اتقاء الفتنة

الكاتب: المدير -
اتقاء الفتنة
"اتقاء الفتنة




قال تعالى ? وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ?[1]، واتقاء الفتنة إنما يكون بالاستجابة أي بالإجابة السريعة القوية، وترك الاستجابة إيذان وسبيل وفتح لأبوب الفتن.. فترك العمل بالقرآن، وترك الجهاد في سبيل الله وترك التناصح وترك العلم الشرعي وترك الإصلاح وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك الأخذ على يد الظالم والمسيء، كل ذلك داعٍ إلى الفتنة ومن أسبابها ومقدماتها، واتقاء الفتنة هو الحذر، وأخذ الحيطة، والسعي الجاد، والعمل الصالح الصادق وبذل الجهد حتى لا تكون فتنة، ولعل الفتنة هنا هي الحرمان من الحياة الطيبة الكريمة، لأن في الآية السابقة أمر بالاستجابة (لما يحييكم)؛ فإن لم تستجيبوا فستكون فتنة، أو المعني: اتقوا الفتنة بالاستجابة.

لأن قوله تعالى ? وَاتَّقُوا فِتْنَةً ? معطوف على قوله تعالى ? اسْتَجِيبُوا ?.. لأن في عدم الاستجابة ستكون فتنة؟

 

معنى الفتنة:

لغةً: الفتنة: الاختبار والامتحان، فتن الذهب، يفتنه بالكسر (فتنة) و(مفتونًا): إذا أدخله النار لينظر ما جودته، ودينار مفتون أي ممتحن، وقال تعالى: ? إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ? أي حرقوهم، والفتْن الإحراق؛ قال تعالى (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ)، والفاتن: المضل عن الحق [2]، والناس عبيد الفتانين وهما الدرهم والدنيار، وفي الحديث وابتليتم بفتنة الضراء فصبرتم وستبتلون بفتنة السراء: أراد فتنة السيف وفتنة النساء، وتقول: إن كنت من أهل الفطن فلا تدر مع الفتن [3].

 

أقوال المفسرين في معنى الفتنة:

يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ? وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ ?:

الفتنة: الاختبار والمحنة، وذكر قول ابن عباس في تفسير الآية الكريمة: (أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين ظهرانيهم فيعمهم الله بالعذاب)[4].

 

ويقول الامام الألوسي: (والمراد بالفتنة: الذنب وفسر بنحو اقرار المنكر والمداهنة في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وافتراق الكلمة وظهور البدع والتكاسل في الجهاد حسبما يقتضيه المعني، والمصيب على هذا هو الأثر كالشآمة والوبال)[5]، ويقول الدكتور احمد الشحات احمد موسى: (المراد بها العذاب الدنيوي كالقحط والغلاء، وتسلط الظلمة وغير ذلك، والكلام على حذف المضاف.. أي اتقوا سبب فتنة، وسببها اتيان المعاصي وفعل المنكرات) [6].

 

ومن هنا يمكن القول بأن الله تعالى أمر عباده المؤمنين بأن يستجيبوا لله وللرسول إذا دعاهم لما يحييهم، أي لما فيه كرامتهم وعزتهم، إذ باستجابتهم للإيمان والجهاد في سبيل الله يتحقق العلو والتمكين للمسلمين في الأرض، وفي دخول السين والتاء - كما سبق - زيادة تأكيد على الثبات والاستمرار على ذلك وان يحافظوا على دولتهم وشريعة ربهم وأن يقيموا حدود الله ويحافظوا عليها، ثم حذرهم من التهاون في ذلك؛ حذرهم من ترك الجهاد لتخويف الاعداء المشركين، وحذرهم من التفريط ومن التهاون في تطبيق أحكام الاسلام والمحافظة على ذلك بالأمر والمعروف والنهي عن المنكر لأنه إن حدث التفريط والتهاون والتكاسل وانفرط العقد حبة حبة، واختلت الموازين وضاعت أحكام الدين بضياع حكم واحد والسكوت على ذلك ثم يضيع حكم آخر وهكذا فتلك هي الفتنة ولهذا كان الأمر بالقتال حتى لا تكون فتنة ويكون كل الدين لله، كما سيأتي.

 

فالفتنة إذن هي ضياع الدين بعضه أو كله، وعند ذلك تتوالى المحن والمصائب، فيتسلط الكفار والظلمة والفسقة على بلاد المسلمين وتعلو أحكام الباطل وراية الشرك؛ يقول الدكتور مصطفى زيد (إن الأمة تتنازع فيما بينها بسبب الدين، أو الحكم، أو المصالح الخاصة، وهذا التنازع الذي ينتهي بطوائف الأمة إلى التفرقة هو ما أمرنا بالحذر منه في الآية؛ لأنه يضعف كيان الأمة، ويذهب بسلطانها، فيطمع فيها أعداؤها.. كذلك يشيع المنكر في الأمة، فلا يباليه أو يتصدى للنهي عنه أحد، وينتهي الأمر بالأمة إلى الانهيار الخلقي ثم إلى الضعف المادي، ولن تقتصر نتيجة هذا الضعف على مرتكبي المنكر وحدهم، فليأمر إذن باجتناب أسبابه.

 

وإذا كان مرتكب المنكر، أو الداعي إلى التفرق ظالماً؛ لأنه قد اقترف معصية، فإن المقر لهذا المنكر، والساكت على تفرقة الصفوف ظالم هو أيضًا لأنه قد اقترف معصية من نوع آخر. ومن هنا ساغ أن يناله العقاب على فتنة لم يحدثها؛ لأنه لم يعمل على وقفها، واعتبر هذا عدلاً في مجازاته؛ لأنه لو لا سكوته عليها لما استحالت فتنة بعد أن كانت ذنبًا، ولو لا إقراره لها لما انهارت بسببها أمة[7].

 

ومن هنا كان اتقاء الفتنة باتقاء أسبابها، وأسبابها ترك طاعة الله والرسول وترك الاستجابة لنداء الله سبحانه وتعالى وترك إقامة الدين في النفس وفي الأسرة وفي المجتمع؛ وترك المحافظة على أداء الفرائض، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد الشامل للأخذ على يد المسيء ومقاومة الظلم، وذلك لأن كثيرًا من الناس يظن أنه إن صلى وصام وحج وكان في حاله لا ينكر منكرًا ولا يأمر بمعروف فقد أدي ما عليه ويحسب نفسه من المهتدين؛ وهذا الأفق الضيق والفهم الخاطئ وتلك السلبية والانهزامية هي التي أودت بالمسلمين إلى ما هم فيه من تشرذم وضعف وذله ومهانة.

 

ولعل الأمر باتقاء الفتنة بعد النصر المبارك في غزوة بدر إنما هو تنبيه وتوجيه للمحافظة على هذا النصر والتمسك بأسبابه وأهمها طاعة الله ورسوله والاستجابة لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم خصوصًا فيما سيحدث من مواجهات بين المسلمين وأعدائهم.

 

وقوله تعالى ? وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ ?، وعيد شديد لمن خالف أوامر الله تعالى ودعوه الرسول صلى الله عليه وسلم، وتثاقل عن الاستجابة.




[1] سورة الانفال (25).

[2] مختار الصحاح مادة ف ت ن.

[3] اساس البلاغة للزمخشرى.

[4]تفسير ابن كثير جزء، ص 299.

[5]روح المعاني جزء 5 ص 501.

[6] يسر المقال في تفسير سورة الانفال ص 148 ط1 سنة 1996م، وأ. د. احمد الشحات احمد موسي وهو أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية اصول الدين جامعة الازهر - القاهرة - مطبعة الفجر الجديد.

[7] سورة الانفال عرض وتفسير ص 124.


"
شارك المقالة:
6 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook