الأمر بالائتلاف والاجتماع والنهي عن الاختلاف والفرقة

الكاتب: المدير -
الأمر بالائتلاف والاجتماع والنهي عن الاختلاف والفرقة
"الأمر بالائتلاف والاجتماع
والنهي عن الاختلاف والفرقة

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الأمر بالائتلاف والاجتماع، والنهي عن الاختلاف والفرقة[1].

وهذا الذم للخلاف يشمل الخلاف في أصول الدين وفروعه، أما الخلاف في أصول الدين الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع؛ فقد اتفقت كلمة علماء المسلمين على أن قصد الخلاف فيها محرم مذموم، وأنه من التفرق الذي نهى الله – عز وجل – ورسوله صلى الله عليه وسلم عنه، وليس لأحد الخروج عنها أو المخالفة فيها.

 

يقول تعالى: ? أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ? [الشورى: 13][2] أي اجعلوا هذا الدين وهو دين التوحيد والإخلاص لله قائماً دائماً مستمراً، واحفظوه من أن يقع فيه زيغ أو اضطراب، ولا تتفرقوا فيه، بأن تأتوا ببعض وتتركوا بعضاً، أو بأن يأتي بعض منكم بهذه الأصول التي شرعت لكم ويتركها بعض آخر. والنهى إنما هو عن التفرق في أصول الشرائع، أما التفاصيل فلم يتحد فيها الأنبياء[3].

فكل خلاف يقصد في الأصول مذموم، ويتعلق به الوعيد، ويشذ بصاحبه عن الجماعة، ويؤدي به إلى الهلكة؛ لأن وجه الحق مقطوع بصوابه، والآخر مقطوع بخطئه، وقد يكون هذا الخطأ كفراً أو بدعة أو فسقاً.

وهذا النوع من الخلاف في الحقيقة ليس بخلاف، ولا يعتد به مهما كان صاحبه الذي صدر منه.

 

وذكر العلماء لهذا النوع من الخلاف، إنما هو للتنبيه عليه، وعلى ما فيه، لا لاعتباره، قال الشاطبي – رحمه الله -: فأما المخالف للقطعي فلا إشكال في اطراحه، ولكن العلماء ربما ذكروه للتنبيه عليه، وعلى ما فيه لا للاعتداد به.

أما الخلاف في فروع الدين، فإنه عند بعض العلماء غير مذموم؛ لقصرهم ذم التفرق والاختلاف الذي وردت به النصوص الشرعية على الخلاف في الأصول، والتفرق فيها.

وأما الخلاف في فروع الشريعة وجزئياتها، فإن الذم عندهم لا يشمله ولا يتناوله، إلا إذا اقترن به بغي أو تفرق، أو صدر من غير أهل العلم.

 

قال ابن العربي - رحمه الله -: التفرق المنهي عنه يحتمل ثلاثة أوجه:

الأول: التفرق في العقائد لقوله تعالى ? شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ? [الشورى: 13][4] [5].

الثاني: الحسد والتقاطع قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخواناً)).

الثالث: ترك التخطئة في الفروع والتبري فيها، وليمض كل أحد على اجتهاده؛ فإن الكل بحبل الله معتصم، وبدليله عامل؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة))؛ فمنهم من حضرت العصر فأخرها حتى بلغ بني قريظة؛ أخْذاً بظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من قال: لم يرد هذا منا، يعني: وإنما أراد الاستعجال، فلم يعنّف – عليه السلام - واحداً منهم.

والحكمة في ذلك: أن الاختلاف والتفرق المنهي عنه، إنما هو المؤدي إلى الفتنة والتعصب، وتشتيت الجماعة، فأما الاختلاف في الفروع؛ فهو من محاسن الشريعة، فعن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن بسر بن سعيد عن أبى قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)) [6].

 

وقال الآمدي – رحمه الله -: فيجب حمل ما ورد من ذم الاختلاف والنهي عنه على الاختلاف في التوحيد والإيمان بالله ورسوله، والقيام بنصرته، وفيما المطلوب فيه القطع دون الظن، والاختلاف بعد الوفاق، واختلاف العامة، ومن ليس له أهلية النظر والاجتهاد، وبالجملة: كل ما لا يجوز فيه الاختلاف جمعاً بين الأدلة بأقصى الإمكان.

وقال الجصاص رحمه الله في قوله تعالى ? وَلا تَفَرَّقُوا ?[7]: وفي ذلك دليل على أن التفرق المذموم المنهي عنه في الآية، هو في أصول الدين والإسلام، لا في فروعه.

وقال ابن عابدين[8] رحمه الله: الاختلاف بين المجتهدين في الفروع –لا مطلق الاختلاف– من آثار الرحمة؛ فإن اختلافهم توسعة للناس، فمهما كان الاختلاف أكثر كانت الرحمة أوفر. وقد خالفهم كثير من العلماء في ذلك، وذهبوا إلى أن أي اختلاف مذموم، سواءً كان في الأصول أو الفروع، وأن الذم الذي جاءت به النصوص الشرعية، يشمل الخلاف في النوعين على حد سواء.

قال ابن حزم رحمه الله: قال قوم: هذا مما يسع فيه الاختلاف... وهذا باطل، والاختلاف لا يسع البتة، ولا يجوز، وإنما الفرض علينا اتباع ما جاء به القرآن عن الله – تعالى – الذي شرع لنا دين الإسلام، وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي أمره الله تعالى ببيان الدين.

 

وقال الشاطبي رحمه الله:

الاختلاف منفي عن الشريعة بإطلاق؛ لأنها الحاكمة بين المختلفين؛ لقوله تعالى: ? فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ? [النساء: 59][9] إذ رد التنازع إلى الشريعة، فلو كانت الشريعة تقتضي الخلاف لم يكن في الرد إليها فائدة.

 

وقال الشوكاني رحمه الله: قيل وهذا النهي عن التفرق والاختلاف يختص بالمسائل الأصولية، وأما المسائل الفرعية الاجتهادية، فالاختلاف فيها جائز، وما زال الصحابة فمن بعدهم من التابعين وتابعيهم مختلفين في أحكام الحوادث، وفيه نظر؛ فإنه ما زال في تلك العصور المنكر للاختلاف موجوداً، وتخصيص بعض مسائل الدين بجواز الاختلاف فيها دون البعض الآخر، ليس بصواب، فالمسائل الشرعية متساوية الأقدام في انتسابها إلى الشرع.

 

ويقول المقبلي رحمه الله: فعليك أيها الناظر! ألا تصغي إلى قولهم: (العبرة بالعقائد، أما الفروع فأمرها سهل)، ولكن تعلم أن الخلاف كله شر، وتزن نفسك بميزان الصحابة رضوان الله عليهم، والذي يعلم السهل من الحزن، هو الذي شرع الشرائع، ووصى بترك الخلاف في الدين، ومسمى الدين لا يخص عقائدهم هذه، وتسميتهم الأصول والفروع مجرد اصطلاح، يتوصل به إلى كيفية الاستدلال، لا إلى الإغراء على الخلاف، وتهوين أمره.

 

وهذا الخلاف بين العلماء في ذم الخلاف في الفروع مبني على مذهبي المصوبة والمخطئة في مسائل الاختلاف، ولكي نصل إلى الصواب في حكم الخلاف في الفروع لا بد من تحرير هذه المسألة وتحقيق الصواب فيها وهي:

أي إذا ساغ الاجتهاد في مسألة ما؛ فهل أن المصيب للحق فيها واحد وما عداه مخطئ؟ أم أن كل المختلفين فيها على الصواب والحق فيها متعدد؟

 

ولبيان وجه الحق في ذلك، لا بد من تحقيق معنى الإصابة في كلامهم.

فإن كان المراد بالإصابة: إصابة الأجر والثواب، أو أن الحق الواجب على المجتهد فعله هو ما وصل إليه، فهذا كله حق، وبهذا المعنى يكون كل مجتهد مصيباً، ويكون الخلاف على هذا المراد خلافاً لفظياً.

أما إن قصدوا بالإصابة: أن حكم الله في المسألة متعدد، وهو ما أدى إليه اجتهاد كل مجتهد، أي: أن الحق في الأقوال المتنافية غير واحد بل متعدد؛ فهذا فيه نزاع حقيقي، وللناس فيها ثلاثة مذاهب:

فذهبت بعض الطوائف أن المصيب واحد في كل مسألة أصلية أو فرعية، وكل ما سوى المصيب آثم؛ لأنه مخطئ، والخطأ والإثم عندهم متلازمان، وهذا قول بشر المريسي، وكثير من معتزلة البغداديين.

 

وذهب بعضهم إلى أن المصيب واحد في المسائل الأصولية، وكذلك الفرعية التي عليها دليل قطعي، أما العملية التي ليس عليها دليل قاطع، فليس لله فيها حكم في الباطن، وحكم الله في حق كل مجتهد ما أدى إليه اجتهاده.

وهم كالأولين عندهم الإثم والخطأ متلازمان، وأن كل مخطئ آثم، لكن خالفوهم في المسائل الاجتهادية؛ فقالوا: ليس فيها قاطع، وهذا القول قول كثير من الفقهاء أتباع المذاهب الأربعة، وأبي الهذيل العلاف، ومن اتبعه كالجبائي وابنه، وهو المشهور عن القدرية والمعتزلة، وهو أشهر قولي الأشعري، وهو اختيار القاضي الباقلاني، وأبي حامد الغزالي، وأبي بكر بن العربي، وغيرهم.

فكل مجتهد عند هؤلاء في المسائل العملية الاجتهادية مصيب ظاهراً وباطناً، والمخطئ في المسائل القطعية علمية أو عملية مذموم آثم.

وذهب آخرون إلى أن المصيب واحد، وأن الحق لا يتعدد، وأنه لا إثم على المخطئ من المجتهدين من هذه الأمة، لا في الأصول ولا في الفروع.

وهذا هو قول الجمهور، وهو القول المعروف عن الصحابة والتابعين، وأئمة الدين، كالثوري وداود بن علي، والأئمة الأربعة، وجمهور أتباعهم.

 

فعندهم حكم الله في المسألة الواحدة واحد لا يتعدد ولا يختلف، قد يصيبه المجتهد وقد يخطئه، وإن كان المخطئ معذوراً في خطئه، مأجوراً على اجتهاده، سواء كان ذلك في مسألة علمية أو عملية، أصولية أو فرعية، وهذا المذهب هو ما يعرف عند الأصوليين بمذهب المخطئة، وهو الحق الذي تشهد له الأدلة الشرعية الكثيرة والجلية منها: - قول الله -عز وجل-: ? وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ? [النساء: 82] [10] أي: لو كان مفتعلا مختلقا، كما يقوله من يقوله من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم ? لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ? أي: اضطرابا وتضادا كثيرا. أي: وهذا سالم من الاختلاف، فهو من عند الله[11].

فدلت الآية على أن الشرع المنزل من عند الله منزه عن الاختلاف، وفروع الشريعة مما جاء من عند الله؛ فلا يكون فيها اختلاف.

قال الشاطبي رحمه الله معلقاً على الآية: فنفى أن يقع فيه الاختلاف البتة، ولو كان فيه ما يقتضي قولين مختلفين، لم يصدق عليه هذا الكلام. - وقول الله - عز وجل -: ? فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ? [النساء: 59] [12] فإن اختلفتم، أيها المؤمنون، في شيء من أمر دينكم: أنتم فيما بينكم، أو أنتم وولاة أمركم، فاشتجرتم فيه فردوه إلى الله، يعني بذلك: فارتادوا معرفة حكم ذلك الذي اشتجرتم أنتم بينكم، أو أنتم وأولو أمركم فيه من عند الله، يعني بذلك: من كتاب الله، فاتبعوا ما وجدتم وأما قوله: والرسول، فإنه يقول: فإن لم تجدوا إلى علم ذلك في كتاب الله سبيلا فارتادوا معرفة ذلك أيضًا من عند الرسول إن كان حيًا، وإن كان ميتًا فمن سنته إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، يقول: افعلوا ذلك إن كنتم تصدقون بالله واليوم الآخر، يعني: بالمعاد الذي فيه الثواب والعقاب، فإنكم إن فعلتم ما أمرتم به من ذلك. فلكم من الله الجزيل من الثواب، وإن لم تفعلوا ذلك فلكم الأليم من العقاب[13].

ووجه الدلالة في الآية: أن الله – سبحانه - جعل شريعته هي الحاكمة بين المختلفين في الفروع وفي غيرها؛ فإذا نفس الشريعة تقتضي الخلاف؛ فإن رد المتنازعين إليها يكون عبثاً؛ لأن ما يقتضي الخلاف لا يرفع الخلاف وهذا باطل قطعاً.

 

قال المزني رحمه الله في كتاب ذم التقليد: وقد ذم الله الاختلاف في غير ما آية، ولو كان من دينه ما ذمه، ولو كان التنازع من حكمه ما رده إلى كتابه وسنة نبيه، ولا أمر بإمضاء الاختلاف على ما هما به، وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته من الفرقة، وأمرها بلزوم الجماعة.

 

• ومن الأدلة على ذلك أيضاً قوله تعالى: ? وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ? [الأنبياء: 78، 79] [14] وكنا لحكم داود وسليمان والقوم الذين حكما بينهم فيما أفسدت غنم أهل الغنم من حرث أهل الحرث، شاهدين لا يخفى علينا منه شيء، ولا يغيب عنا علمه وقوله فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ يقول: ففهَّمنا القضية في ذلك سُلَيْمَانَ دون داود، وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا يقول: وكلهم من داود وسليمان والرسل الذين ذكرهم في أوّل هذه السورة آتينا حكما وهو النبوة، وعلما: يعني وعلما بأحكام الله[15].

حيث خص الله سليمان –عليه الصلاة والسلام- بإصابة الحكم في هذه المسألة دون داود؛ فدل على أن الحق واحد فقط، ولو كان كل منهما مصيباً، لما كان لتخصيص سليمان بفهم الحكم أي مناسبة.

 

• ومن أدلة السنة على ذلك: أنه كان من وصيته صلى الله عليه وسلم لأمراء جيشه: ((وإذا حاصرت أهل حصن فسألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك)).

فهذا الحديث يدل على أن لله في كل مسألة حكماً، قد يصيبه المجتهد وقد يخطئه.

قال ابن الأمير الصنعاني[16] رحمه الله في شرحه للحديث: وهو دليل على أن الحق في مسائل الاجتهاد مع واحد، وليس كل مجتهد مصيباً للحق.

 

• ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر واحد)).

حيث بين النبي صلى الله عليه وسلم أن المجتهد في الحق قد يصيب الحق وقد يخطئه؛ فدل على أن حكم الله في المسألة المختلف فيها اختلاف تضاد حكم واحد، من أصابه أعطي أجرين، ومن أخطأه أعطي أجراً واحداً؛ لبذله الجهد في الوصول إلى الصواب، وإن كان لم يدركه.

 

• ومما يدل أيضاً على ذلك: حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سَعْدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ أبِي أُمَامَةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ[17] عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ أنَاساً نَزَلُوا علَى حُكْم سَعْدِ بنِ مُعاذٍ[18] فأرْسَلَ إلَيْهِ فَجاءَ علَى حِمارٍ فلَمَّا بلَغَ قَرِيباً مِنَ المَسْجِدِ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ((قُومُوا إِلَى خَيْرِكُمْ أوْ سَيِّدِكُمْ)) فَقَالَ يَا سَعْدُ إنَّ هَؤُلاَءِ نَزَلُوا علَى حُكْمِكَ قَالَ فإنِّي أحْكُمُ فِيهِمْ أنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ وتُسْباى ذَرَارِيُّهُمْ قَالَ حَكَمْتَ بِحُكْمِ الله أوْ بِحُكْمِ المَلِكِ[19].

وفي رواية للترمذي: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصبت حكم الله فيهم.

فقول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد رضي الله عنه: ((أصبت حكم الله أو حكمت بحكم الملك))؛ يدل على أن لله في المسألة الواحدة حكماً، قد يصيبه المجتهد وقد يخطئه.

 

وعلى هذا المعنى تدل آثار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، حين كانوا يجتهدون في المسائل التي يسألون عنها من ذلك:

• أن أبا بكر - رضي الله عنه - سئل عن الكلالة فقال: إني سأقول فيها برأيي؛ فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان،: أراه ما خلا الوالد والولد، فلما استخلف عمر قال: إني لأستحيي من الله أن أرد شيئاً قاله أبو بكر.

• وابن مسعود – رضي الله عنه - أتي في رجل تزوج امرأة، فمات قبل أن يدخل بها، ولم يسم لها صداقاً؛ فاختلفوا إليه في ذلك شهراً أو قريباً من شهر، فقالوا: لا بد أن تقول فيها، قال: أقضي أن لها صداق امرأة من نسائها لا وكس ولا شطط، ولها الميراث وعليها العدة؛ فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان من ذلك.

 

فالصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا يعلمون أن اجتهادهم قد يصيب حكم الله وقد يخطئه؛ ولذا كانوا ينسبون الخطأ إلى أنفسهم والشيطان، ويبرئون حكم الله من ذلك، كما أن رجوع بعضهم إلى قول بعض في المسألة، دليل كذلك على ما قرر.

فالشافعي – رحمه الله - فرق بين إصابة الاجتهاد التي يؤجر عليها المجتهدون، وبين إصابة الحق الذي يؤجر عليه من أصابه دون غيره، وعليه فإن: الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها، وإن كثر الاختلاف، كما أنها في أصولها كذلك، ولا يصح فيه غير ذلك.

مع التنبيه هنا إلى تباين العلماء والطوائف الإسلامية في تحديد الأصول من الفروع.

فالمسلمون مجمعون على أن شرائع وفرائض الدين، تتفاوت تفاوتاً يجعل بعضها أجل وأعظم وأوجب من بعض، ابتداء من قول: (لا إله إلا الله)، إلى (إماطة الأذى عن الطريق).

ومهما تباينت آراء الطوائف الإسلامية في تحديد الأصول من الفروع، إلا أن ثمة قدر مجمع عليه بين الجميع يسمى (أصول الدين)، وما سوى ذلك فهم مختلفون في الاعتبار الذي تنقسم لأجله مسائل الدين إلى أصول وفروع.

 

فما هي الأصول من الفروع؟

عند النظر في اختلاف العلماء في ما يفرق به بين الأصول والفروع، نجد أن أقرب الفوارق إلى الصواب، يمكن به تحديد الفارق الذي به تحدد الأصول من الفروع، يكون باعتبار دليلها من جهة قطعيته وظنيته.

فتكون الأصول ذات الأدلة القطعية، وتكون الفروع ذات الأدلة الظنية، سواء كانت مسائل علمية أو عملية.

 

يقول الشاطبي رحمه الله: إن الأصول والقواعد إنما تثبت بالقطعيات ضرورية كانت أو نظرية، عقلية أو سمعية، وأما الفروع فيكفي فيها مجرد الظن.

وقال الشيرازي رحمه الله: إن الفروع ليس عليها أدلة قاطعة... بخلاف الأصول فإن عليها أدلة قاطعة.

مع التنبيه إلى أن هذا التفريق غير جامع ولا مانع؛ لأن كون المسألة قطعية أو ظنية هو أمر إضافي، بالنسبة إلى علم المجتهد في المسألة، وعليه فقد يخطئ العالم في مسألة قطعية، فيُخَطَّأ فيها، ولا يؤثّم ما دام أن كلامه فيها بناه على أصول الاجتهاد.

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وقول الله تعالى- في القرآن: ? رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ? [البقرة: 286] [20] قال الله: قد فعلت، ولم يفرق بين الخطأ القطعي والظني، بل لا يجزم بأنه خطأ إلا إذا كان أخطأ قطعاً.

قالوا – أي: أهل الحق -: فمن قال: إن المخطئ في مسألة قطعية أو ظنية يأثم؛ فقد خالف الكتاب والسنة والإجماع القديم، قالوا: وأيضاً فكون المسألة قطعية أو ظنية هو أمر إضافي، بحسب حال المعتقدين، ليس هو وصفاً للقول في نفسه؛ فإن الإنسان قد يقطع بأشياء علمها بالضرورة أو بالنقل المعلوم صدقه عنده، وغيره لا يعرف ذلك لا قطعاً ولا ظناً، فالقطع والظن يكون بحسب ما وصل إلى الإنسان من الأدلة، وبحسب قدرته على الاستدلال.

والناس يختلفون في هذا وهذا، فكون المسألة قطعية أو ظنية ليس هو صفة ملازمة للقول المتنازع فيه، حتى يقال: كل من خالفه قد خالف القطعي، بل هو صفة لحال الناظر المستدل المعتقد، وهذا مما يختلف فيه الناس؛ فعلم أن هذا الفرق-أي: بين الأصول والفروع- لا يطرد ولا ينعكس.

وبين رحمه الله في موطن آخر إلى أن صواب ما يفرق به بين الأصول والفروع في المسائل الشرعية هو جلها من دقها، سواء كانت علميةً أو عملية، وقال رحمه الله: الحق: أن الجليل من كل واحد من الصنفين –أي: المسائل الخبرية والعملية- مسائل أصول والدقيق فيها مسائل فروع.

 

قصد الخلاف منهي عنه شرعاً، سواء كان ذلك في الأصول أو الفروع؛ لأن الاختلاف والتفريق في الدين الذي نهى الله عنه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، لم يفرق فيه بين أصول الدين وفروعه.

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ[21]، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَبَا مُوسَى، وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ لَهُمَا: ((يَسرا وَلَا تُعَسرا، وَبَشرا وَلَا تُنَفِّرَا وَتَطَاوَعَا)) [22].

فحضهم صلى الله عليه وسلم على الجماعة والألفة والتحذير من الفرقة والاختلاف، دون تفرقة بين أصول الدين وفروعه، وقد كان معلوماً لديه صلى الله عليه وسلم، ولديهما-أيضاً- أنهما سيعلمان الدين أصوله وفروعه.

وعليه فلا فرق بين مسائل الأصول والفروع من جهة ذم الاختلاف فيها، وإن كان الخلاف في الأصول أبلغ ذماً، وأكثر فرقة منه في الفروع، أي أن حرمة الاختلاف في الفروع لا تكون كحرمة الاختلاف في الأصول؛ فالحرمة الثانية أشد وأغلظ من الحرمة الأولى.

 

قال الشافعي رحمه الله رداً على من قال: فإني أجد أهل العلم قديماً وحديثاً مختلفين في بعض أمورهم فهل يسعهم ذلك؟ قال: فقلت له: الاختلاف من وجهين أحدهما محرم، ولا أقول ذلك في الآخر، قال: فما الاختلاف المحرم؟ قلت: كل ما أقام الله به الحجة في كتابه، أو على لسان نبيه منصوصاً بيناً، لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه، وما كان يحتمل التأويل، ويدل قياساً، فذهب المتأول أو القايس إلى معنى يحتمله الخبر أو القياس، وإن خالفه فيه غيره، لم أقل: إنه يضيق عليه ضيق الخلاف في المنصوص.

فيلحظ من كلام الشافعي رحمه الله تضييقه الخلاف في الفروع، وإن لم يكن كالتضييق في الخلاف في الأصول، وقد فهم المزني ذلك، وهو تلميذ الشافعي الأدنى فقال معلقاً: فظاهر قوله أنه ضيق الخلاف كتضييقه في المنصوص.

 

وخلاصة القول في حكم الشرع في الخلاف

• أن الخلاف وإن أراده الله قدراً كسائر الذنوب- إلا أنه نهى عنه شرعاً؛ لأنه شر وعذاب.

• أن التوسعة والرحمة في الاجتهاد المأذون به شرعاً، لا في الخلاف المنهي عنه شرعاً المحرم قصده، سواءً كان في الأصول أو الفروع.

• وأن الخلاف إذا كان عن اجتهاد لا يذم، ولا يأثم صاحبه، سواءً كان في الأصول أو الفروع، وإن خُطِّئ في اجتهاده.

• أن الخلاف الذي وقع فيه الصحابة وأئمة العلم -رضي الله عنهم- ما طلبوه ولا رغبوا فيه-أي: ما وقعوا فيه قصداً- وإنما وقعوا فيه عرضاً.

• مع التنبه إلى أن أدلة الشريعة لا تتعارض، ولا تتناقض في نفسها ولا مع بعضها، وما يظهر من خلاف أو تعارض بينها، فلا يرجع إلى ذات النصوص، وإنما هو بحسب ما يظهر للمجتهد في تلك النصوص، أما نصوص الشرع فلا يجوز أن يكون الاختلاف فيها، أو مقصوداً بها، مع نهي الشارع عنه وذمه له.




[1] مجموع الفتاوى لابن تيمية، باب حكم الانتساب إلى إمام من الأئمة ( ج 3 - ص 421 ).

[2] سورة الشورى:13.

[3] تفسير المراغي (ج 25 - ص 25).

[4] سورة الشورى:13

[5] سبق تفسيرها.

[6] أخرجه البخارى (4 ك/438) ومسلم (5 /131) وأبو داود (3574) وابن ماجه (2314) والدارقطنى (514) والبيهقى (10 /118 - 119) وأحمد (4 /198 و204).

[7] آل عمران: 103.

[8] ابن عابِدين (000 - 1306 هـ = 000 - 1889 م) محمد بن محمد أمين بن عمر، علاء الدين، ابن عابدين: فقيه حنفي كوالده، من علماء دمشق. كان من أعضاء الجمعية العمومية لجمع (المجلة الشرعية) بالأستانة، فأقام ثلاث سنوات. وعاد إلى بلده فأكمل حاشية أبيه (رد المحتار - ط) بكتاب سماه (قرة عيون الأخيار لتكملة رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار - ط) جزآن. وتوفي بدمشق.( الأعلام للزركشي ( ج 7 - ص 75).

[9] سورة النساء:59.

[10] سورة النساء:82.

[11] تفسير بن كثير (ج2- ص 364).

[12] سورة النساء:59.

[13] تفسير الطبري (ج8 - ص 504).

[14] سورة الأنبياء:78-79.

[15] تفسير الطبري (ج18 - ص 475).

[16] الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني (1099 هـ - 1182 هـ / 1687 - 1768) مؤرخ وشاعر ومصنف من أهل صنعاء. هو أحد أئمة اليمن المتأخرين والذين يعدوا في المجتهدين القلائل المتحررين المتبعين للدليل من الكتاب والسنة جنبا إلى صالح المقبلي والحسن الجلال والشوكاني. وُلد بمدينة كحلان قرب صنعاء. ثم انتقل إلى صنعاء وله إحدى عشرة سنة فنشأ بها. له مصنفات كثيرة، بلغت نحو مائة مصنَّف. منها: سبل السلام، شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام لابن حجر العسقلاني؛ توضيح الأفكار شرح تنقيح الأنظار؛ اليواقيت في المواقيت؛ شرح الجامع الصغير للسيوطي؛ إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد؛ الروض النضير. مات بصنعاء. ( الأعلام (6/ 38) والبدر الطالع (2/ 133 - 139).

[17] أبو أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري: الأوسي، المدني، الفقيه، المعمر، الحجة. اسمه: أسعد باسم جده لأمه، النقيب السيد، أسعد بن زرارة. ولد: في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ورآه فيما قيل. اتفقوا على وفاته في سنة مائة. ( التاريخ الكبير (1/ 2/ 63).

[18] سعد بن معاذ (5 هـ) سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس، أبو عمرو الأنصاري الأوسي الأشهلي البدري. أسلم على يد مصعب بن عمير. قال ابن إسحاق: لما أسلم وقف على قومه، فقال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا فضلا، وأيمننا نقيبة. قال: فإن كلامكم علي حرام، رجالكم ونساؤكم حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فوالله ما بقي في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا وأسلموا. قال ابن إسحاق: آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين سعد وأبي عبيدة بن الجراح. رمي رضي الله عنه يوم الخندق بسهم فعاش بعد ذلك شهرا ثم انتقض جرحه فمات منه، وذلك سنة خمس للهجرة. (أسد الغابة (2/ 461 - 464).

[19] عمدة القاري شرح صحيح البخاري، باب منقبة أسيد بن الخضير(ج 16 - ص 269 - رقم 4083).

[20] سورة البقرة: 286.

[21] أبو بردة بن أبي موسى الأشعري: عبد الله بن قيس بن حضار الأشعري، الفقيه، العلامة، قاضي الكوفة. وكان من أوعية العلم، حجة باتفاق، اسمه عامر - فيما قيل - وولي قضاء الكوفة بعد شريح مدة، ثم عزله الحجاج، وولى أخاه؛ أبا بكر بن أبي موسى. قال أبو نعيم: مات أبو بردة سنة أربع ومائة. وقال الواقدي: مات سنة ثلاث ومائة. (البداية والنهاية 9 / 231).

[22] مسند الإمام أحمد بن حنبل، باب حديث أبو موسى الأشعري (ج32 - ص518- رقم 19742).


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook