التدين المعوج

الكاتب: المدير -
التدين المعوج
"التدين المعوج




رأيت كثيرًا من المتدينين لهم تصرفات وأفعال يظلمون بها أنفسَهم، وخاصة في العلاقات الاجتماعية، وهذا ناتجٌ عن خاطئِ ظنِّهم بأن التدين إنما هو فيما بين العبد وربه فقط، أما عن شخصيتهم وعلاقاتهم، فليس للتدين علاقةٌ بذلك، بل هو عائد لحريتهم الشخصية، وهذا أمر مغلوط بالطبع (فقد ذُكرت لي قصة من أحد علماء دمشق بأنه يعرف أخوين تجاوَز عمر الواحد منهم الخمسين عامًا، وكلاهما من الملتزمين، ولكنهم لا يكلِّم بعضهم بعضًا لمدة تجاوزت خمس السنوات، لماذا يا ترى؟ لمشكلة صغيرة عائلية حدثت بينهما، وإن صلَّى أحدهم إمامًا بالناس، لم يصلِّ الآخر خلفه!).

 

ولكي تتضح الفكرة نقول:

إن ديننا الحنيف أعطانا من الشرائع والآداب والأحكام ما يشمل حياة المسلم بكل تفاصيلها ونواحيها، فلا يجب أن يطغى جانبٌ على آخر، ولا يصح أن يهمل أمر بسبب أمر آخر، بل على المسلم أن يسعى جاهدًا لصقل شخصيته بتعاليم الدين مهما أمكن وقدر استطاعته وغاية جهده، ولكن كثيرًا ما يسيطر على أفعال المرء صفاتُه الشخصية؛ (فمثلًا لو كان منعزلًا، لاختار مِن الأدلة ما يُؤيِّد فكرته، ولو كان بخيلًا، لبحث عن الأدلة التي تدعم صفته، وإن كان قليل التعبد حسَن الخلق، لأتى بدليل على أن حُسن الخلق يرفعه يوم القيامة، وهكذا).

 

فما هو إذًا التدين الحق الذي يطالبنا به ربُّنا تعالى؟

إن التدين الحق هو الاتباع لشرع الله تعالى في كل لمحة من حياتنا، قال تعالى: ? قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ? [الأنعام: 162]، وكلنا نرى ونسمع عن أشخاص طبعُهم الإهمال أو التشدد أو غير ذلك، فينعكس طبيعة شخصيته على تدينه، فيصبح يفسر أفعاله وتصرفاته، ويجد لها الدليل من الشرع بأنه على صواب، ويتضح ذلك جليًّا عندما يخالف الشرعُ هوى نفسه، تجده عندها يبحث عن المبررات لتصرُّفاته، كما قال أحد العلماء: (إن الهوى إذا تمكَّن في القلب، أصدر علمًا يوافقه)؛ لذلك فإن المؤمن الحق هو من كان الدين حكَمًا على تصرفاته وأفعاله، فلا إفراط ولا تفريط.

 

وأضرب بعض الأمثلة لأشخاص حكَّموا الشرع على أنفسهم، بل زادوا على ذلك بأن غيَّروا من طبائعهم وصفاتهم الشخصية وفقًا لشرع الله؛ وذلك لصدق تدينِهم مع الله.

 

أولًا: أبو بكر الصديق رضي الله عنه، كان رقيقًا رحيمًا لطيفًا، يميل إلى التسامح والعطف، ولكنه عندما تولى الخلافة وحدَثت الرِّدة من بعض الأعراب، كان أقوى الصحابة شكيمة، وأشجعهم موقفًا، وأحدَّهم رأيًا، حتى فاق الفاروق نفسه في ذلك الموقفِ العظيم.

 

هنا نجد أن الشرع هو الحاكم على شخصيته؛ لأن الأمر يتعلق بالدين لا بحقوق نفسه، فهو بحقوق نفسه أشد الناس تسامحًا، (فقد سامح ابن خالته مِسطحًا، وأجرى له النفقة، بعدما تكلَّم فيمن تكلَّم بحادثة الإفك)، لكنه أسد هزبر لا يتوانى عندما يتعلق الأمر بشرع الله تعالى، (فقد أجاب سهيل بن عمرو جوابًا لاذعًا في صلح الحديبية؛ لأنه أساء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللصحابة رضوان الله عليهم).

 

ثانيًا: عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، كان شديدًا قاسيًا مهابًا في قومه من شدته، (فقد ضرب أخته ضربة حتى أوقعت قرطها من أذنها، وأسال لها الدم على وجهها، قبل إسلامه)، وكان يميل إلى الصلابة والحزم أكثر من ميله إلى التسامح، (فقد كان رأيه ضرب أعناق كفار مكة بعد غزوة بدر)، ونجد ذلك واضحًا في آرائه وسيرة حياته، ولكنه عندما تولى الخلافة على المسلمين وخطب خطبته الأولى، فقال: (بلغني أن الناس خافوا شدتي وهابوا غلظتي، وقالوا: لقد اشتدَّ عمرورسولُ الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، واشتد علينا وأبوبكر والينا دونه، فكيف وقد صارت الأمور إليه؟! ألَا فاعلموا - أيها الناس - أن هذه الشدة قد أُضعفت - أي: تضاعفت - ولكنها إنما تكون على أهل الظلموالتعدي على المسلمين، أما أهل السلامة والدين والقصد، فأنا ألين إليهم منبعضهم لبعض)، وكان يمشي بالليل عندما كان خليفة للمسلمين يتفقد أحوال رعيته، وكان يقول: إني أخاف من الشاة على شاطئ دجلة إذا وقعت أن يسألني الله عنها: لمَ لم تعبِّد لها الطريق؟!

 

ثالثًا: جرى بين الحسين بن علي بن أبي طالب وبين أخيه محمد بن الحنفية رضي الله عنهما كلامٌ، فانصرَفا متغاضبين، فلما وصل محمد إلى منزله، أخذ رقعة وكتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن علي بن أبي طالب إلى أخيه الحسين بن علي بن أبي طالب، أما بعد، فإن لك شرفًا لا أبلغه، وفضلًا لا أدركه، فإذا قرأت رقعتي هذه، فالبس رداءك ونعليك وسِرْ إليَّ فترضيني، وإياك أن أكون سابقك إلى الفضل الذي أنت أَولى به مني، والسلام.

 

فلما قرأ الحسين رضي الله عنه الرقعة، لبس رداءه ونعليه، ثم جاء إلى أخيه محمد فترضاه، وهذا الفهم مستمَدٌّ من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيُعرِض هذا ويعرض هذا، وخيرُهما الذي يَبدأ بالسلام))[1].

 

وهنا أدلي بنصائحي:

أولًا: على الإنسان أن يبحث عن رأي الشرع فيما يعرض له من مواقف وأحداث، بعيدًا عن هوى نفسه، ثم يُلزم نفسه بالشرع.

 

ثانيًا: التفريق بين الحقوق الشخصية وحقوق الآخرين؛ ففي الحقوق الشخصية يكون فيها المرء مخيَّرًا وفي الأمر سَعة، أما إذا تعلق الأمر بحقوق الناس والآخرين، فعلينا باتباع الشرع في هذا الأمر بعيدًا عن أهوائنا؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: ((إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها))، قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا؟ قال: ((تؤدُّون الحق الذي عليكم، وتَسألون الله الذي لكم))[2].

 

وأضرب لذلك أمثلة:

أولًا: صلة الرحم: على الإنسان أن يقوم بواجبه تجاه رحمه، وإن قصرت رحمُه في حقه؛ فقد ورد في الحديث أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم يشتكي له رحِمَه أنه يصلهم ويقطعونه، ويُحسن إليهم ويسيئون له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((كأنما تُسِفُّهم المَلَّ))[3]، ويقال مثل ذلك لحقوق الصحبة والجار وحقوق المسلم، وقد قيل في الحكمة عندما سئل رجل أنه يسلِّم على جاره يوميًّا وجاره لا يرد عليه السلام، فقال: (أأعلِّمه الأدب، أم أتعلَّم منه سوء الأدب؟!).

 

ثانيًا: إذا كان تقصير أي صاحب حق عليك أيها المسلم في جانب الله تعالى، أو واجب دينه، فهنا عليك بالنصيحة والمعاملة بالحسنى، وإن لم ينتصح فهنا تجب مقاطعته لأجل الله تعالى، وهنا يبرز مفهوم الحب في الله والبُغض في الله.

 

[1] رواه البخاري.
[2] متفق عليه.
[3] رواه مسلم.

"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook