إقام الصلاة

الكاتب: المدير -
إقام الصلاة
"إقام الصلاة

 

قال تعالى: ? الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ?، وإقام الصلاة شيء والصلاة ذاتها شيء، وبيان ذلك فيما يلي:

أولًا: إقام (الصلاة):

يقال: قام الشيء أي دام وثبت، وليس من القيام على الرجل، وإنما هو من قولك: قام الحق أي ظهر وثبت.. وقيل: يقيمون: يديمون، وأقامه: أي أدامه: والى هذا المعنى أشار عمر بقوله: من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع[1].

 

ثانيًا: الصلاة في اللغة:

الدعاء؛ مأخوذة من صلى يصلي إذا دعا، وقيل مأخوذة من الصلاة؛ وهو عرق في وسط الظهر؛ ويفترق عند العجب فيكتنفه؛ فالراكع تثنى صلواه. وقيل مأخوذة من اللزوم؛ ومنه صلى بالنار إذا لزمها، ومنه ? تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ? [الغاشية: 4]. والصلاة: رحمة، ومنه (اللهم صلي على محمد)، والصلاة: العبادة ومنه قوله تعالى: ? وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً [ ? [الأنفال: 35] أي عبادتهم. والصلاة: التسبيح ومنه قوله ? فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ? [الصافات: 143]: أي من المصلين. والصلاة: القراءة؛ ومنه قوله ? وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ? [الإسراء: 110] أي بقراءتك. وقيل: إن الصلاة اسم علم وضع لهذه العبادة، فإن الله تعالى لم يخل زمانًا من شرع، ولم يخل شرعًا من صلاة[2].

 

الصلاة: شرعًا: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة[3]. وإقامة الصلاة: أداؤها بأركانها وسننها وهيآتها في أوقاتها[4]، وإقام الصلاة من الإيمان؛ ففي أول صحيح البخاري: كتاب الإيمان: باب الإيمان وقول النبي صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس، شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان) [5].

يقول ابن حجر: لم يذكر الجهاد لأنه فرض كفاية ولا يتعين إلا في بعض الأحوال، والمراد بإقام الصلاة المداومة عليها أو مطلق الإتيان بها[6].

والصلاة عماد الدين، ولها مكانة خاصة في الإسلام؛ إذ تختلف عن الزكاة والحج والصيام؛ فالفقير يعفى من الزكاة، وفاقد الاستطاعة يعفى من الحج، والحامل والمرضع والشيخ الكبير والمسافر رخص لهم في الفطر، لكن هؤلاء جميعًا لا يسقط عنهم فرض الصلاة، بل لا تسقط الصلاة في حالة الحرب مع الأعداء..

 

وعن مكانة الصلاة وأهميتها جاء في الحديث عن معاذ بن جبل رضي الله عنه كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فقلت يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: لقد سألتني عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه؛ تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل قال: ثم تلا (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) سورة السجدة: 16- حتى بلغ (يعملون)، ثم قال: (ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه؟، قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد..) [7]. فإذا كان هذا شأن الصلاة في دين الإسلام، فإن على المسلمين أن يعظموا أمرها، ويضبطوا إيقاع حياتهم بالصلاة، فهي شعار أهل الإسلام، وشعيرة تجمع المسلمين فتأتلف عليها قلوبهم، ويقفون لأدائها صفوفًا متراصة كالبنيان، وذلك لأن الصلاة وسيلة لتربية المسلم على الالتزام والانضباط والثبات، وأنه فرد وعضو في جماعة كالجسد الواحد وكالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا.

وإقام الصلاة هدف يسعى إلى تحقيقه الساعون إلى التمكين لدين الله في الأرض: قال تعالى: ? الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ? [8].

 

والصلاة من أهم العبادات التي تكون الشخصية المسلمة، وتغرس فيها كراهية المنكر وحب المعروف؛ فهي من ناحية تزود المسلم بزاد الإيمان وهو الدافع إلى الانتهاء والبعد عن المنكر، وهو الدافع- أيضًا – إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ قال تعالى: ? اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ? [9]، وبهذا فإن الصلاة تثمر الاستقامة في السلوك والسيرة، قال تعالى: ? يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ? [10]، وهي – أيضًا - تثمر المؤمن المصلح، الصابر على مشاق الدعوة وما تجلبه من ابتلاءات. أما النوافل وأهمها قيام الليل فإنه يثمر علو الهمة، والانشغال بمعالي الأمور، وتحمل أمانة الدعوة إلى الله عز وجل قال تعالى: ? يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ? [11]، والمزمل: المتحمل؛ زمل الشيء: حمله[12]؛ فلكي تقوى على التحمل عليك بقيام الليل؛ لأن المهمة ثقيلة والطريق شاق، والمعين على ذلك والمحفز عليه هو الصبر والصلاة؛ قال تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بْالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ? [13]؛ لأن مواصلة الطريق تحتاج إلى الصبر فإذا نفد الصبر أو قل فيكون الفزع إلى الصلاة ليستمد منها وفيها المؤمن زادًا جديدًا يتقوى به على الاستقامة والإصلاح ومشاق الدعوة والصبر على ذلك..

 

وأداء الصلاة في جماعة وفي المساجد يتيح المجال، ويهيئ الفرص للداعي وذلك من خلال الخطبة أو الدرس أو الموعظة الفردية أو الإفتاء أو السلوك العام والمظهر اللائق والقدوة الطيبة وغير ذلك من وسائل وأساليب ينتهجها الداعي حسب بيئة الدعوة وحال المدعوين وطبيعة المرحلة والهدف الدعوي.

ومن هنا تتبين أهمية الصلاة ومكانتها في الإسلام، وكذلك العلاقة بين الصلاة والدعوة إلى الله تعالى.




[1] تفسير القرطبي، ج1، ص 146- 147.

[2] المرجع السابق.

[3] فقه العبادات، د. عبد الفتاح الشيخ طه، طبعة معهد الدراسات الإسلامية، 1991، ص 247.

[4] تفسير القرطبي، ج1، ص 146- 143.

[5] فتح الباري، ج1، ص 39، 42.

[6] المرجع السابق.

[7] سنن الترمذي، باب ما جاء في حرمة الصلاة رقم 2616، ص 653، وقال حديث حسن صحيح.

[8] سورة الحج (41).

[9] سورة العنكبوت (45).

[10] سورة لقمان (17).

[11] سورة المزمل (1-5).

[12] أساس البلاغة.

[13] سورة البقرة (153).


"
شارك المقالة:
6 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook