ابدأ بقلبك قبل أن يحل الضيف

الكاتب: المدير -
ابدأ بقلبك قبل أن يحل الضيف
"ابدأ بقلبك قبل أن يحل الضيف




مدارُ الأعمال على القلوب، وغايةُ العبادات صلاح القلب، فصلاحُ القلب صلاح الجوارح؛ لأن القلب سيد الأعضاء وقائدها ومَلِكُها، فالجوارح له مطيعةٌ منقادة، فإذا صلَح القلب صلَحت بقية الجوارح، وإذا فسد فسدت بقيةُ الجوارح، وفي الحديث المتفق عليه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألاَ وإن في الجسد مضغة، إذا صَلَحت صَلَح الجسدُ كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب).

 

والعبادات التي لا تُصلِح القلبَ عبادات فيها نقصٌ أو خللٌ، ولم تُؤَدَّ بالوجه المطلوب، ونحن مقبلون على عبادة عظيمة وجليلة تُصلح القلب وتُهذبه وتُزكيه، في شهر هو شهر التقوى والتزكية وصلاح القلوب، ومن أعظم مقاصد الصيام هو إصلاح القلوب، فالصومُ عبادة باطنية، وسرٌّ بين العبد وبين ربه، قد لا يطَّلع عليه أقربُ الناس إليك، لذلك كان الجزاء عليه غير مقدَّر، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)؛ أخرجه البخاري.

 

وإذا أراد العبد صلاح قلبه فلا بد من تَخلية قلبه قبل تَحليته، كالكأس إن أردت أن تضع فيه الشراب اللذيذ، فلا بد من تنظيفه وإزالة الأوساخ والأقذار منه أولًا، فإذا شعَّ نظافةً ملأته بالشراب، فالقلب إن كان مليئًا بالأوساخ والأقذار، فإنها تعكِّر ما يُصَبُّ فيه من الخير، وتُعيق إثمارَ ما غُرس فيه من صلاح، وتزاحم ما يرد إليه من صفاء، وتُعتم ما يستقبله من نور وضياء، فبادئ ذي بدءٍ لا بد من تخلية القلب من كل الشوائب، فلا بد من تخليته من النفاق والشك ليحل فيه الإيمان، ولا بد من تخليته من الرياء ليحل فيه الإخلاص، وتَخليته من العُجب لِيَحِلَّ فيه الانكسار والوجل للمعبود سبحانه، ولا بد من تخليته من الشبهات ليحل فيه اليقين، ‏وتخليته من الغفلة لتحليته بذكر الله، ‏وتخليته من الجرأة على حرمات الله لتحل فيه التقوى، ‏وتخليته من القسوة والغلظة لتحل فيه الرحمة، وتخليته من الجهل ليحل فيه العلم، وتخليته من الجبن لتحل فيه الشجاعة، وتخليته من الهم والحزن ليحل فيه الأنس والانشراح، وتخليته من الحسد لتحل فيه القناعة، وتخليته من الطمع ليحل فيه الرضا، وتخليته من الحقد والغل والبغض ليحل فيه الحب، وتخليته من الكبر والغرور ليحل فيه التواضع، وتخليته من القلق والضيق والاضطراب ليحل فيه الاطمئنان، وتخليته من همِّ الدنيا ليحل فيه هم الآخرة، وتخليته من حب الشهوات ليحل فيه حب الله.

 

ومن هنا تصل إلى تحقيق التقوى التي هي غاية الصيام؛ كما قال المولى عز وجل: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ? [البقرة: 183].




ابدأ بقلبك وتفقَّد مدى تأهُّله للمنافسة والسباق، ومدى جاهزيته لاستقبال الرحمات والنفحات، ومدى جِديته للحصول على أعلى الأوسمة وأرفع التشريفات.

 

ابدأ بقلبك لتنعم وتَحيا في جنان الآخرة وأنت في الدنيا، فالنعيم والأنس والسعادة والهناء إنما هي في القلب؛

قال ابنُ القيِّم رحمه الله:

ولا شيء على الإطلاق أنفعُ للعبد من إقبالِه على الله، واشتغالِه بذِكره، وتنعُّمِه بحبِّه، وإيثارِه لمرضاته، بل لا حياةَ له، ولا نعيمَ ولا سرورَ ولا بهجةَ إلا بذلك.


"
شارك المقالة:
1 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook