أول جمعة في توبنغن

الكاتب: المدير -
أول جمعة في توبنغن
"أول جمعة في توبنغن[1]

 

يومُ الجمعة في بلادنا يومٌ مُميز

نجتمع ضحى على أكواب الحليب، ثم على فناجين القهوة، ثم على فطور خفيف.

ونقرأ سورةَ الكهف، ونغتسلُ غسل الجمعة.

ونخرجُ للصلاة والشمسُ تبتسمُ لنا، وا?شجارُ تمتعنا بخضرتها، والنخيلُ تلهمنا بشموخها وجمالها.

أخطبُ الجمعة بحضور ا?بناء، وا?صدقاء، ثم نخرجُ إلى البيت لتجاذب أطراف الحديث.

وعادتُنا أنْ يكون الغداء فيه مُميزًا.

وقبل الغروب نجلسُ للدعاء، سواء كنّا في البيت، أو على شاطئ البحر...

????




وهنا في توبنغن أصبحنا وأضحينا على جوٍّ غائمٍ، ومطرٍ يطرقُ النوافذ، وأشجارٍ عاريةٍ، وحزنٍ يغلِّف ا?مكنة، وصمتٍ فيه الكثيرُ من الكلام المضطرب وعلامات الاستفهام.

 

ثم خرجتُ مع ا?و?د إلى مسجدٍ عربي، فأذَّن مؤذنٌ في داخله، كي ? تزعج كلماته آذان أهل البلد، وخطبَ طالبٌ عربيٌّ فذكَّر بالنار وأهوالها...

لعل البرد الشديد لا يجعلك تخافُ النار.

هكذا مرَّ هاجسٌ غريبٌ مُستغربٌ!

كان عددٌ من المُصلِّين يستدبرون القِبلة، وقد مدّوا أرجلَهم حتى في حالة الدعاء..

استغربتُ من هذه الصورة:

مسلمٌ يمد رجليه ويمد يديه!

وعدد آخر لم يأبهوا للدعاء أصلًا...

وبعضُهم غادرَ فور سلام ا?مام...

المسجدُ في طابقٍ أرضيٍّ مغلق.

ومكان النساء ضيق.

وعنكبوت يتردد بين ا?رض والحائط...

خطبَ الخطيبُ - وهو متطوعٌ - بالعربية، وجعَلَ الخطبةَ الثانيةَ با?لمانية[2]...

لم يستغرق الوقت سوى نصف ساعة وانتهت الشعيرة.

ومضى الناسُ في دروبهم الغامضة...

وهناك مَنْ لم يمكنه التزامُه الوظيفي من الحضور أصلًا.

????




كان هناك شبابٌ من بلادٍ عربيةٍ منكوبةٍ طلبوا اللجوء وهم يتعلمون المحادثة با?لمانية بإشراف كنيسةٍ تتطوع بالتعليم مجانًا...

وقد قادهم شعورٌ خاصٌّ إليَّ فأقبلوا يسلمون ويسألون.

ربما دفعهم الحنينُ إلى ا?هلِ، والبلدِ، والماضي الذي أصبح في ذمّة التاريخ.

????




خرجتُ والجو يزدادُ غيمًا ويزيد غمًا...

وشعرتُ بتشتتٍ في ا?فكار...

أخذنا غداءً مِنْ مطعمٍ لشاب فلسطيني يعملُ فيه هو وزوجتُه التركية، وعدنا إلى البيت...

عدتُ وأنا أشعرُ بشعورٍ طاغٍ من الخجل والحيرة:

الخجل مِنْ طلب ا?مانِ والحقوقِ في بلادٍ غير مسلمة.

والحيرة من المستقبل الذي يَنتظر هؤ?ء وأبناءهم...

وعلى باب البيت قلتُ للأشجار العارية: أيتها ا?شجارُ العاريةُ لا بأسَ عليك فنحن ا?نَ عراة أيضًا، تعرَّتْ بلادُنا، وشعوبُنا، وأخلاقُنا، وأجيالُنا...

وثيابُنا قد أنكرها القصَّار، أو مزَّقها الدمار...

وا?ن أين شمسُك يا توبنغن؟

ومتى يكون الغروبُ ?توجَّه إلى ربِّي بالدعاء؟

? شمس و? غروب و? أذان...

ولكن آلام وأفكار متلاطمة وأحزان...

وأسمعُ في صدري صوتًا مدويًا:

يا عالَم ا?سلام:

إلى أين المصير؟!

إلى أين المصير؟!




[1] توبنغن مدينة ألمانية سافرنا إليها لعلاج أحمد رحمه الله، وهذا يومٌ من أيامنا هناك، وهو يوم 16 /1‏/2015، وكنا وصلنا يوم الجمعة 9 /1 /2015م ولكننا لم ندرك صلاة الجمعة.

[2] وهو الدكتور تركي التركي وفّقه الله.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook