البركة عند السلف الصالح

الكاتب: المدير -
البركة عند السلف الصالح
"البركة عند السلف الصالح

 

البركة هي كثرة الخير والنماء، وهي جند مِن جنود الله يرسله لمَن شاء مِن عباده، ويمنعه عمن شاء، فقد أرسله لأنبيائه ورسله والصالحين مِن عباد الله المؤمنين، فتمتعوا بالبركة في العمر والصحة، والعافية والمال، وسلَب البركةَ عن أقوام عاشوا في بُعدٍ عن منهج الوحي والرسالة، فعاشوا في محق وضنك وعمى.

 

ولأهمية وجود البركة في حياة المسلمين كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو دعاءً عامًّا للأمة كما قال: « اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا »؛ رواه أبو داود، ودعاءً خاصًّا لبعض الصحابة كما قال لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه – لمَّا علم بزواجه -: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ »؛ متفق عليه.

 

والمتصفح للتاريخ يرى أمثلةً كثيرةً لحضورِ البركة ووجودها عند السلف الصالح رضي الله عنهم، فها هو سيدنا عثمان رضي الله عنه يجهز جيشًا كاملاً من ماله الخاص، فيبارك الله له في ماله؛ فقد رُوِي أن قد بلغَت ثمرةُ نخْله مائتي ألف أو تزيد؛ حيث بارك الله له إنفاقَه في سبيله.

 

وهذه السيدة خديجة لما لاحظت بركةَ النبي صلى الله عليه وسلم وهو شاب فَتِي، عندما ازداد النماء والخير في مالها وتجارتها؛ حرَصت على الزواج بخير البرية.

 

وقد جاء في مسند أحمد أنه وجِد في خزائن بني أُمية حِنطةٌ الحبة بقَدر نواةِ التمر، وهي في صُرَّةٍ مكتوب عليها: هذا كان ينبُت في زمَن العدل.

 

فانظروا - يا إخواني - كيفَ تكون البركة؟

كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ابنته فاطمةَ طريقةَ استجلاب هذه البركة بالإخلاص في الذِّكر، ففي الصحيحين عن علي رضي الله عنه: أن فاطمة شكت ما تلقى في يدها من الرحى، فأتت النبيَّ صلى الله عليه وسلم تسأله خادمًا، فلم تجده، فذكرتْ ذلك لعائشة، فلما جاء أخبرته، قال: فجاءنا، وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبتُ أقوم، فقال: « مكانك »، فجلس بيننا، حتى وجدت برد قدميه على صدري، فقال: « ألا أدلكما على ما هو خيرٌ لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما - أو أخذتما مضجعكما - فكبِّرا أربعًا وثلاثين، وسبِّحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين؛ فهذا خير لكما من خادم ».

 

وها هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه ولي الخلافة سنتين وبضعة أشهر فقط ومع ذلك ما زلنا نقرأ في سيرته، سيرة حافلة بالمنجزات العظيمة، والفتوحات الكثيرة، ومثله عمر ابن عبد العزيز رحمه الله تعالى فإنه ولي الخلافة سنتين وأشهر، ومع ذلك كانت سيرته ثرية عطرة حافلة بالمنجزات، وهذا سعد بن معاذ رضي الله عنه أسلم وعمره إحدى وثلاثون سنة، ومات وعمره سبع وثلاثون، أو ثمان وثلاثون؛ أي: إنه بقي في الإسلام ست أو سبع سنين فقط، ومع ذلك لما مات يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه قد اهتز لموته عرش الرحمن؛ فرحًا بقدومه، اهتز لموته عرش الرحمن وهو لم يبق في الإسلام سوى ست أو سبع سنين، يا ترى ماذا فعل في هذه السنيات؟ إنها البركة، البركة العظيمة التي جعلها الله تعالى في هذه المدة القليلة.

 

وعندما نقرأ سيرة بعض الأئمة والأعلام من أهل العلم نجد أن الله تعالى قد جعل البركة العظيمة في أوقاتهم، يقول ابن القيم عن شيخه ابن تيمية - رحمهما الله جميعا -: « وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في سننه وكلامه وكتابه أمرًا عجيبًا؛ فكان يكتب في اليوم من التصانيف ما يكتبه الناسخ في جمعة وأكثر، وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب أمرًا عظيمًا ».

 

وهذا الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - يصلي لله تعالى تطوعًا من غير الفريضة في اليوم والليلة ثلاثمائة ركعة، ولم يكن هذا هو العمل الوحيد في حياته، فقد كان يحفظ السنن، ويدافع عنها، ويكسب لأهله وعياله قوتهم، ويقرأ ويطلب العلم، ويعلم الناس، ويفتيهم، ولكن الله تعالى جعل في وقته البركة، وكان الحافظ عبد الغني المقدسي صاحب عمدة الأحكام يقتدي بالإمام أحمد في هذا.

 

إنها البركة التي منحهم الله إياها في أعمارهم، وفي أوقاتهم، وفي أعمالهم، وفي أرزاقهم، فقد كانت البركة في الأعمار والأرزاق والأوقات سمة من سمات السلف الصالح، وهذا كله مصداقًا لقول الله عز وجل: ? وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ? [الأعراف: 96]؛ بالإيمان والتقوى تتنزل البركات من السماء والأرض.

 

أسأل الله أن يبارك لنا في أزواجنا وأولادنا وذرياتنا وفي أعمالنا وفي أموالنا وفي بلادنا، وأن ينشر السعادة في كل بيتٍ، وصلى الله على سيدنا محمد.


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook