الإكراه والغلبة من الوسائل النفسية الدعوية

الكاتب: المدير -
الإكراه والغلبة من الوسائل النفسية الدعوية
"الإكراه والغلبة من الوسائل النفسية الدعوية

 

وهو: (حمل الغير على ما يكرهه بالوعيد)[1]، وهو إلزامٌ على سبيل القهر والغلبة، بالقيام بعمل من الأعمال المادية الظاهرة، تحت تأثير قوة ملجئة، أو تحت تهديد بانتقام أشد ضرراً وشرًّا، من الضرر والشر اللذَين قد يفضي إليهما العمل المكره عليه[2].

 

إن الإسلام جاء لإصلاح النفس البشرية، ولتحقيق الغاية من إيجادها، وحرص على أن يتقبل الناس ذلك عن طواعية ورغبة، وأن يتقبل دين الحق عن قناعة وإرادة - وهذه من خصائص الدعوة الإسلامية -، ولم يعتمد إكراه الناس على الدخول في الإسلام عن طريق الجهاد، ليرغمهم على ذلك، لأن الإنسان مفطور على الإيمان، والكفر حالة طارئة، والدين واضح بين، وإذا تعرف الكافر على حقيقة الدين، فلا شك أن فطرته - حال سلامتها - ستدفعه إلى الإيمان والتصديق بإذن الله، لأن الإكراه مخالف للفطرة، ومخالف للحكمة التي أوجد الله الناس من أجلها[3].

 

ولكن هذا لا يعني متابعة الناس لرغباتهم وأهوائهم، بل إن هناك بعض الظروف التي تفرض استخدام القوة والإجبار والإكراه، لفرض شرع الله ودينه.

 

كما أن هناك حالات لا يمكن المصالحة فيها، ولا يمكن التعايش بين الطرفين، كما كانت الحال بين المسلمين والمشركين، فلا بد انتصار أحد الطرفين، إما بالقضاء على الطرف الآخر، أو باقتناع المهزوم بمبادئ المنتصر، والإيمان بها واعتناقها عن قناعة[4].

 

وهذه القناعة أحيانا تحتاج إلى شيء من الإكراه والإرضاخ للقوة، وذلك من حكمة مشروعية الجهاد، فالجهاد ليس دفاعيا فقط عند حالات التعرض للهجوم الظالم، أو عند استرداد الحقوق المغصوبة، بل شرعه تعالى لمصلحة الناس - حتى الكافر منهم- فشرعه لتأمين تبليغ دعوة الحق للناس، لأن التبليغ وظيفة المسلمين الأولى، ولا يجوز لهم أن يتخلوا عنها بحال من الأحوال، يدل على ذلك قوله ? وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ?[5].

 

وحين تمنع دولة ما هذا التبليغ فإن من حق المسلمين أن يقاتلوها إن استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، لأنه لا بد من إزاحة قوى الظلم الطاغية، التي لا تقيم العدل في شعوبها، وتفتنهم في دينهم ? وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ?[6][7]، فهذه حالة جهادية فيها إكراه وإرغام للأعداء على اتباع أوامر الدين وإخضاعهم لحكمه.

 

وحالة أخرى، يقاتل الناس فيها ويكرهون على الخضوع لحكم الإسلام، وذلك إذا كانوا من غير أهل الكتاب، - فهؤلاء قد جاء إقرارهم على دينهم مع دفع الجزية-، وهؤلاء يقاتلون وجوباً، لا للإكراه على الدخول في الدين، وإنما للخضوع لحكم الإسلام، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله))[8]، وحق الإسلام هو التزام أحكامه الظاهرة[9].

 

فإن قيل: كيف يجوز الإكراه على الحق، والظاهر من حال المكره أنه لا يعتقد ما أظهر؟ يجاب عن ذلك بعدة أجوبة:

أولاً: أن الله بعث رسوله صلى الله عليه وسلم يدعو الخلق إليه، فوضح لهم السبيل، وبصرهم بالدليل، واحتمل الأذى والهوان في سبيل ذلك، حتى قامت حجة الله، وانتقل حاله من الأذى إلى العصمة، وعن الهوان إلى العزة، وجعل الله له أنصارا بالقوة، فمضى من المدة ما قامت به الحجة وكان به الإنذار، وحصل به الإعذار.

 

ثانياً: إن كانوا يؤخذون كرهاً أولاً، فإذا ظهر الدين، وحصل في جملة المسلمين، وعمت الدعوة قوي اعتقادهم وحسن إسلامهم.

 

ثالثاً: يزول الإشكال إذا عرف أن المطلوب في الدنيا من الكافر أن يستسلم ويخضع للإسلام، وأن يظهر ذلك، وليس المطلوب استقراره كاملا في فؤاده، في اللحظة التي يراد منه فيها الدخول في الإسلام، وإنما المطلوب منه أن يستسلم كيانه ولسانه لدين الله تعالى، ويذعن لنبوة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكل ما جاء به من عند الله عز وجل، أما الإيمان فيربو بعد ذلك في قلبه، مع استمرار تمسكه بالإسلام وخضوعه له، ولذلك يقول تعالى: ? قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ?[10].

 

لذلك لا يجوز للمسلم أن يقتل من تظاهر بالإسلام أثناء القتال، مهما كانت دوافعه إلى ذلك من خوف من القتل أو رغبة في الغنيمة[11].

 

رابعاً: للجمع بين ما سبق، وبين ما هو معروف من خصائص الدعوة، أذكر ما يلي مما يتعلق بغزوة الفتح:

1- أن الأمر لا يكون إكراهًا أبداً أو مسالمة أبداً، فالنبي صلى الله عليه وسلم قدوة الدعاة- قد جرى منه الأمران في هذه الغزوة، فأبو سفيان رضي الله عنه قائد قريش، وإسلامه عن رغبة أو رهبة، هو مكسب كبير للمسلمين، فأسلم تحت التهديد بالقتل، وتحت الشعور بذل الأسر، وتحت شعور الانهزام النفسي من كثرة المسلمين وهول المفاجأة، وقد قيل له: أسلم قبل أن تضرب عنقك. فأسلم رغم شكوكه التي ذكرها حول نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقبل منه النبي صلى الله عليه وسلم إسلامه[12].

 

وفي ذات الوقت، لم يكره أحدا من أهل مكة على الإسلام - رغم قدرته على ذلك - بل ترك لهم الحرية التي حددها لبعضهم بمدة أربعة أشهر، مما يُشعر بأنها مهلة محددة ثم يسلك أحد السبيلين بعد ذلك، فهي ليست حرية مطلقة، بل مقيدة بوقت معين.

 

2- أنه صلى الله عليه وسلم علمَ قوة الإسلام وظهوره وغلبته، كما علم أن أهل مكة صاروا بعد العز والقوة، في غاية الوهن، إلى أن دخلوا في الإسلام وأكثرهم لذلك كاره[13]،[14] لكنه صلى الله عليه وسلم قبل علانيتهم وبايعهم على الإسلام، رغم عدم إجبارهم عليه لكنهم آثروا السلامة في انضمامهم إليه.

 

ومما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان عالما بحالهم وضعف الإسلام في قلوبهم، أنه لا يزال يتألفهم بالمال والعطايا والترفق بهم وتقديرهم، ويبذل لهم كل ما من شأنه أن يقوي إيمانهم، ولو شاء إكراههم فقط، وإجبارهم على الإسلام، لما فعل ذلك، ولما حرم الأنصار من غنائم حنين وتألفهم بها، فإكراههم كان وسيلة وسببا في إدخالهم في الإسلام، فكان مثلهم كمن يجر إلى الجنة بالسلاسل، وحالهم كما قال أبو هريرة رضي الله عنه عن قوله تعالى: ? كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ?[15] قال: خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم، حتى يدخلوا في الإسلام)[16].

 

3- ومما يثبت فعالية هذه الوسيلة، ملاحظة النتائج التي أسفرت عن استخدامها فمسلمة الفتح الذين أسلموا تحت الشعور بغلبة المسلمين عليهم وأبو سفيان الذي أسلم بعد التهديد بالقتل، لم تحمل كتب التاريخ عنهم ما يشين إسلامهم، بل العكس من ذلك، كان الثناء عليهم بحسن إسلامهم، وكانوا من أوائل المتحمسين للجهاد في سبيل الله، حتى كان منهم قادة لجيوش الفتح الإسلامي.




[1] التعريفات ص 56.

[2] بتصرف، الأخلاق الإسلامية وأسسها 1 /135.

[3] انظر مقاصد المكلفين ص 348، والإسلام والوعي الحضاري ص 150، وافتراءات حول غايات الجهاد ص 32-33.

[4] بتصرف، قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم السياسية والعسكرية: أحمد راتب عرموش ص 126، دار النفائس ط:2، 1409هـ 1989م.

[5] سورة الحج جزء من آية 78.

[6] سورة الأنفال جزء من آية 39.

[7] بتصرف، بصائر للمسلم المعاصر ص 113- 114، وانظر في ظلال القرآن 3 /1508- 1509.

[8] سبق تخريجه ص 334.

[9] بتصرف، صفوة الآثار والمفاهيم من تفسير القرآن العظيم 3 /465- 466.

[10] سورة الحجرات جزء من آية 14.

[11] بتصرف، فقه السيرة: د. محمد سعيد البوطي ص 371.

[12] ومما يدل كذلك على قبول النبي صلى الله عليه وسلم إسلام الكاره ما رواه الإمام أحمد في المسند، عن أنس رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: ((أسلم)) قال: إني أجدني كارهاً. قال: ((وإن كنت كارها))، 3 /181، وصححه الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 3 /439 ح 1454.

[13] بتصرف، فتح الباري 6 /285 ح 3189.

[14] ومما يؤكد إسلامهم كارهين قوله صلى الله عليه وسلم: ((أسلم الناس وأمن عمرو بن العاص)). (سنن الترمذي كتاب المناقب باب مناقب عمرو بن العاص، وقال: هذا حديث حسن غريب ليس إسناده بالقوي)، فالمقصود بالناس مسلمة الفتح من أهل مكة، فقد أسلم عمرو بن العاص رضي الله عنه، قبل الفتح بسنة أو سنتين طائعا راغبا مهاجرا إلى المدينة، وقوله صلى الله عليه وسلم هذا تنبيه على أنهم أسلموا رهبة، وآمن عمرو رضي الله عنه، فإن الإسلام يحتمل أن يشوبه كراهية أما الإيمان فلا يكون إلا عن طواعية ورغبة. بتصرف، تحفة الأحوذي 10/ 342- 343.

[15] سورة آل عمران جزء من آية 110.

[16] صحيح البخاري كتاب التفسير باب قوله تعالى: ? كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ? [آل عمران: 110] 5 /170.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook