إلى الحبيبة..

الكاتب: المدير -
إلى الحبيبة..
"إلى الحبيبة...




كانت عاشقةً للمجد، شغوفاً به، امتزجت بعلوِّه امتزاجَ الرُّوحَيْنِ، فصارت هي المجدَ، وصار المجدُ إياها، ظلَّت تجوبُ آفاقَ الزمن وجوانبَ الكون الفسيح، وتختصرُ المَدى، وتجتازُ حدودَ المكان بهمَّة عاليةٍ لا تعرف الفتور، تتطلَّعُ لسموٍّ لا تُوقِفُ تساميَه سماءٌ، وأملٍ لا يرضى بالقليل والقريب، تسيرُ في دروب الحياة المُشْرقة غير مؤمنةٍ بالوقوف إلا على قُنَن الشيم، وقمم المكارم.

 

تَستشْرِفُ من تلك العوالي فضاءات المستقبل الرَّحْبة، وتشدُّ المَطيَّ إليها غيرَ متعثِّرة بما يعرض لها من عقبات؛ إذ إنها تصنعُ من الألم أملًا، ومن الأمل عملًا، ومن شدة الدُّجَى فجرًا صادقًا يخنقُ ذلك الظلامَ البهيم، يحدوها: وأن المستقبلَ لهذا الدين.

 

في زمان قصيرٍ، وجهدٍ كبيرٍ، أقامت صَرْحًا مشيدًا تتحطَّمُ على جدرانه حِقبُ الدَّهْر وهو لا يزال مطلًّا على هام الزمن، لا يزيد إلا شموخًا ورسوخًا.

 

أرسلت من ذلك البناءِ الأشمِّ النورَ على أرجاء الوجود؛ فتقزَّم الليلُ، وكاد يذوبُ ذاهبًا، فرفعَتْ حينئذٍ رايةَ السلام والأمن (فسار الراكبُ من صنعاء إلى حضرموتَ لا يخافُ إلا الله والذِّئبَ على غنمه)، وما بَرِحتْ على تلك القمة بتلك الهمة تقارع الخنوعَ والقعود، وتصارعُ الدُّجى وخفافيشَه حتى أصيبت بعينِ الكسلِ والرضا بالدُّونِ، فقعدت عن مواصلةِ السير في سبيل العزِّ، وخبتْ وهروَلَتْ إلى كل منحدر، واجترَّتْ أمجادًا سالفة، ولم تخلق أمثالًا تاليةً حتى تخلَّت عن نواصي الحياة، وارتضَتْ بدفْنِ نفسِها في الذيول، فصِرْتُ أبحثُ حينَها أين ذلك الوهج المُتشعْشِعُ، الذي لم يَزَلْ يخبو ويخبو والناسُ في ظلام دامس، ومجاهل تائهة ينتظرون قبسَ هُدًى يهديهم، ومأوى أمنٍ يؤويهم؟ وأين تلك العَزَمات وأعلامُ القوة المتألِّقة في زمان صالَ فيه الباطلُ، وأضحَتْ رايتُه تَخْفِقُ في سماوات كثيرة؟ وأين ذلك الإبداعُ والعقول المخصَّبة المنفتحة المخترقة دعوى المستحيلِ الزماني والمكاني، في عصر صار مِقْودُ إدارة العالم العقلي والإبداعي في أيدي الذين: ? يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ? [الروم: 7]؟ وأين تلك القلوبُ المتآلفة، والصفوفُ المُتَّحدة في زمانِ تشتُّتِ المسلمين واحترابهم واضطرابهم، في حينٍ تجتمعُ فيه مللُ الكفر في الأهداف والقرارات والسياسات؟ فيا ويلَ المسلمين من المسلمين!

 

إنني في هذا الواقع المُرِّ أبحثُ عنها، نعم أبحثُ عن أمَّتنا الإسلاميَّة أمةَ الحقِّ والعدل، أبحث عنها في كل شرَفٍ وتقدُّمٍ في الحياة المعاصرة التي يفترضُ عليها أن تكونَ هي الرائدةَ فيها؛ لاعتبارات كثيرة.

 

ومع هذا الانحطاط المُزْري الذي حجَب الأمةَ عن سيادة العالم، الذي يجعل المسلم يبحثُ عنها بحثَ آملٍ لا يائس؛ فالمستقبلُ لها، ولعلَّ المسلمَ في زمن قريب - إن شاء الله تعالى - سيجدُها تديرُ العالم ولا يديرها، وتقودُه ولا يقودُها، والعاقبة للمتقين، والنصر للمؤمنين؛ كما وعد بذلك رب العالمين.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook