(أينما) = (م) في منتصف الدائرة

الكاتب: المدير -
(أينما) = (م) في منتصف الدائرة
"(أينما) = (م) في منتصف الدائرة

 

الأرضُ الجافَّةُ والرياضيات.. متشابهتانِ في أعينِ كثيرٍ من الدارسين.

فالرياضياتُ عِند البعض بليدةُ الإحساس، ميتة العاطفة.

والرياضياتُ الهندسيةُ بدائراتِها، ومستطيلاتها، وزواياها الحادة: لا تَقِلُّ تَصَحُّرًا عن التفاضلِ والتكامل.

العاطفةُ والرِّقة لا تَجِدُ طريقها لهذه العلوم... أو هكذا يزعمُ بعضُ دارسيها.

ثَمَّ فَرْقٌ بين إحاطةِ الجهات، وإحاطةِ الدائرة..

 

فالجهاتُ الأربعُ أو الستُّ بحسبِ البُعْدِ الخاص لِجرمٍ ما، قد تَتَخلَّلُها مواضِعُ فراغية بين جهتين أصليتين؛ كالجنوب الشرقي، والشمال الغربي مثالًا، ودواليك غيرها.

 

لكنَّ إحاطةَ الدائرة بنقطةٍ ما: هي استيعابٌ كاملٌ لكلِّ الجهات الخاصةِ بهذه النقطة.

فلو تخيلتَ أيها القارئ الكريم، أنك نقطةَ (م) في دائرة ما، فإنَّك أينما اتجهتَ فأنتَ محاطٌ بسورِ الدائرة..

أنت مُستَوعَبٌ تمامًا من كل الجهات، ولا وجود للفراغات..

 

إنَّك تشعرُ بإحاطةٍ دائريةٍ استيعابيةٍ حينَ تسمع:

? (أينما توجهتَ فأنا معك).

? (أينما اتجهتَ فأنت مراقَب)..

ستكونُ مُمثِّلًا لـ (م) التي هي مركز الدائرة..

وسترتسمُ الدائرة في الذهنِ حين تسمعُ كلمة (أينما)؛ لأنها ستُمثل الإحاطةَ الشاملة المستوفاة لشيءٍ ما...

 

في سورةِ الشرح يقول ربنا سبحانه: ? فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ? [الشرح: 5، 6].

فعلى قواعد العربية؛ فإنَّ العسر في الآية الثانية، هو نفسه في الآيةِ قَبلَها؛ لأنه جاء مُعَرَّفًا بـ(أل)..

واليُسرَ في الآية الثانيةِ، يختلفُ عن اليُسرِ المذكورِ قبلًا؛ لأنه جاء مُنَكَّرًا..

 

فأصبح العسرُ الواحدُ يأتي معه يُسران، والحمدُ للمنعم..

وقد صَحَّ عن عمرَ قولُه لأبي عبيدة رضي الله عنهما: لن يغلبَ عسرٌ يُسرَين.

ولا زالت تطوفُ بي التأملاتُ في جودِ الله ورحمتِه بعباده..

والتي من سُنَنِه وقوانينِه تجاه العسرِ واليسر، أن جَعَل يُسرَينِ لكلِّ عُسرٍ يُلِمُّ بك..

فإذا كانت هذه سُنَّتَه حيال العسر، فكيف جوده فيما سوى ذلك؟

وكيف هو اليُسرُ والخيرُ حين تكونُ مُتَلَبِّسًا بالرخاء، متعافيًا من البلاء؟

 

كثيرًا ما أعتقدُ أنَّ الحال فيما سوى العسر المصحوب بيُسرين، مليءٌ جدًّا بالأمور الطيبة؛ بل يكاد يكون مُستوعِبًا لحياتنا، مُطبِقًا على نَواحيها باليُسرِ والسعادات..

وكثيرًا ما ظننتُ أنَّ إحاطةَ الخير حاضرةٌ في حياة البشرِ أينما توجهوا...

ثمَّ استوقفتني آيةٌ في سورة النحل، تَصِفُ رجلًا أَبكَمَ كَلًّا على مَولاه، قال الله فيه: ? أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ? [النحل: 76].

 

فلو تأمَّلتَ قوله سبحانه: ? أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ ? [النحل: 76]، لَثَار في نفسِك أنَّ هذا الرجلَ صارَ مثل النقطة التي في وَسط الدائرة، أَنَّى تَوَجَّه فهو غيرُ مُوفَّقٍ في الإتيان بالخير..

 

وكأنَّ عدم التوفيق هو مُحيطُ الدائرةِ الذي استوعبَ كلَّ جِهاتِ هذا الرجل، الذي شَكَّل (م)..

لكنَّ ما هَالَني.. وأبهرني.. وأذهلني: أنَّ عدم الإتيانِ بالخيرِ كان بسببه هو..

وأنَّ الخيرَ في الحقيقة.. محيطٌ به إحاطةً دائرية؛ كأسوِرةٍ حولَ مِعصَم..

? أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ? [النحل: 76].

 

فلو كانت إحدى الجهات لا يُوجدُ فيها خير، لَما ساغ أن يُعبِّرَ عنها بلَفظٍ استيعابي ? أَيْنَمَا ? [النحل: 76].

وَلَكان التعبيرُ في غيرِ القرآن هكذا: (أينما يوجهه في جهات الخير لا يأتِ بخير).

أمَّا أن يُطلِقَ الأمرَ لِيَستوعبَ الخيرُ كلَّ الجهاتِ مثلَ مُحيطِ الدائرة، فإنَّه - وبلا شك - اختيارٌ مَقصودٌ على أنَّ الخيرَ مُحيطٌ بك تمامًا...

وبالنظرِ في أسماء الله الحسنى فإنَّ هذا هو الأليقُ بجود الله وكرمه سبحانه تجاه خلقه.

 

إذًا أيها الإنسان:

أنت محاطٌ إحاطةً كاملةً بالخير..

فإياك أن يَختَلَّ هذا الفهمُ لديك...

ومن بين كل البشر، فإنَّ أكثر إنسانٍ يَلتَقِطُ هذا الخير، هو مَن ذكره مقابلةً للإنسان الأبكم في نفس الآية؛ حيث قال عزَّ اسمه: ? هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ? [النحل: 76].

فلتهنأ يا مَن تأمُرُ بالعدل، فأنت مقصودٌ قَصدًا خاصًّا مِن بين كل الناس، في التوفيق لجذب الخير إليك.

 

إنها لَفتةٌ عنيفة:

أنَّ الخيراتِ تَترافَقُ دائمًا مع العدلِ؛ قولًا وفعلًا..

والضدُّ بالضد.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook