احفظ لسانك!

الكاتب: المدير -
احفظ لسانك!
"احفظ لسانك!

 

كثير منا يحقق معنى الصيام الصوري؛ أي: الإمساك عن الأكل والشرب، لكن هل حققنا الصيام الحقيقي بمعنى حفظ اللسان وضبطه عن قول الزور والباطل؟ يقول صلى الله عليه وسلم: ((مَن لم يَدَعْ قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه))؛ [رواه البخاري]، قال المهلب: فيه دليل أن حكم الصيام الإمساك عن الرفث وقول الزور، كما يمسك عن الطعام والشراب، وإن لم يمسك عن ذلك، فقد نقص صيامه وتعرض لسخط ربه، وترك قبوله منه.

 

مسكين! يحرم نفسه من الأكل طول النهار لكنه يأكل لحوم الناس، فكيف يكون صائمًا؟ قال جابر بن عبدالله رضي الله عنه: إذا صمت، فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم.

 

للأسف أصبح السب والشتم واللعن - حتى ولو على سبيل المزاح بين الأصدقاء – أمرًا عاديًّا، اللسان الذي من المفترض أن يعيش على ذكر الله وتلاوة القرآن، وأن يكون عطرًا بكل ما هو طيب - أصبح مصدرًا للأذى والبذاءة والتفنن في أسوأ الألفاظ، هذا غير الغِيبة والنميمة والكذب وشهادة الزور... وغيرها؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر()؛ [رواه البخاري]؛ قال النووي رحمه الله: السب في اللغة: الشتم والتكلم في عرض الإنسان بما يعيبه، والفسق في اللغة: الخروج، والمراد به في الشرع: الخروج عن الطاعة؛ فسب المسلم بغير حق حرام بإجماع الأمة، وفاعله فاسق كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم.

 

هل نظن أنه أمر بسيط؟! أليس اللسان هو أكبر سبب لكبِّ الناس على وجوههم في جهنم؟! قال عليه الصلاة والسلام لمعاذ بعد أن ذكر أركان الإسلام: ((ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى، يا نبي الله، فأخذ بلسانه، وقال: كفَّ عليك هذا، فقلت: يا نبي الله، إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم - أو على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم))؛ [رواه الترمذي]، ومعنى يكب: يلقي.

 

إذا كنا نخاف من النار فلنحذر ألسنتنا؛ يقول ربنا سبحانه وتعالى: ? مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ? [ق: 18]، كل كلمة مراقبة وسنحاسب عليها؛ ويقول عليه الصلاة والسلام: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة، ما يتبين ما فيها، يهوي بها في النار، أبعد ما بين المشرق والمغرب))؛ [رواه مسلم]، كلمة واحدة فقط نقولها بكل بساطة لكنها تهوي بصاحبها في النار ما بين المشرق والمغرب، وأخذ أبو بكر رضي الله عنه بطرف لسانه في مرضه، فجعل يلوكه، ويقول: هذا أوردني الموارد، وعن سعيد بن جبير قال: رأيت ابن عباس آخذًا بلسانه وهو يقول: باللسان: قل خيرًا تغنم، أو اصمت تسلم قبل أن تندم، وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: والله الذي لا إله غيره، ما على ظهر الأرض شيء أحق بطول السجن من اللسان.

 

رمضان فعلًا فرصة حقيقية لحفظه وإيقافه عند حده، وعدم إطلاق العنان له في كل ما يشتهي من الحديث، فالسعيد المفلح من خرج من هذا الشهر بلسان منضبط وكلام محسوب مسدد، فلنحافظ على ألسنتنا لنحافظ على صيامنا، وليكن رمضان انطلاقة جديدة في حياتنا، نحتاج أن نتدرب على حفظ ألسنتنا، ورغم صعوبتها على النفس لكنها ليست مستحيلة؛ يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر، ومن النظر الحرام وغير ذلك، ويصعب عليه التحرز من حركة لسانه، حتى ترى الرجل يُشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقي لها بالًا يزِلُّ بالكلمة الواحدة منها أبعد مما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم، ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات، ولا يبالي بما يقول.

 

ولنطبق الطريقة التي أوصانا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يقول صلى الله عليه وسلم: ((الصيام جُنَّة، فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل: إني صائم))؛ [رواه البخاري]، ولا نستعجل في النطق ونفكر في الكلمة قبل نطقها، وعندها سنرى أن أغلب الكلام الذي نتكلم به لو تريثنا قليلًا فلن نذكر حوالي 90% منه، أو لو أردنا أن نرد على من أساء لنا وانتظرنا قليلًا واستعذنا بالله من الشيطان فإن القلب سيبرد، ونتذكر أننا من الممكن أن نهوي في النار بكلمة قلناها لا نلقي لها بالًا، ولا نهتم بعواقبها، ونشغل أنفسنا عن عيوب الناس بإصلاح عيوبنا، ونتذكر أن الناس أيضًا لهم عيون يمكن أن ترى عيوبنا، وألسنة يمكن أن تتناولنا بسوء، نتدرب عليها في رمضان وبعد رمضان، وسننجح بإذن الله في تغيير سلوكنا وحفظ ألسنتنا.

 

التطبيق العملي:

التزم بحفظ اللسان وعدم السب والشتم ولو مازحًا، وأبدلها بالكلمات الطيبة.

 


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook