الأدلة العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته

الكاتب: المدير -
الأدلة العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته
"الأدلة العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

مما لا شك فيه أننا نعيش في عصر كثُر فيه التشكيك في الرسالات السماوية، وبخاصة رسالة الإسلام؛ لأنها خاتمة الرسالات، والتشكيك في الرسالات السماوية من قبل غير المؤمنين بوجود الله ما هو إلا نتيجة لإنكارهم لوجوده عز وجل، ولقد وقع البعض في التشكيك في الرسالات، ومنهم شباب يعيشون بيننا، ليس عندهم من العلم الشرعي ما يكفي لحماية عقولهم من أن تتلوث بلوثة الإلحاد، وأفكاره المصادمة للعقل والفطرة.

 

ولأننا نعيش في مجتمعات إسلامية، فقد وجه الكثيرون سهام التشكيك إلى الإسلام، وأخذوا يثيرون حوله الشبهات، ويرمونه بالافتراءات والأكاذيب، حتى يصدوا المسلمين عنه، ويخرجوهم منه، وللأسف فقد صادف ذلك هوًى في قلوب كثير ممن أرادوا أن يتحللوا من قيود الشريعة وتكاليفها، لذلك اقنعوا أنفسهم زورًا أن الإسلام ليس دينًا سماويًّا، ولو أنهم أعملوا عقولهم، وأزالوا الغشاوة عن قلوبهم، وتفكَّروا في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وبحثوا في دلائلها بكل تجرُّد في طلب الحقيقة لأداهم هذا إلى اليقين الجازم بصدق النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته، وأنه هو رسول الله حقًّا وخاتم أنبيائه صدقًا.

 

والأدلة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة جدًّا، سواء كانت أدلة نقلية أو عقلية، وعلى رأس هذه الأدلة القرآن الكريم، كتابه الخالد وحجته الباقية، وكذلك معجزاته، لكن بما أننا نخاطب هنا من لا يصدق أصلًا بالأدلة النقلية من القرآن أو السنة، وكذلك المعجزات التي أتت عن طريق النقل، فإننا سوف نواجهه ببعض الأدلة العقلية التي هي من استنباط العقل، والتي استنبطها من خلال قراءته المتفحصة لأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته، وأحداث حياته، وبعض وقائع الوحي وملابساتها التي تُثبت بالدليل القاطع صدقَ النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته، وأنه ? وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ? [النجم: 3، 4].

 

وأول هذه الدلائل:

1- صدق النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته:

إن صدق النبي صلى الله عليه وسلم وأمانته قبل البعثة أمرٌ مشهور، وقد بلغ من شهرته أنه لُقب بالصادق الأمين، وليس هذا باعتراف المسلمين أنفسهم، بل باعتراف كفار مكة، حتى إنه لما جمعهم لكي يبلغهم رسالة ربه، اعترفوا بأنهم ما جرَّبوا عليه كذبًا قط، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت: ? وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ? [الشعراء: 214].

 

صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا، فجعل ينادي: «يا بني فهر، يا بني عدي» - لبطون قريش - حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: «أرأيتكم لو أخبرتُكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟» قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا؛ الحديث [1].

 

وهذا أبو سفيان يعلن أمام هرقل قيصر الروم بصدق النبي صلى الله عليه وسلم، فلما سأله هرقل: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، ثم قال هرقل بعد ذلك في محاورته لأبي سفيان: وسألتك، هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فذكرت أنْ لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله، والحديث رواه البخاري[2].

 

بل كانوا يحكمونه عندما تنشب النزاعات بينهم، كما في قصة حكمه بينهم في وضع الحجر الأسود في مكانه من الكعبة، فعن قيس بن السائب أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ يَبْنِي الْكَعْبَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: وَلِي حَجَرٌ أَنَا نَحَتُّهُ بِيَدَيَّ أَعْبُدُهُ مِنْ دُونِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَأَجِيءُ بِاللَّبَنِ الْخَاثِرِ الَّذِي أَنْفَسُهُ عَلَى نَفْسِي، فَأَصُبُّهُ عَلَيْهِ، فَيَجِيءُ الْكَلْبُ فَيَلْحَسُهُ، ثُمَّ يَشْغَرُ فَيَبُولُ فَبَنَيْنَا حَتَّى بَلَغْنَا مَوْضِعَ الْحَجَرِ، وَمَا يَرَى الْحَجَرَ أَحَدٌ، فَإِذَا هُوَ وَسْطَ حِجَارَتِنَا مِثْلَ رَأْسِ الرَّجُلِ يَكَادُ يَتَرَاءَى مِنْهُ، وَجْهُ الرَّجُلِ فَقَالَ: بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ نَحْنُ نَضَعُهُ، وَقَالَ: آخَرُونَ نَحْنُ نَضَعُهُ، فَقَالُوا: اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ حَكَمًا، قَالُوا: أَوَّلَ رَجُلٍ يَطْلُعُ مِنَ الْفَجِّ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: أَتَاكُمُ الْأَمِينُ، فَقَالُوا لَهُ، فَوَضَعَهُ فِي ثَوْبٍ، ثُمَّ دَعَا بُطُونَهُمْ فَأَخَذُوا بِنَوَاحِيهِ مَعَهُ، فَوَضَعَهُ هُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [3]، انظر إلى قولهم (أتاكم الأمين)، فهذا يدل على شهرته بالأمانة فيما بينهم، وما دعا السيدة خديجة رضي الله عنها لطلب الزواج منه إلا أمانته وهو يعمل في تجارتها[4]، فكيف بعد ذلك يدعي النبوة؟




إن هذا أمر بعيد عن العقل والمنطق، إن العقل لا يمكن أن يتصور أن يظل إنسان كامل الصدق والأمانة أربعين سنة، ثم يتحول فجأة إلى إنسان يدعي دينًا جديدًا، هذا لا يصدق، لذلك كان من أكبر الدلائل على نبوته هو صدقه وأمانته وحُسن أخلاقه قبل بعثته صلى الله عليه وسلم.

 

2-  صبره على شدة الأذى التي لاقاها في سبيل دعوته:

لو أن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان غير صادق في دعوته - وحاشاه - فما الذي يجعله يتحمل كل هذه الآلام التي واجهها، والمشاق التي لاقاها؟ إنه من المعروف أن صاحب المبدأ هو الذي يتحمل الصعاب والعنت في سبيل مبدئه أيًّا كان، أما طالب الجاه والدنيا، فلا يستطيع أن يتحمل الألم والعذاب، ولو تحمَّله سنة فلن يتحمله أخرى؟




أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد لاقى ما تنوء بحمله الجبال، فقد حوصر في شِعب أبي طالب ثلاث سنوات مع أصحابه حتى أكلوا أوراق الشجر[5]، وقد رُمي على ظهره وهو يصلي سلا الجزور، [وهي الفضلات المتبقية بعد ذبح الناقة من فرث ودم وجلد][6]، وقُذف بالحجارة لما ذهب للطائف يدعوهم إلى الإسلام[7]، وخنَقه عقبة بن أبي معيط بردائه حتى كاد أن يقتله[8]، وقد عُذب بعض أصحابه، ومنهم من قُتل، بل كان هو نفسه صلى الله عليه وسلم معرضًا للقتل، وذلك يوم الهجرة حين وقف الكفار بسيوفهم على بابه منتظرين خروجه، فهل يعقل أن يكون ذلك كله في سبيل جاه أو رياسة أو شهرة بين قومه؟ وما الذي يدعوه إلى مواصلة السير في هذا الطريق المؤلم وهو يعلم ضَعفه وضعف أصحابه، وأن من الممكن أن يُقتل في عشية أو ضحاها؟ ولو أنه بالفعل كان طالب دنيا لقبِل ما عرَضه عليه أهل مكة، فقد عرضوا عليه أن يكون أكثرهم مالًا فرفض، وعرضوا عليه أن يجعلوه ملكًا عليهم، فأبى[9].

 

إن هذا الثبات المدهش لا يمكن أن يكون إلا عن مبدأ راسخ في عقله وضميره، لا يمكن أن يحيد عنه ولو لقِي فيه حتفه، وهذا ليس مسلك اللاهثين وراء حطام الدنيا ومتاعها الزائل، ولو بخداع الناس وتضليلهم.

 

3-  زهده صلى الله عليه وسلم في الدنيا:

إن من يطالع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أنه كان أزهد الناس في الدنيا، وأبعدهم عن بهرجها الزائف، ومتاعها الفاني، فلقد كان ينام على الحصير حتى يؤثر في جنبه[10]، وكان يبيت طاويًا من الجوع، حتى إنه لا يجد الدَّقَل، وهو أردأ التمر لكي يأكله[11]، وكان يربط على بطنه الحجر من الجوع[12]، وكان يمر عليه ثلاثة شهور ولا يوقد في بيته نار يطبخ عليه طعامًا، وكان يعيش في هذه الفترة على التمر والماء[13]، وما كان يشبع من خبز الشعير حتى مات[14]، وكان يفرِّق كل مال يأتي إليه، ولا يستبقي له في كثير من الأحيان شيئًا، حتى إنه فزع وتغير وجهُه؛ لأنه نسي أن يوزع سبعة دراهم كانت في بيته[15]، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير[16]، ولم يترك ميراثًا إلا بغلته التي كان يحارب عليها وسلاحه، وأرضًا تركها لابن السبيل صدقة[17].

 

هذا كله غيض من فيض مِن زُهد النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا، فهل يعقل أن تكون هذه سيرة رجل يضلل الناس من أجل جاه ورياسة، إن العقل يقول باستحالة هذا، ولو أراد شخص ذلك، فإنما يكون ذلك منه قليل الوقوع، ونادر الحدوث، أما أن تكون حياته كلها من أولها لآخرها زهدًا منقطع النظير، وصبرًا على شظف العيش ليس له مثيل، فإن ذلك لا يكون إلا من رجل صادق اللسان، قوي الإيمان بما يعتقده ويدعو إليه، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

4-  إعلانه بعالمية رسالته في وقت ضَعفه:

من أول يوم بلغ فيه الرسول صلى الله عليه وسلم رسالة ربِّه، أعلن أنه رسول للناس كافة، وأن الله عز وجل أرسله رحمة للعالمين، وهنا نتساءل: هل يمكن لرجل أضعف ما يكون وسط قومه يلاقي العذاب منهم، وأصحابه ضعاف لا يستطيعون دفع الضر عن أنفسهم؟ هل يمكن أن يأتي في مُخيلته أو يسبح في خياله أن يقول بذلك، لو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن صادقًا في دعوته، لكان من المنطق أن يحصر دعوته في قومه، أو على الأقل في شبه جزيرة العرب؟ هذا هو ما يستطيع أن يطمح إليه من يفكر في ذلك، وهذا هو ما يستطيع تحقيقه حسب الإمكانات المادية التي بين يديه، أما أنه يقول بكل ثقة نفس واطمئنان قلب أنه رسول للعالمين، وهو في أشد حالات الاستضعاف، ثم بالفعل بعد ذلك يدعو من حوله بالدخول في دينه مثل هرقل قيصر الروم، وكسرى ملك الفرس وغيرهما، ثم بعد مماته يصل دينه إلى هذه البلاد، ثم ينتشر هذا الدين حتى لا تجد بلدًا من بلاد العالم إلا وفيها مسلمون، إن هذا كله لا يكون إلا من نبي صادق مطمئن تمام الاطمئنان بصدق دعوته، وبنصر الله عز وجل لهذه الدعوة، وتمكينها في الأرض.

 

5-  أميَّته صلى الله عليه وسلم:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أُميًّا لا يقرأ ولا يكتب، والأدلة على أُميَّته كثير جدًّا، والمقام لا يتسع لذكرها، ويكفي في بيان أُميته ما حدث في صلح الحديبية عندما أراد المشركون من علي بن أبي طالب أن يمسح من كتاب الصلح (محمد رسول الله)، ويكتب بدلًا منها (محمد بن عبدالله)، فوافقهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، لكن علي بن أبي طالب رضي الله عنه رفَض أن يفعل ذلك مستعظمًا أن يمسح وصف النبي بالرسالة، فقال له النبي: (أرني مكانها)، فأشار علي على مكانها، فمسحها النبي صلى الله عليه وسلم[18]، فلو كان النبي يقرأ لما قال لعلي: أرني مكانها.

 

ومع هذه الأمية نجد أنه صلى الله عليه وسلم قد أتى بدين شامل كامل لكل نواحي الحياة، دين فيه كل ما يحتاجه الإنسان لأمر دنياه وأخراه، وإن من يتأمل كتاب هذا الدين وهو القرآن يصيبه العجب، ويملؤه الدهش، ونظرة فاحصة متأملة للنظام التشريعي فقط، كفيلة بأن تجعل العقل يذعن أنه من المستحيل أن يكون هذا النظام المتكامل إلاَّ من دينٍ حقيقي، فالنظام التشريعي يشمل الإنسان منذ أن يكون جنينًا في بطن أمه، إلى أن يكون جثة في قبره. ونظرة واحدة فقط إلى أي فهرس لكتاب فقهي يتضح لك هذا، فهناك أحكام للصلاة، الزكاة، الصوم، الحج، البيع والشراء، الزواج، الطلاق، الربا، الشفعة، الرهن، الإجارة، الوكالة، المزارعة، المساقاة، والأطعمة والأشربة، واللباس، إلى غير ذلك من كل نشاطات الإنسان في حياته، حتى موته تجد هناك أحكامًا متعلقة به، فهناك أحكام لغسله، ودفنه والصلاة عليه، وتوزيع تركته.

 

فإلى كل عقل منصف، قد تجرد للبحث عن الحقيقة، هل يمكن أن يأتي بذلك كله إلا رسول من رب العالمين؟




قد يقول المتشكك: إنه قد استنبطه من الكتب السابقة، والجواب عليه:

أ‌- أنه كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، فكيف يستنبطه إذًا من الكتب السابقة.

ب‌- أن هذه الكتب كانت غير مترجمة للغة العربية حتى يقرأها.

ت‌- أن هناك اختلافات كبيرة جدًّا في النظام التشريعي بين الإسلام والأديان السابقة، وليس في التشريع فقط، بل العقائد والعبادات؛ حيث حرف أصحاب الأديان السابقة كثيرًا من عقائدهم، فأتى الإسلام؛ لكي يصحح هذه العقائد، ويردها إلى طريقها الصحيح.

 

6-  أذكاره وتبتُّله وعبادته لربه:

هناك تشريعات وعقائد واضحة بيَّنها الرسول صلى الله عليه وسلم، أما أن يجعل لكل فعل من أفعال الإنسان، وكل نشاط من نشاطاته ذكرًا أو دعاءً، فهذا لا يكون إلا من نبي مهمته في الحياة أن يصل الناس بربِّهم، وأن يجعلهم لاهجين بذكره، والثناء عليه في كل وقت وحين.

 

إن منظومة الأذكار في الإسلام تدعو إلى التعجب من شمولها واتساعها، حتى إنك لن تجد فعلًا إلا وله ذكر، فللصلاة أذكار، وكذلك الصوم، والحج، وعند إعطاء الزكاة وعند أخذها، وعند النوم والاستيقاظ منه، وعند الأكل والفراغ منه، وللصباح أذكار، وكذلك للمساء، وعند الخروج من البيت، وعند الدخول، وعند الخروج من المسجد، وعند الدخول، وعند دخول الخلاء، وعند الخروج منه، وعند السفر وعند الرجوع منه، وعند ارتداء الملابس وعند خلعها، حتى أخص خصوصيات الإنسان وهو الجماع له أيضًا ذكر، وغير ذلك كثير جدًّا، وإذا أردت مراجعة ذلك، فعليك بكتب الأذكار.

 

فإلى كل عقل منصف: إن هذه الأذكار دليلٌ على أنه نبي يتبتل في لربه عابدًا له ذاكرًا إياه، ويريد من الناس ألا ينسوا خالقهم الذي وهب لهم الحياة، وأن يظلوا ذاكرين له شاكرين لنِعمه.

 

أما عبادته صلى الله عليه وسلم، فهي من أكبر الأدلة على صدقه، فما الداعي إلى كثرة الصيام، حتى إنه كان يواصل الصوم في الليل، حتى همَّ أصحابه أن يفعلوا مثله، فنهاهم عن ذلك[19]، وهذا دليلٌ لا شك فيه على أنه نبي يجد أُنسه ولذَّته في عبادته والتضرع إليه، بل بلغ من شدة محافظته على قيام الليل أنه كان يصلي الساعات الطوال، حتى إنه كان يقرأ أطول السور في قيامه، حتى إن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه صلى معه ذات يوم قيام الليل، فهَمَّ أن يجلس لعدم استطاعته مواصلة الوقوف الطويل معه في الصلاة[20]، أما الصوم فقد كان يواصله ويقول: إني أبِيت يطعمني ربي ويسقيني [21].

 

فبالله عليكم يا أصحاب العقول الواعية، أليست هذه عبادة نبي صادق في دعوته، محب لربه، راج لرحمته وغفرانه.

 

7-  التكاليف في الإسلام:

النفس البشرية بطبعها لا تحب تكاليف تُقلق راحتها، وتقف ضد شهواتها، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أتي ببعض التشريعات التي قد تستصعبها بعض النفوس؛ لأن الغرض هو تطهير هذه النفوس وتزكيتها، ووصلها بربها، واختبارها عن طريق هذه التكاليف. ففرض عليهم الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة، ولو جاء أحد من الأدعياء، فقد كان يكفيه أن يجعل الصلاة فرضًا واحدًا، أو يجعل الصلاة في صورة دعاء وابتهال بلا ركوع أو سجود، وبلا وضوءٍ، كما عند كثير من طوائف النصارى، أما أن يفرض عليهم خمس صلوات، وخاصة صلاة الفجر بما فيها من مشقة الاستيقاظ من النوم، ومغالبة سلطانه، ويفرض عليهم الوضوء بما فيه من مشقة، وخاصة أيام الشتاء، ويوجب عليهم حضور الجمعة والجماعات، فهذا ليس مسلك من يريد إرضاء الناس وإراحتهم، حتى يتبعوه وكذلك الصوم عبادة شاقة على النفس، وقِسْ على ذلك الزكاة والحج، وتحريم الخمر والزنا والربا، والعقوبات مثل الجلد والرجم للزاني، وقطع اليد للسارق، وغير ذلك.

 

8-  حب أصحابه له صلى الله عليه وسلم:

لن تجد في تاريخ البشرية أناسًا أحبوا رجلًا حبًّا استولى على قلوبهم، وملك عليهم نفوسَهم، مثل حب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم له، وقد شهد بذلك عروة بن مسعود وقد كان من زعماء المشركين يوم صلح الحديبية، فعنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ قَالَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ... وفيه: فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَيْ قَوْمِ وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّدًا، وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ[22].

 

فقد كان الواحد منهم يحبه أكثر من نفسه وأهله وماله، فأبو بكر يدافع عنه لما خنقه عقبة بن أبي معيط غير مبال بما يلحقه من أذى المشركين[23].

 

وتبرع بكل ماله حبًّا له ونصرةً لدينه، فيُسأَل ماذا تركت لأولادك؟ فيقول: تركت لهم الله ورسوله[24]، وقد كان الواحد منهم يبكي لفراقه رسول الله صلى الله عليه وسلم كمعاذ بن جبل لما بعثه النبي لليمن[25]، وأحدهم يكون في بيته فلا يطيق صبرًا بالبعد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيأتي إليه لكي يجالسه وينظر إليه، فعن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنك لأحب إليَّ من نفسي، وإنك لأحب إليَّ من أهلي، وأحب إليَّ من ولدي، وإني لأكون في البيت، فأذكرك فما أصبر حتى آتيك، فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرَفت أنك إذا دخلت الجنة رُفعتَ مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت ألا أراك؟ فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا حتى نزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى: ? وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ? [النساء: 69][26].

 

وهذا خبيب بن عدي رضي الله عنه قبل أن يقتله كفارُ مكة يقولون له: أيَسرُّك أن يكون محمد مكانك، فيقتل بدلًا منك، وأنك سالم في بيتك، قال: ما يسرني أن يشاك محمد بشوكة وأنا سالم في بيتي[27]، وقد فدوه بأنفسهم يوم أُحد، وأحاط بعض أصحابه به؛ لكي يحموه من سهام المشركين حتى أُصيب كثير منهم، ونجا رسول الله، ومن هؤلاء أبو طلحة رضي الله عنه، فعندما كان يشرف النبي صلى الله عليه وسلم من وراء ظهره لينظر إلى القوم؛ يقول له أبو طلحة: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحْرك[28]، وغير ذلك كثير جدًّا من مواقف محبتهم له صلى الله عليه وسلم.

 

إنهم ما فعلوا ذلك إلا ليقينهم بصدقه وصدق دعوته، ما فعلوا ذلك إلا لما رأوه من دلائل نبوته، وصدقه في دعوته، وحسن أخلاقه صلى الله عليه وسلم.

 

9-  حادثة الإفك:

إن حادثة الإفك من أكبر الأدلة على نبوته صلى الله عليه وسلم، ففي هذه الحادثة رمى المنافقون وعلى رأسهم ابن سلول السيدةَ عائشة رضى الله عنها، وكان وقْع هذه التهمة على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم شديدًا، حتى ظلَّ شهرًا كاملًا لا يدري ماذا يصنع، المنافقون يلغون في عرضه، وهو ليس عنده دليل قاطع على براءتها، لذلك أخذ يشاور بعض أصحابه؛ كأسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب، وظل على هذا حتى أنزل الله براءتها من فوق سبع سماوات.

 

10-آيات من القرآن الكريم تدل على أنه كتاب ليس من عند البشر:

هناك آيات فيها عتاب للنبي صلى الله عليه وسلم، مثل قوله تعالى في معاتبته على إذنه للمنافقين بالتخلف عنه في غزوة تبوك: ? عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ? [التوبة: 43]، ومعاتبته في قبول الفداء من أسرى بدر: ? مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ? [الأنفال: 67، 68]، إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أنه منزل من عند الله، وليس من عند البشر.

 

هذه الأدلة هي غيض من فيض من دلائل نبوته، وصدقه في دعوته، وفيها مقْنَع لكل من كان عنده عقل يبحث عن الحقيقة، وقلب سليم يطمح للوصول إليها، والحمد لله رب العالمين.




[1] البخاري (4770).

[2] البخاري (7).

[3] مسند أحمد (15504)، وقال محققو المسند: إسناده صحيح.

[4] السيرة النبوية لابن هشام 1 /188.

[5] السيرة النبوية لابن هشام 1 /350.

[6] رواه البخاري (520).

[7] رواه مسلم (1795).

[8] الحديث رواه البخاري (3678).

[9] السيرة النبوية لابن هشام 1 /294.

[10] رواه البخاري (4913).

[11] مسلم (2977).

[12] مسند أحمد (14211)، وقال محققو المسند: إسناده صحيح.

[13] البخاري (2567).

[14] البخاري (5414).

[15] رواه أحمد (26514)، وقال محققو المسند: إسناده صحيح.

[16] البخاري (2916).

[17] البخاري (2739).

[18] الحديث رواه مسلم (1783).

[19] الحديث رواه البخاري (6851).

[20] الحديث رواه مسلم (773).

[21] الحديث رواه البخاري (1963).

[22] الحديث رواه البخاري (2732).

[23] الحديث رواه البخاري (3678).

[24] الحديث رواه الترمذي (3675)، وقال: حديث حسن صحيح.

[25] الحديث رواه أحمد (22052)، وقال محققو المسند: إسناده صحيح.

[26] سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (2933).

[27] رواه الهيثمي في مجمع الزوائد (10338)، وقال: رواه الطبراني، وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وفيه ضَعف.

[28] رواه البخاري (3811).


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook