أنا والقرآن (علاقة حب وإيمان)

الكاتب: المدير -
أنا والقرآن (علاقة حب وإيمان)
"أنا والقرآن (علاقة حب وإيمان)




الحمد لله الذي أنزل علينا القرآن، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان خُلُقه القرآن، وبعد:

أنا والقرآن (علاقة حب وإيمان):

متى بدأت هذه العلاقة؟

بدأتِ العلاقةُ عندما كنت تائهًا في البداية، لا أعرفُ هدفي في الحياة، ولا أدري لماذا خلَقني اللهُ، ولا أعلم أين طريقُ النجاة، وكيف أسير فيه! كنتُ أتخبَّطُ يمينًا وشمالًا، كنتُ أعيشُ في ظلماتٍ بعيدًا عن النور، وكنت أسيرُ في صحراء التِّيه بعيدًا عن سُبل وأسباب الحياة، ما تركتُ ذنبًا إلا واقترفتُه، ولا عيبًا إلا ونشرتُه، ولا معصيةً إلا وفعلتُها، جرَّبتُ كلَّ شيء، ولكني لم أجرِّب أجملَ شيء وأمتعَ شيء وأحلى شيء، شَمَمْتُ رائحةَ الدخان، ولكني لم أَشَمَّ رائحة الجِنان، تذوَّقتُ من الخمور ألوانًا، ولكنِّي لم أتذوَّق حلاوةَ الإيمان، وسمعتُ من الأغاني والألحان، ولكنِّي لم أستمتع بلذَّة القرآن، وسِرتُ مع كثيرٍ من النساء، ولكني لم أسِرْ في طريق الأتقياء، وتقرَّبتُ من صاحب المال والسلطان، ولكنِّي لم أتقرَّب من الرحيم الرحمن.

 

• باختصارٍ كنت أعيش بجسدٍ دون روح، وحياة بدون هدفٍ أو طموح.

وفي ليلة شاتية، باردةٍ مُظلمة (ظلمة الليل)، ولكنها كانت تَحمل في طيَّاتها النورَ الذي بدأتْ معه الحكايةُ، أو قُل: البداية، بداية الحياة الحقيقيَّة، بداية الحياة الطيِّبة، بداية ميلادٍ جديد لقلبٍ شَريد، في هذه الليلة وحبَّاتُ المطَر كانت تتساقَط على وجهي، أحسستُ أنَّ ذنوبي تتساقط معها، وبدأ قلبي ينبِض مِن جديد، شعرتُ أن الله أراد أن يُطهِّرني ظاهرًا وباطنًا؛ ظاهرًا من ظُلمة الوجه، وباطنًا من ظُلمة القلب، وسمعتُ ما لم أسمَعْه من قبل؛ سمعتُ نداءَ الحياة، فاجأني صوتٌ عظيمٌ مِن عظمة قائله، وجميل جمالَ مُرتِّله، شقَّ قلبي قبل أن يَشقَّ السماءَ، إنه نداء لي أنا، نداء من ربِّ السماء:

• ? قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ? [الزمر: 53].

نعم يا رب؛ أنا مَن أسرفتُ على نفسي، أنا مَن ارتكبتُ المعاصيَ واقترفتُ الذنوب، أنا مَن زنيت، أنا مَن شربت الخمرَ، أنا مَن عققت أبويَّ، أنا مَن ضَحك عليَّ الشيطان، أنا يا رب! أنا يا رب!

 

آهٍ، يا لها من لحظات! كنت ميتًا من الأموات، فأحياني ربُّ الأرض والسموات.

سالَت دموعي على خدِّي، وامتدَّت يدي إلى قلبي؛ مخافة أن يَطير مِن صدري، ورغم أنَّ المكان به أُناس كُثُر، لم أشعر بوجود أحد، وركضتُ مسرِعًا إلى مصدر الصَّوت - المسجد - فصلَّيتُ كما لم أُصلِّ من قبل، وسمعتُ قرآنًا كما لم أسمَعْه من قبل، ومن ساعتها اتَّخذتُ القرآنَ لي دواءً ونورًا؛ دواء يشفي ما بي من أدواء، ونورًا يُضيء لي الطُّرق الظلماء، فبدأتُ أحمله معي في حلِّي وترحالي، وذَهابي وإيابي، وجلوسي وقيامي، وفرحي وأحزاني، وبدأتُ أقرأ وأقرأ، وأُرتِّل وأُرتِّل، وأترنَّم به وأُحبِّر.

 

فأحببتُ القرآنَ، ومجالسَ القرآن، ومَقارئ القرآن، وأهلَ القرآن، وكلَّ ما يتعلَّق بالقرآن، فأحسستُ بالراحة، وشعرتُ بالسعادة، ونزَلتْ على قلبي السَّكينةُ، فازداد حبِّي للقرآن، وكثُر جلوسي مع القرآن، فتعلَّق قلبي بالقرآن، والتَقتْ روحي بالروح؛ فكنتُ أغدو به وأروح، فكان الناس يَجمعون المالَ، وكنتُ أجمَع ما في القرآن مِن جمال وجَلال، فأصبح القرآن أَنيسي في الوحشة، وصاحبي في الغُربة، ونوري في الظلمة، ورفيقي في طَريقي، وغذائي ودوائي، فكلَّما ظَمِئتُ ذهبتُ إلى القرآن، وكلما تعثَّرتُ رجعتُ إلى القرآن، وكلَّما جهلتُ أمرًا أو حُكمًا تعلَّمتُه من القرآن، وعلمتُ أنَّ القراءة وحدها لا تَكفي، فلا بدَّ من التدبُّر في آياته، والتأمُّل في كلماته، والتفكُّرِ في معانيه، والاطلاع على تفسيره؛ حتى أكون مِن أهل القرآن، وحتى أُطبِّق قولَ ربي الرحمن: ? أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ? [النساء: 82].

فتدبَّرِ القرآنَ إن رُمتَ الهُدى *** فالعلمُ تحتَ تدبُّرِ القرآنِ




هذه الحكاية كانت بداية الحياة مع كِتاب الله.

فهنيئًا لِمن عاش بالقرآن، ومع القُرآن، وفي ظِلال القرآن، يتنفَّسه في جميع لَحظات حياته.

فوالَّذي نفسي بيده، إنَّ الحياة مع القرآن لهي الحَيوان لو كانوا يَعلمون!

فعلينا أن نُطيل المكثَ معه، نقرؤه بتفهُّم وتدبُّر وتركيز، ونعيش مع معانيه، ونتَّصل بالله مِن خلاله.

 

وأخيرًا، أهدي إليك نصيحة ابن أبي كثير نصر بن يحيى:

• اجعَلِ القرآنَ مَفْزَعَك الذي تَلجأ إليه، وحِصنَك الذي به تَعتصم، وكهْفَك الذي إليه تأوي، ودليلَك الذي به تهتدي، وشعارَك ودِثارَك، ومتهجدك وسبيلَك، وإذا التبسَتْ عليك الطُّرقُ، وصِرتَ في ضيقٍ مِن أمرك، فارجع إلى القرآن الذي لا حيرةَ فيه، فقِفْ على دلائله مِن الترغيب والترهيب، والوعدِ والتَّشويق إلى ما ندَب الله إليه المؤمنين مِن الطاعة وترك المعصية؛ فإنَّك تخرُج من حيرتك، وترجع عن جَهالتك، وتأنَسُ بعد وَحْشتك، وتقوى بعد ضعفك... فليكن دليلَك دون المخلوقين، تفُز مع الفائزين.


اللهمَّ أدِّبْنا بأدب القرآن، وارزقنا فهْمَ القرآن، وأسعِدْنا بسعادة القرآن، وشرِّفْنا بشرَف القرآن، وطهِّرْ قلوبنا بالقرآن، ونوِّرْ حياتنا وبيوتَنا وقبورنا بالقرآن، واجعلنا مِن أهل القرآن الذين هم أهلُك وخاصَّتُك يا أرحمَ الرَّاحمين، وارزقنا منه العلمَ النَّافِعَ والعملَ الصالح.


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook