عمل في متجر للأغذية في موسكو.

 

يذكر عن نفسه أنه كان قبل الإسلام مفتوناً بالمعاصي كشرب الخمر والموسيقى وغيرها. يقول: قبل الإسلام كنت أعيش في عالم بنيته في خيالي أنه عالم مريح ودافئ، فكنت ألعب على القيثار، وأشرب عندما أشعر بالكآبة، وربما أذهب إلى الكنيسة، لكني لم أكن أسأل عيسى ولا أحد القديسين وإنما أسأل الرب، مررت بأيام سيئة جداً فكنت أقول: ربِّ لن أعود إلى المعاصي فقط أرجوك أن لا تعاقبني.

 

يقول: كانت صورة الإسلام مشوهة عندي، لكنني تعرفت في العمل على ثلاثة من الطاجيك كلهم أعمارهم في السادسة عشرة، وكانوا يصلون فتأثر بمشهد الصوات الخمس، وكان واحد منهم واسمه عبد القدوس مهتماً بالصلاة فكان لا يفوت منها وقتًا، ومنه تعرفت على الإسلام، كان يصلي في العمل رغم أنه كان مهدداً بالفصل من العمل إذا عرفوا، وكان المدير يقول له: إن هذا محل تجاري وليس مسجداً، لكنه كان يصر ويقول: لابد أن أصلي. أخبره المدير بأنه يجوز أن يصلي في البيت بعد العمل كما يفعل البعض، لكنه رفض وقال: أنا أخاف الله ولا بد أن أصلي هنا. أحيانًا كنا نتعامل مع علب الخمر ولحم الخنزير، لكنه كان يرفض ويقول: أنا لا أفعل هذا فليفعله غيري، وكان يقول لي: تعال نصلي معًا، أقول: حسنًا، ولم أكن مسلمًا آنذاك، فكنا نقف على سجادة الصلاة في وقت العمل، وكان يقرأ في الصلاة بسورة الفاتحة والفيل. وكان معه كتيب مترجم به معاني السور إلى الروسية، فكنت أقرأها وأفهم معانيها. وقد بدأت بحفظ الفاتحة والفيل ثم القارعة، كانت هذه السورة طويلة وصعبة علي لكنني حفظتها لإعجابي بها، وبعد إسلامي صارت من أحب السور إلي.

 

وعن صفات صديقه عبد القدوس التي أثرت عليه: إنه كان طيب المعاملة مع الآخرين، وكان يعرض على أصحابه الصلاة في المحل، ولكنهم كانوا يبحثون عن المبررات حتى لا يصلوا، كان المسؤولون يصفونه بأنه سيئ؛ لأنه كان لا يتعامل مع الخمر ولحم الخنزير، وفي المقابل يتصرف بهدوء ويقول: ديني لا يسمح بذلك، والذي أعجبني فيه كذلك أنه كان متواضعًا وصبوراً.

 

ويقول عن نظرته السابقة نحو الإسلام والقرآن بالنسبة للأنبياء: سابقًا كنت أظن أن للمسيحين نبيهم وللمسلمين نبيهم، فبعد أن عرفت أن عيسى ذُكر في القرآن تعجبت، فقلت كيف هذا؟! فأروني موضع ذكره في القرآن، فرأيت ذلك. ورأيت أيضًا أنه يوجد في القرآن ذكر مريم وموسى وإبراهيم وآدم وكل الأنبياء الذين كنت أعرفهم، وسابقًا ما كنت أعرف هذا، وعندما عرفت لم أتردد كثيراً في دراسة الإسلام، أريد أن أقول: إن الإسلام دين الحق فهو دين عيسى وموسى، فكل الأنبياء الذين نعرفهم كسليمان وإبراهيم وآدم كلهم كانوا مسلمين.

 

ويقول عن سورة القارعة التي أشرق قلبه عندها مع أنه كان لا يجيد القراءة إلا بصعوبة: وجدت في سورة القارعة التخويف ونحن في الدنيا قد لا نخاف من يوم القارعة ولكن وجد في هذه السورة التخويف منها وهذا شيء جيد.

 

ويقول عن أهمية قراءة معاني القرآن المترجمة: وفي الحقيقة أن المسلم هو الذي يؤمن بإرادة الله، بلا شك لو تقرأ معاني القرآن بلغتك سوف تتأكد أنه كلام الله. كما يذكر أنه قرأ كتابًا عن كيفية الصلاة، وكان فيه قصار السور مترجمة المعاني إلى اللغة الروسية، يقول: وقرأتها وحفظت بعضها بعد دخولي في الإسلام والحمد لله.

بعد هذا ذهب إلى المسجد ونطق بكلمة الشهادة.

 

وعن شعوره بعد نطقه الشهادة يقول: بعد أن أسلمت شعرت بأنني كطفل نقي طاهر، وشعرت أيضًا بخفة في روحي، فهذا شعور لا يوصف إلا إذا شعرتَ به.

 

وبعد إسلامه ذهب إلى مصر مرتين: الأولى قبل زواجه صام رمضان هناك واعتكف وحضر قيام الليل، والمرة الثانية سافر إليها مع زوجته.

 

يقول عن نفسه قبل الإسلام: كان في داخلي فراغ ولابد أن أملأه بشيء ولم أكن أجد ما يملأ فراغي، فكنت أملأه بالموسيقى والخمر، كمن يملأ المرء خزانة سيارته بالحليب وهي بذلك لا تمشي، بخلاف ما لو وضع فيها الشيء المناسب فإنها تمشي. فلما ملأت هذا الفراغ بالإيمان صار كل شيء جيداً. وقبل أن أسلم كان لدي قلق بلا سبب فكنت أفكر لماذا؟!! فكان هذا بسبب فراغي القلبي.

 

ويقول عن زواجه وتأثر زوجته به حتى أسلمت: تعرفت على امرأة عام 2010م وكانت مسيحية وأنا مسلم منذ عام، فقلت لها: أريد أن نكون معًا، ولكن لابد أن نتزوج.. فقبلت، وبعد سنة أسلمت. وكنت أخبرها عن الإسلام ولا أجبرها. ذات مرة كنا نمشي في أحد شوارع موسكو على حافلة، وكان هناك رجل سكران ملقى على الأرض فقررت أن أساعده وأوصله إلى بيته، وبالفعل أوصلته إلى عمارته فسألني: من أنت فقلت له: مسلم، فقال: مسلم! آه آه أعرف، وسألته: هل أساعدك بالصعود إلى شقتك قال: سأصعد بنفسي. فتصرفي هذا أثر في زوجتي فقالت: أريد أن أسلم فأسلمَت.

 

ويوجه رسالة أخيرة لغير المسلمين فيقول: أريد أن أخاطبكم يا غير المسلمين فاسمعوني؛ لأنني كنت مثلكم في الماضي. كنت أظن أن الإسلام دين القسوة، وفي الحقيقة الإسلام ليس دين القسوة، ولكنه دين العدالة، فإذا قرأتم سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم فستعرفون أنه لم يكن ظالمًا ولا قاسيًا[4].

 

فما أروع سلوك عبد القدوس الذي كان رسول الإسلام إلى زميله عبد الله الروسي، وما أشجَعه وهو يجهر بأداء الصلوات الخمس في ذلك الوسط الذي حذره من الصلاة فيه، وما أعمق الإيمان في قلبه حيث لم يؤثر عليه التهديد بالفصل من الوظيفة إن استمر في إقامة الصلاة في المحل التجاري، وخالف مسؤوليه في تركه حمل علب الخمر ولحم الخنزير. وما أعظم سورة القارعة التي قرعت قلب عبد الله بقوارع التخويف حتى ولج الإسلام إلى قلبه! ونحن إذا تأملنا معانيها وجد ذلك التخويف عظيمًا:

فمعنى هذه السورة الكريمة: الْقَارِعَةُ هي الساعة التي تقرع قلوب الناس بأهوالها. أيُّ شيء هذه القارعة؟ وأيُّ شيء أعلمك بها؟ في ذلك اليوم يكون الناس في كثرتهم وتفرقهم وحركتهم كالفراش المنتشر، وهو الذي يتساقط في النار. وتكون الجبال كالصوف متعدد الألوان الذي يُنْفَش باليد، فيصير هباء ويزول. فأما من رجحت موازين حسناته، فهو في حياة مرضية في الجنة. وأما من خفت موازين حسناته، ورجحت موازين سيئاته، فمأواه جهنم. وما أدراك -أيها الرسول- ما هذه الهاوية؟ إنها نار قد حَمِيت من الوقود عليها[5].

 

دروس من قصة الهداية:

1- لغة الأفعال في التأثير أفصح من لغة الأقوال.

2- للصلاة تأثير عظيم على غير المسلمين حينما يرون المسلمين يؤدونها، خاصة إذا كنت جماعة.

3- تلطف المسلم وحسن معاملته لغير المسلمين مع صلاحه واستقامته يدعوهم إلى الدخول في هذا الدين.

4- التأمل في القرآن الكريم وخصوصًا ما فيه من الوعيد يسوق الإنسان إلى الرجوع إلى الله تعالى.

الهداية طمأنينة وراحة، وإزالة للقلق والكآبة، ونور ينير حياة المهتدي، وربما حياة غيره.




[1] رواه أحمد، مسند أحمد (19/ 244)، وابن حبان، صحيح ابن حبان (1/ 249)، وهو صحيح.

[2] الفوائد، ابن القيم (ص: 61).

[3] المستطرف، أبو الفتح الأبشيهي (1/ 48).

[4] فرَّغت القصة من حلقة في برنامج بالقرآن اهتديت بتصرف.

[5] التفسير الميسر، إعداد نخبة من العلماء (11/ 40-48).


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook