البيئة الدعوية ومعوقات الدعوة

الكاتب: المدير -
البيئة الدعوية ومعوقات الدعوة
"البيئة الدعوية ومعوقات الدعوة

 

تنبع بعض المعوّقات من بيئة المعلمة الداعية والطالبة المدعوة، وتشمل العوامل المتعلقة بالمدرسة وأنظمتها الإدارية، والأسرة وأساليب التعامل فيها، والمجتمع بكل ما فيه من مؤثرات، وتعتبر البيئة من معوّقات الدعوة حينما تؤثر تأثيرا سلبيا على الطالبة والمعلمة وعلى سير الدعوة، وحين تمنع الدعوة من تحقيق أهدافها، ومن المعوّقات المتعلقة بالبيئة المحيطة ما يأتي:

أولاً: ضعف البيئة التربوية في المدرسة:

يعد ضعف أو سوء البيئة المدرسية أحد معوّقات الدعوة في المرحلة الثانوية، خاصة عند غياب السلطة الحازمة الحكيمة في المدرسة، حيث تزيد مشكلاتها، وتضعف العلاقات بين منسوباتها، وتتفشى المنكرات بين طالباتها، وقد يرافق ذلك ضيق المدرسة وازدحامها بالطالبات، وعدم كفاية مرافقها إلى جانب إهمال أعمال الصيانة بشكل دوري وخاصة مصلّى المدرسة، وقلة إمكانات المدرسة المادية.. وغيرها من جوانب النقص التي تؤثر تأثيرا كبيرا على مستوى التكيف النفسي والاجتماعي عند الطالبة، والذي يعيق الأنشطة ولا يسمح بتنفيذها وإتقانها، كما يؤثر على استجابة الطالبة للدعوة.

 

وقد تكون المدرسة عاملا معوّقا أمام أهداف الدعوة (وذلك إذا كانت بيئة المدرسة غير صالحة للدارسين، مما لا شك فيه أن المنهج الدراسي، والكتاب المدرسي، وطرق التدريس، وطرق التقويم، والامتحانات، والمدرس، وأساليب المعاملة، والعلاقات السائدة في المدرسة، والخدمات المدرسية، والمبنى المدرسي، وحجم الفصل... كل ذلك له تأثيره الإيجابي أو السلبي على سلوك الطلاب المراهقين وعلى نفسيتهم، وعلى إشباع حاجاتهم وتحقيق أهدافهم)[1].

 

ثانياً: التصلب في الأنظمة الإدارية واللوائح:

يعرف النظام الإداري المدرسي بأنه (مجموع المبادئ والقواعد والتقاليد التي تحدده المؤسسة التعليمية، وترى ضرورة المحافظة عليها والالتزام بها، والتصرف في حدودها من قبل المنتمين إليها، سواء كانوا من التلاميذ أو من الموظفين والعاملين)[2]، والنظام بهذا التعريف يحقق الأمن في المدرسة، وينظم العمل فيها، وتتحدد على ضوئه المسؤوليات والاختصاصات والسلطات، ويتوفر فيها المناخ المناسب للتحصيل العلمي وللدعوة إلى الله وإصلاح الطالبات، لأن الانسجام والتعاون والانضباط الذاتي والاحترام المتبادل بين الطالبات والمعلمات؛ يحقق قدرًا كبيرًا من الأهداف الدعوية والتربوية المأمولة من المدرسة بخاصة، والمصلحة العامة للمجتمع الإسلامي بعامة.

 

والنظام الإداري يأخذ أحيانا اتجاهاً إيجابياً فيكون وسيلة للارتقاء بالدعوة في المدرسة، لأنه يقوم على التوجيه بالحسنى، وعلى احترام الموظفات في المدرسة من إداريات ومعلمات، ويراعي احتياجات وميول الطالبات، ويعمل على توجيهها الوجهة المرغوبة، وعلى تأكيد شخصياتهنّ واحترام أفكارهنّ وآرائهنّ واقتراحاتهنّ، ويشجعهنّ على المزيد منها، ويدفعهنّ إلى المشاركة في أعمال الخير في مدرستهنّ وإلى تحمل المسؤولية.

 

وقد يأخذ أحياناً اتجاهاً سلبياً فيكون من معوّقات الدعوة في المرحلة الثانوية لأنه يقوم على العقوبة، وعلى كبت حماس إدارة المدرسة ومعلماتها وطالباتها ورغبتهنّ في تقديم الخير بدلا من تشجيعها على النمو والانطلاق السليم، كما يقوم على تأكيد الضبط الخارجي، وعلى ضرورة الانصياع للقواعد والتعليمات واللوائح دون مرونة، بغضّ النظر عما يسببه هذا النظام من خضوع واستكانة وضعف الثقة بالنفس[3]، أو ما يسببه من تضييق على الأنشطة الدعوية وتحديد لأوقاتها، أو ما يتطلبه من وقت وجهد للمتابعة لأخذ الإذن والموافقة على تنفيذ شيء منها كاستضافة داعيات من خارج المدرسة والقيام بالمحاضرات وغيرها.

 

ثالثاً: تشدد أو تساهل الإدارة المدرسية وضعف تعاونها مع المعلمة الداعية:

تُعد الإدارة المدرسية الحكيمة عنصر مهم مؤثر في نجاح العملية الدعوية داخل المدرسة، فهي تتعامل مع عناصر العملية الدعوية (المعلمة الداعية والطالبة المدعوة) وتربط بينهما، وتهيئ لهما الظروف المادية والمعنوية الملائمة، أما الإدارة التي لا تدرك ضرورة الدعوة وأهميتها في إصلاح الطالبات؛ فهي تسلك غالباً إحدى السبيلين: إما أن تكون إدارة متسلطة، ترى أن الجميع تحت سيطرتها، ولا يحق لأحد من أفراد المدرسة مناقشتها أو الاعتراض على رأيها، وترى أن من حقها التدخل في كل صغيرة وكبيرة من أعمال المعلمات والطالبات، وما يقدم من أنشطة وبرامج في المدرسة، الأمر الذي يجعلها عاملاً معوّقاً للدعوة، مضعفاً لانتظامها ولإقبال الطالبات عليها، بل إنها تنفر الطالبات من الإقبال على المدرسة ذاتها لما يشيع فيها من جو الخوف والرهبة، كما أنها عامل إحباط وخفض للروح المعنوية للمعلمات والطالبات.

 

وإما أن تكون إدارة ضعيفة عاجزة عن الضبط، فتترك الحبل على الغارب، وتتسم بالفوضوية والتسيب، فهي معيقة للدعوة أيضا، لما تتسبب فيه من معاناة للمعلمة الداعية وصعوبة التخطيط، والتنفيذ للبرامج، وعدم انضباط الطالبات، وتشتت أفكارهنّ، وضعف استجاباتهنّ للدعوة، حيث تجد الطالبة نفسها حرة تفعل ما تشاء دون توجيه أو رقابة.

 

ومن آثار الإدارة المدرسية السيئة ضعف الترابط وانعدام التعاون بين معلمات المدرسة بعضهنّ مع بعض، وبينهنّ وبين الإدارة، حيث إن الدعوة الناجحة في المدرسة تستلزم قيام فريق متكامل مترابط من المعلمات الداعيات المتعاونات مع الطالبات، بحيث يكون لكل واحدة منهنّ وظيفتها ومسؤوليتها في العملية الدعوية، وحينها تسير الدعوة بانتظام واتساق، في وحدة متضامنة متكاتفة، تساعد الطالبة على سلوك الطريق القويم، أما إذا تفرقت الجهود وتناثرت، أو دب الخلاف بين أفراد الفريق، وعملت كل واحدة بمفردها؛ كانت النتائج مبعثرة ضعيفة، وكذلك عدم تحديد المسؤوليات المطلوبة من كل معلمة، وعدم وضوح الأعمال الموكلة إليها، فالإرشاد الطلابي[4] - على سبيل المثال - لن يتمكن من تحقيق كامل أهدافه الإصلاحية والتوجيهية بسبب (عدم تحديد الصلاحيات بالشكل المطلوب من قِبل إدارة المدرسة أو المؤسسة، حيث يتم تكليف المرشد بأعمال ليست من أعماله، كأخذ التأخر الصباحي والغياب، ونقل التعاميم، والعمل على الحاسب الآلي في إدخال الدرجات.. مما يثقل كاهله ويقلل من إنتاجه ودوره في عملية الإرشاد)[5].

 

رابعاً: التناقض والتعارض بين سلوك المجتمع والقيم الدينية:

قد تتفاعل الطالبة مع وعظ معلمتها ونصحها ويلين قلبها، ثم تقارن بعد ذلك بين ما تدعوها إليه من الفضائل وبين ما تشاهده من سلوك معلماتها الأخريات وزميلاتها أو قريباتها، فتجد أن هناك فارقا كبيرا، وتجد نفسها بين شدّ وجذب، وتحت وطأة صراع كبير بين متناقضات في القيم والأفكار والسلوك؛ مما يشكل لديها مع مرور الوقت شخصية مهزوزة مترددة، وتضعف استجابتها للخير.

 

إن الطالبة التي تتعلم أمور دينها في المدرسة عن طريق مناهج العلوم الدينية، وعن طريق الأنشطة الدعوية، ثم لا تجد صدى لذلك في الواقع الذي تعيش فيه، وتدرس شرائع الإسلام وقيمه، ثم لا تراه يُطبق في حياة المجتمع، نتيجة لتمسك أفراد مجتمعها بالعادات والأعراف الخاطئة المناقضة للإسلام، أو لانصرافهم إلى شهواتهم الدنيوية، يحدث لديها تعارض وتناقض كبير بين ما تتعلمه وبين ما تراه وتعيشه، وهذا يمثل معوّقا خطيرا أمام الدعوة، إذ إن الطالبة قد تحس بعدم حاجتها إلى ما تتعلمه من أمور الدين، وقد تقع في القلق والصراع، الذي قد ينعكس على المعلمة بمشاعر الإحباط وخيبة الأمل واليأس، وقد تفتر عن الدعوة.

 

وأساس هذا التناقض والتعارض أن لكل مجتمع مبادئه ومثله العليا، كما أن له مصالحه وطموحاته وتقاليده ومشكلاته، وبين هذه العناصر تشابك وتضاغط مستمر؛ فالقيم والمثل تضغط على المصالح حتى تظل في إطارها، والمصالح تضغط على المبادئ كي تتسع لها من خلال توسيع مدلولاتها والتخفيف من صرامة أحكامها، وحين يكون صوت المبادئ هو الأعلى؛ فإن نسق الحياة كلها يتحسن، وحين يعلو صوت المصالح فإن الغايات حينها تصبح مسوّغة لكل الوسائل التي تحققها، وينحطّ بذلك توازن الحياة[6].

 

والمعلمة الداعية تسعى جاهدة للارتقاء بطالباتها نحو أفق المبادئ والقيم الإسلامية، وتحاول منع الطالبات من الاستسلام لأحكام وتأثير البيئة التي تعيش فيها، مع الأخذ في الحسبان أنها حين تلقي رسالتها الدعوية للطالبة، فإنها قد لا تتلقاها بالقبول الفوري، بل تمررها على أحوال بيئتها ومجتمعها الذي تعيش فيه، ومن ثم فقد تستجيب وقد تعرض.

 

ومما يوقع الطالبة في أسر التقاليد والعادات، ضعف فهمها للدين، ومحدودية رؤيتها، وعدم فقهها لمقاصده، والغفلة عن تكامله وشموليته، مما يؤدي إلى (لون من التكيف مع الواقع دون القدرة على تكييفه وفق القيم، بسبب الإلف له والقبول به نتيجة التوارث الاجتماعي، ومن ثم الدفاع عنه واعتماده كمقياس للمعايرة... يصبح تقليداً يصعب تغييره، ومن ثم يُعتمد هذا التقليد، أو هذه التقاليد لتصبح قيما ومعايير؛ تحل محل المنهج والقيم والتعاليم، وبدل أن تُقوّم التقاليد بالقيم والتعاليم وتكون التقاليد هي مادة البحث، تصبح هي معايير البحث والتحليل)[7].

 

خامساً: ضعف العلاقة والتواصل بين المدرسة والمؤسسات التربوية في المجتمع وخاصة الأسرة:

كانت المدرسة ولا تزال منبع إشعاع للمجتمع، ومنبرا للتعليم والتثقيف، والمدرسة الناجحة هي التي تقوي حبل الصلة بين مؤسسات المجتمع وبين المدرسة، وحيث إن الأسرة جزء من المجتمع، وأول المؤسسات التربوية المؤثرة في سلوك الطالبة وأهمّها، فإنه لابد من تكامل الجهود وتضافرها بين الأسرة وبين المدرسة في سبيل تربية الطالبات وإصلاحهنّ، فالتعاون بين المدرسة وأسرة الطالبة أمر ضروري تحرص عليه المدرسة بمن فيها من إدارة ومعلمات، كما يجب أن تحرص عليه الأسرة، فكليهما مسؤول عن تنشئة وتربية الطالبة تربية سليمة متكاملة[8].

 

أما ضعف هذه العلاقة أو انقطاعها فهو يعوق الدعوة، ويؤدي إلى الاختلاف في معاملة الطالبة وتوجيهها، وفي حل المشكلات التي تعترضها، كما تؤدي إلى عدم معرفة الأسرة لما تتلقاه الطالبة من معارف وإرشادات، أو ما تقوم به من سلوك حسن أو سيء في المدرسة.

 

ومن أسباب ضعف العلاقة جهل الوالدين بالظروف والواقع الذي يعشنه بناتهنّ، وجهلهم بخصائص النمو لهذه المرحلة العمرية والحاجات السائدة لدى الفتاة في مرحلة المراهقة، كما أن الوالدين يحدثان أثراً سيئًا حين يفشلان في ضرب المثل الطيب والقدوة الحسنة للطالبة، فعدم استقامة الوالدين الدينية والخلقية يجعل الطالبة تقلدهما في الانحراف، حين لا تجد منهما رادعا عند انحرافها.[9]

 

كذلك من أسباب ضعف هذه العلاقة اهتمام الأسرة بالتحصيل العلمي بدرجة كبيرة مع الإهمال أو الرفض للأنشطة الدعوية، وما يترتب عليها من مسؤوليات تتحملها الطالبة، فقد لا تعطي الأسرة الاهتمام المطلوب لتعلم المواد الدينية، وقد لا تمد يد العون للطالبة أو تحفزها للمشاركة في الأنشطة الدينية، بل قد تعتبره مضيعة للوقت وإشغال للطالبة بما لا فائدة منه، وقد أشارت نتائج إحدى الدراسات الميدانية أن المعوّق الثاني من المعوّقات التي تحدّ من وظيفة المدرسة في معالجة مشكلات البث المباشر هو أن (جو الأسرة لا يساعد على تشجيع الطالبات واستفادتهنّ من برامج التوعية التي تقدمها المدرسة)، والمعوّق الثالث هو: (ضعف تجاوب أولياء الأمور يقلل من الجهود التي تبذلها المدرسة في مجال توعية الطالبات)[10].

 

وهذا يؤكد ضرورة الاهتمام بتوعية أولياء أمور الطالبات وأسرهنّ لتحقيق التعاون بينهم وبين المدرسة في جانب تحصين وحماية الطالبات من المؤثرات السيئة حولهنّ، بشكل يؤدي إلى تضافر الجهود وتكاملها وعدم تعارضها، خاصة وأن الأسرة هي التي تملك القدرة على التحكم فيما تتعرض له الطالبات - من بث مباشر وغيره من المؤثرات- ولديها من الوسائل والأساليب ما يمكنها من إرشاد أولادها وتوجيههم توجيها سليما، يساعد على زيادة قدرتهم على التعامل مع المتغيرات التي حولهم بما يعود عليهم بالنفع[11].

 

سادساً: رفيقات السوء:

تتأثر الطالبة في المرحلة الثانوية – بطبيعتها - بمن حولها من الزميلات، خاصة المقرّبات منهنّ، وقد يكون منهنّ من تلبست بالمعاصي، ومن استجابت لوسوسة الشيطان، وقد تتسلل هذه الشبهات إلى قلب الطالبة عن طريق هذه الرفقة فتكون عائقاً لها عن الاستجابة للدعوة، ودافعاً للسير في طريق الغواية تقليدا لها، وتشبهاً بأفعالها، فيتصيدها الشيطان ويهوّن عليها الصدود عن الحق، فليس (لإبليس أصيد ولا أقبح ولا أحمق من كلمتين ألقاها على لسان دعاته، إحداها: اعتذار من أساء بأن فلانا أساء مثله، والثانية: استسهال الإنسان أن يسئ اليوم لأنه قد أساء بالأمس).[12]

 

ومن استجابت لوساوس هذه الرفقة وأعرضت عن سماع الحق والاستجابة له غررت بها وأضلتها، وتحسرّت يوم القيامة ولات حين مندم، ويصدق فيها قول الله تعالى: ? وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ? [الفرقان: 27 - 29] [13]

 

سابعاً: ضعف القدوة في المدرسة:

يُعد أسلوب القدوة من أعظم أساليب الدعوة إصلاحا للطالبات، ومن أعمقها أثرا، وحين تجد الطالبة في معلماتها وزميلاتها القدوة الصالحة؛ فإنها تنطبع على أخلاق الإسلام وآدابه، وتكون الثمرة فتاة صالحة، أما إذا لم تجد أمامها إلا النماذج السيئة فقد تبدأ بمحاكاتهنّ في سوء سلوكهنّ- وإن كن على غير أخلاق الإسلام وآدابه-، سواء علمت بذلك المُقتدى بها أم لم تعلم.

 

والمعلمة لها أكبر نصيب في اقتداء الطالبات بها، لما لها من موقع حساس، ومكانة مهمة، تجعل الطالبات يراقبنها باستمرار، وهذا يؤكد ضرورة وضوح أهداف التعليم والتربية لدى المعلمة، فدعوة الطالبة وتربيتها ترافق تعليمها، وتهذيب أخلاقها يرافق تلقينها المواد العلمية، ووظيفة المعلمة الأساس تقوم على تعليم الطالبات العلم النافع الذي التزمت به في سلوكها وخلقها قبل إلقائه لهنّ، فتفيدهنّ بذلك علماً وعملاً.

 

يتضح مما سبق أن هناك أموراً عديدة تعيق دعوة الطالبات في المرحلة الثانوية، ومعرفة الداعية لهذه المعوّقات أمر ضروري لنجاح الدعوة إلى الله، فتعرّف الداعية على المعوّقات يساعدها على اختيار الوسائل والأساليب المناسبة، كأن تختار من الوسائل ما تعوض به نقص الإمكانات المادية، وكما تختار من الأساليب ما يتناسب مع نفسيات المدعوات وخلفياتهنّ الثقافية، كما أنها تبصرها بمكائد الشيطان ووسائله في الصرف عن الدعوة والتثبيط عن الاستجابة، فلا تسلطه على عقلها ليبثّ فيها الشكوك والأوهام، ولا على قلبها فيزيّن لها الدنيا بزخرفها ومتاعها، أو يلوّث أخلاقها بالأخلاق المنحرفة، كما أن معرفتها لها يزيد من حرصها على إزالتها أو التخفيف من آثارها السيئة على الدعوة، وإلا كانت دعوتها كالذي يبني داره على شفا جرف هار قد ينهار في أي لحظة.

 

إن المتأمل في طبيعة وأحوال دعوة الطالبات في المرحلة الثانوية؛ يجد أن الكثير من المهتمين والمهتمات بالدعوة يريدون الارتقاء والتطور والإنجاز السريع، فهم يريدون التخلص من مشكلات ومعوّقات تراكمت عبر سنين عديدة؛ خلال أشهر قليلة، وإلا فإن الحكم على أي جهد للرفع من شأن الدعوة والارتقاء بها سيقابل بالحكم عليه بأنه غير ناجح، ولا يعني هذا الرضا عن الغفلة عن العنصر الزمني، أو التراخي والتسويف كما يحدث في كثير من الأعمال التي يستغرق إنجازها وقتاً طويلاً.

 

إن ما تحتاجه الدعوة للارتقاء وتحقيق أهدافها ليس حلولاً ارتجالية أو طفرات سريعة، وإنما التزام مستمر ودائم بالارتقاء والتطوير، لأن التغيير والتجديد أمر طبيعي، وهو يجتاح جميع جوانب الحياة، مع أهمية البعد عن المثاليات والخيالات التي ينزع لها الكثير في حقل الدعوة، فالمعوّقات أمام الدعوة لن تزول، وسيكون هناك دائما تقصير في جانبٍ ما، ففي الوقت الذي يظهر فيه أن الحل الكامل لجميع المعوّقات أمر غير ممكن؛ فإن تحسن مستوى الأداء الدعوي، وارتفاع مستوى الوعي لدى الطالبات واهتداؤهنّ للخير أمور مشجعة لبذل المزيد من الجهد في سبيل الدعوة إلى الله[14].




[1] باختصار: مشكلات المراهقة والشباب: د. فيصل الزراد ص 70.

[2] من أسس التربية: د. عمر الشيباني ص 415.

[3] ينظر: المرجع السابق ص 416-417.

[4] سبق في الفصل الثاني ذكر المهام الدعوية الخاصة بالإرشاد الطلابي، ينظر المبحث الأول.

[5] باختصار: التوجيه والإرشاد الطلابي : إبراهيم السويلم ص 52.

[6] ينظر: حول التربية والتعليم:د. عبد الكريم بكار ص 49.

[7] باختصار: من فقه التغيير ملامح من المنهج النبوي: عمر عبيد حسنة ص 37، المكتب الإسلامي، بيروت/ ودمشق/ وعمان، ط:1، 1415هـ/1995م.

[8] ينظر: الإقناع: سالم بن سعيد بن مسفر ص 200.

[9] ينظر: من أسس التربية: د. عمر الشيباني ص 424، ومشكلات المراهقة والشباب: د. فيصل الزراد ص 69-70.

[10] ينظر: البث التلفزيوني المباشر: د. فوزية العرادي ص 300.

[11] ينظر: المرجع السابق ص 319.

[12] الأخلاق والسير في مداواة النفوس: الإمام ابن حزم ص 31.

[13] سورة الفرقان الآيات 27-29.

[14] ينظر: بناء الأجيال: د. عبد الكريم بكار ص 198-199.


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook