الأمر بتقوى الله

الكاتب: المدير -
الأمر بتقوى الله
"الأمر بتقوى الله




أمر الله عز وجل عبادَه المؤمنين أن يتَّقوه، وإنما تتحقَّق التقوى بالإقبال على الله عز وجل وحُسن عبادته؛ فإن تأدية العبادات التي فرضها الله عز وجل تُثمِر التقوى، وإذا تحقَّقت التقوى كانت ثمارها: الفرقان، تكفير السيئات، مغفرة الذنوب، وكلُّ ذلك تفضُّلٌ مِن الله عز وجل، قال تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ? [الأنفال: 29]، وفي الآية بيان لثمار التقوى حال تحققها، فقد جاء الخطاب مشروطًا بإِنْ، (وهي حرف للجزاء يوقع الثاني من أجل وقوع الأول)؛ أي: يجعل لكم فرقانًا في حال تقواكم وتحقق التقوى فيكم؛ وذلك ليكون الخطاب عامًّا للصحابة ولمَن جاء بعدهم إلى يوم الدين، فهو قانونٌ عامٌّ، ونتيجة ثابتة لمقدمةٍ محددة، وسُنن الله تعالى لا تتبدَّل ولا تتغير، وتلك الدعوة للمؤمنين إلى التقوى بمعنى: داوموا على التقوى، ولقد تحققت التقوى في الصحابة مهاجرين وأنصارًا يوم أن اجتمعت كلمتهم، واتفقت آراؤهم على مواجهة قريش، وقال قائلهم: (امضِ يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضتَ بنا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكرَه أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ عند اللقاء، لعل الله يُريك منا ما تَقَرُّ به عينك، فسِرْ على بركة الله)[1]، وشرح الله تعالى صدور الفريقِ الكاره المتردِّد لقَبول أمر القتال مع قلة العدة والعدد.

 

ولقد تحققت فيهم التقوى ساعةَ أن قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - لمَّا دنا المشركون -: ((قُوموا إلى جنة عرضُها السماوات والأرض))، فقال عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟! قال: ((نعم))، قال: بخٍ بخٍ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما حملك على قول بخ بخ؟))، قال: لا والله يا رسول الله، إلا رجاء أن أكون مِن أهلها، قال: ((فإنك مِن أهلها))، فأخرج رضي الله عنه تمراتٍ مِن قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها حياةٌ طويلة، فرمى ما كان معه من التمر، ثم قاتَلَهم حتى قُتل، رحمه الله[2]، فكان أحدهم يَهْوَى القتل في سبيل الله، ويتمنى لقاء الله تعالى؛ ليسكن أعلى درجات الجنة.

 

ولقد تحقَّقت في الصحابة رضي الله عنهم تقوى الله عز وجل يوم أن انتصروا على جيش قريشٍ بقيادة أبي جهل، وغنِموا مغانم المشركين وأموالهم، وأرادوا توزيع الأنفال، وأراد كل فريق أن ينال الحظَّ الأكبر منها؛ لإثبات حسن بلائه وأدائه في المعركة، لا طمعًا في الغنائم ولا حبًّا لها، ثم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنفال أو سألوا عن أنصبتها، فنزل قول الله تعالى: ? يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ? [الأنفال: 1]، فثابوا وسكنوا، إلى أن نزل الجواب مفصلًا ومبينًا لهذا الحكم، لا شك أنهم رضُوا واستجابوا، وما اعترض أحد، وما ناقَش أو جادل في الحكم، كما جادل البعض في أمر القتال!

 

إنها التقوى في جانبها العملي التطبيقي، وهو المقصود الأول، نَعَم إن التقوى في القلب، وهي ثمرة أداء العبادات أداءً سليمًا موافقًا لشرع الله ولسُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنها تظهر هنا بصورةٍ واقعية، وفي استجابة حقيقية لحكم الله عز وجل ولدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولنداء الحياة، فالإسلام حياة، والاستجابة لداعي الجهاد حياة؛ حياة الأمة وعزتها وكرامتها، وإن كان في ذلك التضحيات؛ لأن شجرة الدعوة تنمو وتكبر، وتمتد جذورها وتثبت بكثرة العطاء، وببذل الجهد في سبيل نشر الدعوة والتعريف بدين الله عز وجل، وتبليغ الناس عقيدةَ الإسلام، وإقرار منهج الله تعالى في الأرض.

 

أما أن يظن ظانٌّ أن التقوى هي هذا السلوك المتواضع، والمظهر الخاشع المنكسِر في صفوف المصلين في ساحات المساجد، والبكاء بصوت عالٍ عند التأمين على دعاء الأئمة والداعين وفقط - فهذا مما أظنه خداعًا للنفس أو للغير، نعم إن السورة الكريمة استُهِلَّت بحديثٍ عن صفات المؤمنين وعلامات الإيمان، لكن هذا الإيمان يصبح حقيقة واقعة حينما يوضع في الامتحان الأخير، في ساعة البأس والجد، فيُقدِم ولا يتراجع، ويثبُت ولا يتزعزع، ويقاتل ولا يفرُّ، مقبلًا غير مدبِر، ويصبر على ألم الطعن وضرب السيوف، هذا هو مقياس الصدق، وميزان التقوى، كما جاءَ في قوله تعالى: ? لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ? [البقرة: 177].

 

فكانت آخر الصفات وأعلاها وأرقاها هي: الصابرين حين البأس؛ أي (في حال القتال ولقاء الأعداء)[3]، وكان التعقيب: ? أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ?، إنها التقوى في واقعها العملي، وصورتها الصادقة، لقد وُصف أتباعُ النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم بأنهم رهبان بالليل، فرسان بالنهار؛ للدلالة على أن التقوى ليست هي المِسْبَحة التي تصطك في أيدي الغافلين، أو أنها مجرَّد صيام وقيام وتلاوة للقرآن، وأدعية وأذكار فقط، لكنها عملٌ يبرهن على أن لهذه القربات ثمرةً يعود نفعها على واقع المسلمين وعلى الأمة الإسلامية في جهاد باللسان، بالحجة والبيان، والدعوة والإعلام، ثم بالنفس وبالمال، وبالوقت وبكل ما ملك الإنسان.

 

قال تعالى في صفة أتباع محمد صلى الله عليه وسلم: ? مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ? [الفتح: 29]، وقال تعالى في صفات أهل التمكين: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ? [المائدة: 54].

 

ومِن هنا، فإن الانشغال بالقربات التي تهذِّب النفس وتزكِّيها وترقِّيها، دون الانشغال بما يعود على المسلمين بالنفع والعزة والتمكين - يعد إماتةً للدين، ودليلًا على خلل أو نقص في الفهم والتطبيق، فلقد عاب الله تعالى على قومٍ تركوا جهاد الكفار وابتدعوا الرهبانية، وهي التعبد بما سوى الجهاد، قال تعالى: ? ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ? [الحديد: 27].

 

وقد أورد ابن كثير حديثًا خرَّجه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رجلًا جاءه، فقال: أوصِني، فقال: سألتَ عما سألتُ عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبلك: ((أوصيك بتقوى الله عز وجل؛ فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد؛ فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن؛ فإنه روحك في السماء وذكرُك في الأرض))[4]، ففي الحديث ربط بين التقوى والجهاد.

 

بَيدَ أن الجهاد ليس المقصود به السيف فقط، بل المقصود هو الجهاد بمعناه الشامل ومفهومه الواسع، الذي يشمل جهاد الكلمة، وقولة الحق، والدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ورد الشبهات، وإبطال المزاعم حول الإسلام، وأيضًا جهاد الفقر والمرض والتخلف العلمي والاقتصادي والعسكري، فكل ذلك وغيره مِن ميادين الجهاد الفسيحة، أما السيف، فهو جزء من كلٍّ، وفرع من أصل، وضرورة تقدَّر بقدرها حسب التقدير الحكيم والقرار السديد، وفي الوقت المناسب، وحسب القدرة وظروف المرحلة التي يمر بها المسلمون، وحسب ما تشير إليه الآية الكريمة، فإنه في حال التقوى وتحققها، يتحقق الفرقان، وهو الهداية والتوفيق والنجاة، ورؤية الحق حقًّا والباطلِ باطلًا، والتمييز بين الصواب والخطأ.




[1]البداية والنهاية، جزء 3، ص 26.

[2] السابق 277.

[3] تفسير ابن كثير جزء 1 ص209.

[4] تفرد به أحمد، وانظر: ابن كثير، جزء 4، ص 316، مكتبة التراث، حلب، ومسند أحمد رقم 11365.


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook