أهمية غض البصر

الكاتب: المدير -
أهمية غض البصر
"أهمية غض البصر




لا ريب أن أصل البلاء بهذه المشاهد القبيحة هو ترك امتثال قوله تعالى: ? قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ? [النور: 30 - 31]، لأن العين من أهم مداخل القلب، فلو غض الإنسان بصره لاستراح من كل ذلك العناء والعنت.

 

قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله: فهذا الدين لا يريد أن يعرِّض الناس للفتنة ثم يكلف أعصابهم عنتًا في المقاومة، فهو دين وقاية قبل أن يقيم الحدود ويوقع العقوبات، وهو دين حماية للضمائر والمشاعر والحواس والجوارح، وربك أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير، وبذلك نعلم ما الذي يريده بهذا الدين وبحياة المجتمع كله وبحياة الأسرة من يزينون للناس الشهوات، ومن يطلقون الغرائز من عقالها بالكلمة والصورة والقصة والفيلم، وبالمعسكر المختلط، وبسائر أدوات التوجيه والإعلام[1].

 

وقال أيضًا: إن الإسلام يهدف إلى إقامة مجتمع نظيف، لا تهاج فيه الشهوات في كل لحظة، ولا تستثار فيه دفعات اللحم والدم في كل حين، فعمليات الاستثارة المستمرة تنتهي إلى سعار شهواني لا ينطفئ ولا يرتوي، والنظرة الخائنة، والحركة المثيرة، والزينة المتبرجة، والجسم العاري... كلها لا تصنع شيئًا إلا أن تهيج ذلك السعار الحيواني المجنون! وإلا أن يفلت زمام الأعصاب والإرادة، فإما الإفضاء الفوضوي الذي لا يتقيد بقيد، وإما الأمراض العصبية والعقد النفسية الناشئة من الكبح بعد الإثارة! وهي تكاد أن تكون عملية تعذيب[2]!

 

قال تعالى: ? وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ? [الإسراء: 36].

فحقيق بالعبد الذي يعرف أنه مسؤول عما قاله وفعله وعما استعمل به جوارحه التي خلقها الله لعبادته أن يعد للسؤال جوابًا، وذلك لا يكون إلا باستعمالها في عبودية الله وإخلاص الدين له وكفها عما يكرهه الله تعالى[3].

 

وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه»[4].

 

ويستفاد من الحديث أن من الناس من يكون زناه بالنظر الحرام أو الاستماع إلى الزنا وما يتعلق بتحصيله، أو بالمشي بالرجل إلى الزنا، أو النظر، أو اللمس، أو الحديث الحرام مع أجنبية، ونحو ذلك، أو بالفكر بالقلب، فكل هذا من الزنا، «والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه»: معناه أنه قد يحقق الفعل النهائي وهو الزنا بالفرج، وقد لا يحققه بألا يولج الفرج في الفرج وإن قارب ذلك[5]، فالنظر إلى النساء ومحاسنهن يسميه الإسلام زنًا، فحذار أن تكتب من الزناة وأنت لا تدري.

 

يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: من حفظ هذه الأربعة أحرز دينه: اللحظات (أي النظرات) والخطرات واللفظات والخطوات، فينبغي للعبد أن يكون بواب نفسه على هذه الأبواب الأربعة، ويلازم الرباط على ثغورها، فمنها يدخل عليه العدو فيجوس خلال الديار ويتبر ما علا تتبيرًا... أما اللحظات (أي النظرات) فهي رائد الشهوة ورسولها، وحفظها أصل حفظ الفرج، فمن أطلق بصره أورده موارد الهلكات، فإن النظرة تولد خطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة فيقع الفعل ولا بد ما لم يمنع منه مانع، وفي هذا قيل: (الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده).

 

قال ابن الجوزي: اعلم وفقك الله أنك إذا امتثلت المأمور به من غض البصر عند أول نظرة سلمت من آفات لا تحصى، فإذا كررت النظر لم تأمن أن يزرع في قلبك زرعًا يصعب قلعه، فإن كان قد حصل ذلك فعلاجه الحمية بالغض فيما بعد[6].




[1] في ظلال القرآن (3/ 1231).

[2] في ظلال القرآن (4/ 2511).

[3] الشيخ عبد الرحمن السعدي تفسير السعدي (1/ 457).

[4] مسلم (2657).

[5] شرح النووي على مسلم (16/ 206).

[6] ذم الهوى (1/ 144).


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook