التحذير من دعوة المظلوم

الكاتب: المدير -
التحذير من دعوة المظلوم
"التحذير من دعوة المظلوم[1]




الحمد لله رب العالمين، الملك الحق المبين، أحمده سبحانه وتعالى على جليل نِعَمِهِ وعظيم إحسانه في كل وقت وحينٍ، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى الأمين، وعلى آله وصحابته والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:

فإنه من جملة العبادات، وأمهات الطاعات والقربات، دعاء الله عز وجل والتضرع إليه، وفي الحديث: « الدعاء مخ العبادة »[2]، فهو عُدَّةُ المؤمن عند حلول البلاء، وزادُهُ عند نزول الشدائد والضراء، وهو أيضًا سلاحه المتين، ودرعه الحصين، في وجه المعتدين الآثمين؛ قال تعالى: ? وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ? [غافر: 60]، وإنه من الدعوات المستجابات: دعوة المظلوم.

 

فقد وعد سبحانه وتعالى بنصرة المظلوم، ودفع الأذى عن الضعيف المكلوم؛ ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ثلاث لا تُرَدُّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حين يُفطر، ودعوة المظلوم يرفعها فوق الغمام، وتُفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب عز وجل: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين »[3].

 

فمَن حملته نفسه على ظلم ضعيفٍ ليس له ناصرٌ، فليتذكر قدرة الله القوي القاهر؛ وفي الحديث عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، قال: كنت أضرب غلامًا لي، فسمعت من خلفي صوتًا: « اعلم، أبا مسعود، لَلَّهُ أقدر عليك منك عليه، فالتفتُّ فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، هو حرٌّ لوجه الله، فقال: أما لو لم تفعل لَلَفَحَتْكَ النار، أو لمسَّتْكَ النار))[4].

 

فالظلم مُؤذِن بالخراب، وجالب للنقم وسرعة العقاب؛ ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا رضي الله عنه إلى اليمن أرشده إلى ما يعينه، وحذَّره من أمور؛ منها: اجتناب دعوة المظلوم؛ حيث قال له:((إنك تأتي قومًا منأهل الكتابفادْعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله،فإن هم أطاعوا لذلك، فأعْلِمْهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقةً تُؤخذ من أغنيائهم فتُرد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك، فإياك وكرائمَ أموالهم، واتَّقِ دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب))[5]،فحذَّره صلى الله عليه وسلم من دعوة المظلوم، لأنها من الدعوات المستجابة التي تُفتح لها أبواب السماء، وينتصر فيها الحق سبحانه وتعالى للمظلوم ممن آذاه.

 

هذا، وقد وردت في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم نماذجُ كثيرة تبين مدى قدرة الله عز وجل على نصرة المظلوم؛ فقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث عروة بن الزبير، ((أن أروى بنت أويس، ادَّعت على سعيد بن زيد أنه أخذ شيئًا من أرضها، فخاصمته إلى مروان بن الحكم، فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئًا بعد الذي سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا، طوِّقه إلى سبع أرضين، فقال له مروان: لا أسألك بينةً بعد هذا، فقال: اللهم، إن كانت كاذبةً فعمِّ بصرها، واقتلها في أرضها، قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها، ثم بينا هي تمشي في أرضها، إذ وقعت في حفرة فماتت))[6]، فاستجاب الله دعوةَ سعيد بن زيد في المرأة؛ لأنها اعتدت عليه وظلمته بغير وجه حق، وصادف ذلك أيضًا أن سعيد بن زيد كان مستجاب الدعوة، وهو أمر يخص الله به بعض أوليائه الصالحين؛ وصدق من قال:

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرًا
فالظلم آخره يأتيك بالندمِ
تنام عيناك والمظلوم منتصب
يدعو عليك وعين الله لم تنمِ[7]

 

وإنه إذا كان الإحسان إلى الخلق وحسن معاملتهم من الأسباب الموجبة للمحبة بينهم، فإن الاعتداء عليهم وسوء معاملتهم من أسباب فشوِّ وانتشار الكراهية والبغضاء.

 

وقد حذَّر عليه الصلاة والسلام المسلم من سوء معاملة الخلق أو الاعتداء عليهم بغير وجه حق؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم كما ثبت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ((لاتحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا،ولا يَبِعْ بعضكم على بَيْعِ بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقِره، التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقِرَ أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرامٌ: دمه وماله وعرضه))[8].




[1] المرشد: الدخلاوي علال.

[2] سنن الترمذي، باب ما جاء في فضل الدعاء.

[3] سنن الترمذي، باب ما جاء في صفة الجنة ونعيمها.

[4] صحيح مسلم، باب صحبة المماليك، وكفارة من لطم عبده.

[5] صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام.

[6]صحيح مسلم - باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها.

[7] التبصرة لابن الجوزي، ص: 92.

[8] صحيح مسلم- كتاب البر والصلة والآداب -باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله.


"
شارك المقالة:
8 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook