إخاء بناء

الكاتب: المدير -
إخاء بناء
"إخاء بنَّاء




أمران بدأ بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وصل إلى المدينة: بناء المسجد، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، والمتأمِّل يرى في هذين الأمرين بُعدًا تربويًّا عميقًا؛ فالمسجد إشارة للربط بالله، ويكون ذلك من خلال العبادة اليومية التي تُؤَدَّى فيه، فخمس صلوات مفروضة يَقِفُ فيها العبد بين يدي ربه كفيلة بأن تجعله مرتبطَ القلب به، ولذلك كان في الحديث القدسي: ((ما تقرَّب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما اقترضته عليه)).

 

ولكن الصحابة رضي الله عنهم حوَّلوا حياتهم لتكون عبادة؛ فكان المسجد للصلوات المكتوبات وللتعليم وللقضاء ولاستقبال الوفود وغير ذلك؛ أي: إنه أصبح المكان الأوَّل في حياة الرجال، فأكسبهم ذلك رِقَّة في قلوبهم، وارتباطًا قويًّا بالله - عز وجل - ظهر من خلال حياتهم كلها.

 

ولكن النفس يصيبها الفتور والبُعد، ومن هنا كانت المؤاخاة التاريخية التي جمعت بين القلوب؛ فالتقيُّ المهاجر مع أخيه الأنصاري تقاسَمَا كلَّ شيء، حتى كأن الأرواح قد قُسِّمت بينهما لشدَّة تآلفهم، غابت عنهم عصبيةٌ كانت تحكمهم في الجاهلية، وتنافسوا في طاعة وإيثار، وأصبح شعارهم (تعالَ بنا نؤمن ساعة) وبهذا ارتبطت القلوب بالله، وارتبطت الأرواح بالأرواح، فكان مجتمعًا ربَّانيًّا، إن الأخوَّة الصادقة الخالصة لله لم تنتهِ من هذه الحياة، ولكن كم قُدِّر لنا أن نجدها في حياتنا؟

 

ربما أقل من القليل، ولكنَّنا نراها في كل لحظة في سِيَر صحابة رسول الله؛ حيث القلوب المؤمنة التي اجتمعت على مرضاة الله، وحيث الدين هو العنصر الأول في تقويم الرجال: ((لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى)).

 

فلنشحذ الهِمَم اقتداءً بهم، ونظل نرسمهم في خيالنا لأننا نحبهم، ونتقرَّب إلى الله بهذه المحبة، وكلَّما سمت أرواحنا وزاد إيماننا ازداد حبُّنا لهم واقتداؤنا بهم، وكلَّما ضعفت نفوسنا خشينا أن يفارقونا فلا ندركهم، فإن الذي يضع رحاله في غير المكان ينقطع عن القافلة، والذي تقصر به همته تسقط به دابَّته، وكم من دَعِيٍّ نادى بالمبادئ فخالف عند الشدائد، وظنَّ التمكين في التنظير، وما درى أن دون النصر قهرَ النفس، وأن السلعة غالية، والطريق طويلة شاقَّة، تحتاج إلى أنس بالله أكثر من أنسها بأفراد؛ ولذلك كلَّما كان الارتباط لله ازداد القرب منه، فيفرح الواحد بركعة في جوف الليل، وبدمعة تنزل من خشية الله، وبأخٍ يذكره بهذه المعاني، ينتحب خوفًا من التراجع والسقوط، كما أننا ضِعافٌ ما زلنا في مجاهدة مع قُوَى الأرض من شهوات تُلْهِب أضلاعنا بسِيَاطها، ونرى في كل يوم شبهة تريد أن تبعدنا عن الله ورسوله.

 

وهذا الحب فقط هو الذي يقرِّب من الطاعات ويدعو إليها، وهو الذي يبعد عن المعاصي ويبغضها في القلب.

 

إن الإنسان مبادئ، كلَّما صحَّ مبدؤه صحَّ جسمه وقويت بنيته، ولا تكون هذه الصحة إلا بعودة صادقة لله، وبتمسُّك بشرع الله، ومتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته في الأقوال والأفعال، والنفس ليست ملكًا للإنسان، بل ملك لله يضعها حيث يشاء.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook