البدع والمعتقدات في الجنائز

الكاتب: المدير -
البدع والمعتقدات في الجنائز
"البدع والمعتقدات في الجنائز




كثيرٌ مِن الناس لم يرتكز الإيمانُ الصحيح في قلوبهم ارتكازًا يَجعلهم يَنقادون لأحكام الشريعة الغرَّاء، والملَّة السَّمحة، وإنما دفعهم ما وَرثوه من العادات الممقوتة والبدَع الضالَّة دفعًا، جَعَلَهم ينحدرون في تيارِها الجارف، ويستغيثون بظلام بُردتها الكثيف، كما يستغشي المصرُّ المستكبر ثوبه فلا يَصِل إلى أذنه صوت الحق، حتى تركوا الدين وراءهم ظهريًّا، واتبعوا أهواءهم؛ ? وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ? [القصص: 50].

 

وإنَّ القلب لَيتفطَّر حزنًا وأسًى على ما أصاب الإسلام والمسلمين من جرَّاء تلك الفِعال المَرذولة، والسيئات الخاطئة التي نُشاهدها كل يوم بأبشع صورة وأقبح شكل.

 

وهأنذا أحدِّثك أيها القارئ الكريم عما يقع في بلادنا المصرية مِن البِدَع والاعتقادات الفاسدة في الجنائز، حفظنا الله من الوقوع فيها ووقانا شرَّها:

فمِن البِدَع المَذمومة والمزاعم الموهومة: اعتقاد النِّساء من أهل الميت أن رُوح فقيدهم تبقى في ثيابه التي مات فيها، ولا تخرج منها إلا بعد مضيِّ ثلاثة أيام من دفنه! ولذلك يُحضِرْن قارئًا يتلو شيئًا من كتاب الله الكريم على تلك الملابس التي لم تُفارقها الرُّوح في زعمهنَّ، وهذا معتقَد فاسد، لا يَقبله عقل ولا يقرُّه دين سماويٌّ، وله أصلٌ في معتقدات قدماء المصريين؛ فإنهم كانوا يحفظون من الميت كثيرًا من الملابس والحليِّ والإناث والمآكل لاعتقادهم أن الروح إذا عادتْ إلى الجسم بعد الموت وجد الميت هذه الأشياء؛ فتمتع بها كما كان يتمتع بها في حياته! وهي عاداتٌ قديمةٌ مَوْرُوثةٌ عن آبائهم الأولين، ? إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ? [الزخرف: 23]، ? أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُون ? [البقرة: 170].

 

وهذا الاعتقادُ له نظيرٌ عند العرب في الجاهلية، وهو ما يُسمُّونه: (الهامة)؛ وذلك أنهم كانوا يعتقدون أن روح القتيل الذي لم يُؤخذ بثأره تَخرج هامة (طائر من طيور الليل)، فلا تزال تصيح على قبره تقول: اسقوني.. اسقوني، حتى يأخذوا له بالثأر مِن قاتله.

 

وأنت خبير بأن الإسلام ندَّد بمثلِ هذه الأوهام، ولم يُقِمْ لها وزنًا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا عَدوى، ولا طِيَرة، ولا هامة، ولا صفر، وفرَّ مِن المَجذوم فرارك من الأسد)).

 

ومِن البدَع المُنكَرة ما يفعله المشيعون للجنازة من قراءة قرآن أو ذكر أو قصيدة بُردة بصوت مرتفع خارجٍ عن حدِّ اللياقة، منافٍ للخُشوع والاعتبار بجلال الموت، ومشْي طائفة أمام النعش تلبَس أزياء خاصة وتخطو خطوات منظَّمة، بأيديهم مباخر من نحاس، ومجامر مملوءة بالوَردِ والرياحين، إلى غير ذلك مما لم يكن شيء منه موجودًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم وغيرهم مِن السلف الصالح، ومِن المعلوم أنَّ رفع الصوت يُنافي الحِكمة المَطلوبة مِن المشْي مع الجنازة من التفكُّر في الموت وما بعده.

 

وقد روى أبو داود عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تتبع الجنازة لا بصوت ولا نار))، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الله يُحبُّ الصمتَ عند ثلاثة؛ عند تلاوة القرآن، وعند الزحف، وعند الجنازة)).

 

ومِن البِدَع المُحرَّمات ما تَفْعَلُه الجاهلات من النساء، وبخاصَّة نساء الطبقات الفقيرة في أزماننا؛ من النِّياحة، ولَطْم الخُدود، وشقِّ الثياب وتمزيقها، وقول قريبة الميت أو زوجته: واحسرتاه! واجملاه! واكبداه! والمرتكبة لهذا عاصية، والذي يُقرُّها عليه ليس له حظٌّ من اتِّباع السنَّة المحمدية؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس مِنَّا مَن لطَم الخُدود، وشقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية))، ولقد برئ النبي صلى الله عليه وسلم من الصالقة والحالقة؛ فالصالقة: المرأة الرافعة صوتها، والحالقة: التي تحلق شعر رأسها، والشاقَّة: التي تشقُّ ثيابَها عند المصيبة.

 

ولقد اعتاد بعضُ نسائنا إذا حلَّت بهنَّ مُلمَّة موت قريب لهنَّ أن يصبغن أيديهنَّ بالزُّرقة، ويُلطِّخنَ وجوهَهنَّ بالنِّيلة أو الطين، ويتمرغْنَ في التراب، وكل ذلك حرامٌ؛ لأنه تغيير لخلْق الله تعالى وطاعة للشيطان، ? وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ? [النساء: 119]، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لعن الواشمات والمستوشمات والمتنمصات، والمتفلِّجات للحسن، المغيرات خلْق الله)).

 

ومما زاد الطينة بلَّة: خروجهنَّ خلف الجنازة على تلك الهيئة الفاضحة، صارخات معولات متهتكات، فواجب على حاكم كل بلدة - مدينة أو قرية - منعهنَّ من الخروج في هذه الحالة.

 

ولقد تغلَّب الجهلُ على قوم حتى طاشتْ عُقولهم، وانعدم تفكيرهم بما أتوا به عند حلول المصيبة بهم من الأفعال التي يمجُّها الذوق السليم، ويَستقبحها الطبع المستقيم؛ حيث يَتركون شَعر رؤوسهم متلبِّدًا مُتشعِّثًا لا يَحلقونه ولا يُنظِّفونه ولو بالماء القراح، والداهية الدهياء أنهم لا يَقربون نساءهم وحليلاتهم شهورًا؛ إظهارًا للحزن، وحدادًا على الميت.

 

وإن ننسَ لا ننسى ما اعتادَه المصرُّيون في حفلات مآتمهم مِن بذل الأموال الكثيرة، والنفقات الباهظة من غير حساب لطفل رضيع في الورَثة فارقتْه أمه الحنون، ووالدته الرؤوم، وهو يتضور جوعًا، ويبكي بكاءً مرًّا، أحوج ما يكون إلى مرضع تُغذيه بألبانها، وحاضنة ترعاه بحنانها وشفقتها وتُصلِح شأنه، وبدون نظر إلى صغير يَتيم مات أبوه وتركه لألم الحاجة وذلِّ اليُتْم يسبح في خضمِّ الشقاء، ويَحتاج إلى مُربٍّ يُهذِّبه ويثقِّفه ويقوِّم معوجَّه.

 

كان الواجب أن نُنقذ هذا الصبيَّ الصغير وتَنتشلِه من غمرات اليُتْم وذلِّه، ونأخُذ بيدِه ونُنشِّئه تنشئةً صالحةً؛ لأن يكون في المستقبل عضوًا عاملاً في المجتمع الإنساني، بأن نحفَظ تراثه الذي خلَّفه له والده وصار حقًّا مِن حقوقه، ولكن ويا للأسَف قد أثقله القيِّم أو مَن يَتولى أمر مُصيبتِه بديون لا طاقةَ له بها، أثقله بشراء لفافات التبغ والبنِّ والسكَّر، والأنعام التي تُنحَر لمن يُعزِّيه وينزل بساحته، أثقله بشراء أكفان زائدة على الحاجة الشرعية، أثقله باستئجار الطنافس الجميلة والفرش الوثيرة، فماذا يفعل اليتيم يا ترى؟ أيسدِّد هذه الديون الفادحة التي أثقلت نفقات المآتم كاهله بها ويَجوع، أم يماطل أرباب الديون وهو للمُماطلة غير مستطيع؟




طامة كبرى عليك أيها اليَتيم، ومصيبة عظمى مضافة إلى مصيبتك أيها الحائر المسكين، ديون أثقلتك، وذئاب من الناس أكلتْك؛ ? إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ? [النساء: 10].

 

رويدًا أيها المبتدعون، إياكم ومُحدَثات الأمور، فإن كل مُحدَثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

 

إنَّ الإسلام بيَّن لكم طريقًا قويمًا في جنائزكم، فإن سِرتم على سُننه فلن تضلُّوا، والرسول عليه الصلاةُ السلامُ سنَّ لجيران أهل الميت ونحوهم تهيئة طعام لهم يشبعهم يومًا وليلة، ولما جاءَه خبر قتل جعفر الطيار بن أبي طالب في غزوة مؤتة قال: ((اصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ فقد جاءهم ما يشغلهم)).

 

وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا عقر في الإسلام))، وهو: الذي كان يعقر عند القبر بقرة أو شاة.

 

وقال صاحب جلاء القلوب: اعلم أن الطعام الذي يصنعه أهل الميت في اليوم السابع فيُجمَع له الناس يريد بذلك القربة للميت والترحُّم له: مُحدَث؛ لم يكن فيما تقدم، ولا هو مما يحمده العلماء، وليس للمسلمين أن يقتدوا بأهل البدع، وينهى كل إنسان أهله عن الحضور لمثل هذا، اهـ.

 

وإلى هنا نكتفي بما ذكرنا من البدع الفاشيَة في الجنائز، لعل المسلمين يثوبون إلى دينهم فيتبعون خططه الحكيمة، ويتركون محدثات الأمور التي لا تُوافق الشرع، وفقنا الله وإياكم للعمل الصالح، وهدانا جميعًا إلى سواء السبيل.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook