الإسلام يقضي على الأنانية وحب الذات من نفوس المسلمين

الكاتب: المدير -
الإسلام يقضي على الأنانية وحب الذات من نفوس المسلمين
"الإسلام يقضي على الأنانية وحب الذات من نفوس المسلمين




الأنانية لغة واصطلاحا:

الأنانية في اللغة:

أنى: وتأتي على عدة معان:

1- البطء: كأن يقال رجل أني ذو أناة، بمعنى أنه لا يعجل في الأمور.




2- ساعة من الزمان: وتعني ساعة من ساعات الليل خاصة، والجمع آناء.

 

3- إدراك الشيء: أي انتظاره حينا، أي وقتا، تقول: انتظرنا إنى اللحم، أي إدراكه[1].

 

الأنانية في الاصطلاح:

وتعني: رؤية النفس، وكل ما يضيفه العبد لنفسه؛ من حبه لذاته، كأن يقول: نفسي، وروحي[2].

 

الأنانية قبل الإسلام:

يسجل القرآن الكريم الأنانية على مر العصور؛ فإبليس- لعنه الله- منعته أنانيته من طاعة الله– عز وجل-، بالسجود لآدم- عليه السلام-، قال تعالى: ? قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ?[3].

 

وقابيل دعته أنانيته؛ لأن يقتل هابيل، قال تعالى: ? وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ?[4].

 

ويرسل الله- عز وجل- رسولين لفرعون؛ فتدعوه أنانيته، وحب السلطة؛ بأن يدعي الربوبية، قال تعالى: ? فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ?[5].

 

والأخ، أو الشريك الذي دعاه حبه لذاته، وأنانيته؛ لأن يعتدي على أخيه، ويطلب أن يضم نعجته إلى نعاجه ويريد أن يستأثر لنفسه، ويضمها إلى ما يملكه من الغنم بعد أن تملكته الأنانية وحب الذات[6].

 

قال تعالى: ? إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ?[7].

 

وأوصلت الأنانية صاحب الجنتين؛ لأن يتعالى على صاحبه بما يملكه، ويشك في قيام الساعة[8]، قال تعالى: ? وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ?[9].

 

وسعت الأنانية بأصحاب الجنة؛ لأن يحلفوا ليصرمنها وقت الصباح؛ حتى لا يراهم أحد من المساكين؛ فجازاهم الله بما يستحقون، وحرمهم ثمار جنتهم، وأحرقها، ولم يبق منها شيئا.[10]، قال تعالى: ? إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ?[11].




الإسلام ينهى عن الأنانية:

جاء الاسلام ليرفع عن المسلم كل صفات الأنانية، وحب الذات، ويستبدلها بالإيثار، ومحبة المسلمين.

 

ولأن أمة الإسلام التي رباها رسول الله-صلى الله عليه وسلم- هي الأسوة؛ فقد تميزت بكرم الخلق، وحسن المعاملة، والتخلص التام من عنصرية الجاهلية، والأنانية المفرطة، والكبرياء والتعالي[12].

 

ولقد عاقت الأنانية المجتمع العربي في الجاهلية، وجاء الإسلام ليخلصنا منها بالمؤاخاة، والإيثار؛ لنصل إلى مرحلة القوة والاتحاد[13].

 

وعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في صلاة وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا. فلما سلم النبي- صلى الله عليه وسلم- قال للأعرابي: لقد حجرت واسعا يريد رحمة الله[14].

 

فقدم هذا الأعرابي نفسه على رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، مع أن إسلامه يحمله على تقديم الرسول- صلى الله عليه وسلم- على نفسه، ولم يخصص أحدا بالرحمة إلا رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، ونفسه؛ مدفوعا بهذه الأنانية المفرطة[15].

 

وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يكره التلفظ بها إذا كانت لا تفيد السائل عن جوابه[16]، فعن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما)، يقول: أتيت النبي- صلى الله عليه وسلم- في دين كان على أبي، فدققت الباب، فقال: من ذا فقلت: أنا، فقال: أنا أنا كأنه كرهها[17].

 

الرسول-صلى الله عليه وسلم- يلغي الأنانية، وحب الذات من نفوس أصحابه (رضوان الله عليهم) أجمعين:

ولما هاجر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة عقد المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار[18]؛ فأصبحوا إخوة متحابين، كما قال تعالى: ? وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ?[19]، وزالت الأنانية من بينهم، وصاروا كالجسد الواحد كما وصفهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، فعن النعمان بن بشير (رضي الله عنهما)، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى[20].

 

فكما أن الرجل إذا تألم من جسده شيء سرى ذلك الألم إلى جميع جسده فكذا المؤمنون؛ مثلهم كنفس واحدة إذا تألم أحدهم تألم الجميع، وإذا أصابت أحدهم مصيبة هم الجميع يقصدون إزالتها، وهذا تشبيه؛ لتقريب الفهم، وإبراز المعاني في الصور المرئية[21].

 

وأراد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يخلص الصحابة (رضوان الله عليهم) من الأنانية وحب الذات، ففي الحديث عن عبد الله بن هشام (رضي الله عنه)، قال: كنا مع النبي-صلى الله عليه وسلم- وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي-صلى الله عليه وسلم-: لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال له عمر: فإنه الآن، والله، لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي-صلى الله عليه وسلم-: الآن يا عمر[22].

 

وبهذا التوجيه النبوي الشريف؛ فقد ذهبت (أنا) التي أشربت حب الأنانية، من حياة المسلمين، وحلت محلها (أنا) التي تدعو إلى التواضع، فعن أبي مسعود (رضي الله عنه)، قال: أتى النبي- صلى الله عليه وسلم- رجل، فكلمه، فجعل ترعد فرائصه، فقال له: هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد[23].

 

و(أنا) التي للإخبار عن النفس، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه)، قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: من أصبح منكم اليوم صائما؟.

 

قال أبو بكر (رضي الله عنه): أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟. قال أبو بكر (رضي الله عنه): أنا، قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟. قال أبو بكر (رضي الله عنه): أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضا؟ قال أبو بكر (رضي الله عنه): أنا، فقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: ما اجتمعن في امرئ، إلا دخل الجنة[24].

 

وقد ذكر الطيبي أن معنى (أنا) في الحديث: للتعيين في الإخبار لا للاعتداد بنفسه[25].




[1] ابن فارس، مقاييس اللغة 1/ 141-143.

[2] التهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم 1/ 274.

[3] الأعراف (12).

[4] المائدة (27-28).

[5] النازعات (24).

[6] مجمع البحوث، التفسير الوسيط 8/ 491.

[7] ص (23).

[8] الماتريدي، تأويلات أهل السنة 7/ 171.

[9] الكهف (34-36).

[10] ينظر: أحمد بن مصطفى، تفسير المراغي (29/ 35).

[11] القلم (17-20).

[12] غلوش، السيرة النبوية والدعوة في العهد المدني 197. بتصرف.

[13] جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 1/ 283.

[14] أخرجه البخاري، كتاب: الأدب، باب: رحمة الناس والبهائم ح (6010).

[15] جواد علي، مرجع سابق 1/ 283.

[16] ابن الجوزي، كشف المشكل من حديث الصحيحين (3/ 29).

[17] أخرجه البخاري، كتاب: الاستئذان، باب: إذا قال: من ذا؟ فقال: أنا ح (6250)، ومسلم، كتاب: الآداب، باب: كراهة قول المستأذن أنا إذا قيل من هذا ح (2155).

[18] ابن هشام، السيرة النبوية 1/ 505.

[19] آل عمران (103).

[20] أخرجه مسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم ح (2586).

[21] ينظر: المناوي، فيض القدير شرح الجامع الصغير 5/ 514.

[22] أخرجه البخاري، كتاب: الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي-صلى الله عليه وسلم- ح (6632).

[23] أخرجه ابن ماجة في سننه ح (3312).

[24] أخرجه مسلم، كتاب: الزكاة، باب: من جمع الصدقة وأعمال البر ح (1028).

[25] القاري مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 4/ 1335.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook