التراث الثقافي في منطقة الباحة في المملكة العربية السعودية

الكاتب: ولاء الحمود -
التراث الثقافي في منطقة الباحة في المملكة العربية السعودية

التراث الثقافي في منطقة الباحة في المملكة العربية السعودية.

 
تعد الآثار التاريخية والعمرانية الريفية والصناعات الحرفية التراثية من أهم عوامل الجذب السياحي؛ لما تعكسه من دلالات صادقة على شخصية الأمم والحضارات؛ لأن العمران الحضري والصناعات الحديثة أصبحت تتشابه بدرجة كبيرة في كل أنحاء العالم، ولا سيما أنها تتبع في معظمها النمط الغربي. وصارت الدول تهتم بالتعريف بآثارها وتراثها العمراني وصناعاتها التراثية، واستغلال كل ذلك في تنمية السياحة.
 
والمملكة من أكثر الدول اهتمامًا بهذا التراث والإرث الزاخر الذي تتمتع به مناطقها المختلفة، ويمثل مهرجان الجنادرية السنوي أكبر تظاهرة احتفالية بهذا الإرث والتراث العظيم، إذ تعرض فيه نماذج تراثية ثقافية من مختلف مناطق المملكة. وتعد منطقة الباحة من أغنى مناطق المملكة في هذا المجال.
 
أ - الآثار والمواقع الأثرية التاريخية:  
 
تزخر منطقة الباحة بالكثير من الآثار والأمكنة الأثرية التي خلفها تاريخها العريق منذ وصول سكانها (الأزد) إلى المنطقة من دولة مأرب باليمن، وقد صنعوا لأنفسهم ومنطقتهم مكانة اشتهروا بها في الجاهلية والإسلام. ومن أهم المعالم الأثرية التاريخية ما يأتي:  
 
1 - آثار طريق الفيل: 
 
يعد من أهم المواقع الأثرية بمنطقة الباحة. وكان في الأصل طريقًا يربط صنعاء وصعدة باليمن ونجران وجرش وبيشة ثم بالطائف فمكة مرورًا بالباحة، وكان مستخدمًا قبل الإسلام، ويذكر أن أبرهة الحبشي (الأشرم) خرج من اليمن في عام الفيل 571م سالكًا هذا الطريق قاصدًا مكة لهدم الكعبة المشرفة، وقيل: سبقه أيضًا تبان الملك الحميري الذي وصل عبره إلى المدينتين المقدستين، مكة المكرمة والمدينة المنورة. كما كان هذا الطريق أحد طرق رحلتي الشتاء والصيف المشهورتين، وما يدلل على أهمية هذا الطريق قديمًا آثار الصيانة والإصلاحات القديمة عليه؛ حيث تم رصف أجزاء كبيرة منه بالحجارة ورصف الأودية التي تقطعه. ويقع جزء من هذا الطريق المار بمنطقة الباحة في الجهة الشرقية من المنطقة على بُعد 35كم عن مدينة الباحة. ويراوح عرض الطريق بين 2.4م و 5م. وتتضح معالمه في مناطق الحرات ذات الصخور البركانية، وتختفي في الأجزاء الصحراوية، ويلاحظ وجود عتبات تقطع الطريق بالعرض في مناطق الأودية، لتصريف مياه السيول، وتوجد على جانبي الطريق آثار للمحطات والاستراحات التي كان يتوقف فيها المسافرون على الطريق للمبيت أو الراحة، وذلك في شكل ركامات حجرية متفاوتة في المساحة والشكل.
 
2 - القرى الأثرية:
 
تشتهر الباحة بوجود كثير من القرى الأثرية في بيئاتها الجغرافية الثلاث، ومن أشهرها:
 
أ) قرية ذي عين: 
 
قرية من قرى قبيلة بني عمرو الأشاعيب بتهامة زهران، تقع إلى الجنوب الغربي من مدينة الباحة على مسافة 24كم، وإلى الشرق من وادي راش الواقع إلى الشمال الشرقي من مدينة المخواة. وهي قرية فريدة لا يكاد يوجد لها مثيل في المملكة كلها. وتقع فوق ربوة عالية من صخور المرو البيضاء تبدو روعتها شاخصة للعيان وكأنها تدعو السائح إلى زيارتها. كما أن صخور المرو البيضاء تجعلها تبدو كأنها على قمة جبل جليدي، وقد استخدمت حجارة الرخام في بناء مساكنها بحيث ترص الحجارة بعضها فوق بعض دون أسمنت، ولها أبواب قصيرة ونوافذ ضيقة، وهي عالية الارتفاع، لا تسمح بدخول غير المرغوب فيهم. وتحيط الجبال العالية بالقرية الأثرية من الجهات الشمالية، والجنوبية، والشرقية. أما من الجهة الغربية فتجاورها مزارع الموز التهامي المشهور بصغر حجمه، وحلاوة طعمه، وأشجار النخيل، ونبات الكادي. كما توجد عين الماء التي سميت بها القرية، ولما كانت منطقة تهامة عامة منطقة سياحة شتوية، بسبب اعتدال الشتاء بها، فقد أصبحت قرية ذي عين من أشهر المشاتي بالباحة، لرغبة السياح في زيارة هذه القرية الجميلة ومشاهدة معالمها البارزة.
 
ب) قرية عشم: 
 
تقع شمال شرقي مدينة ناوان بالقرب من الحدود الجنوبية الغربية للمنطقة على بعد 4كم منها. أما الآثار فتوجد في مساحة طولها كيلومتر واحد وعرضها نصف كيلومتر، وتوجد بالقرب منها مقابر قديمة. وتقع القرية الأثرية عند نهاية التلال الجبلية وملاقاتها السهول الساحلية، فيما يقع بالقرب منها أيضًا منجم عشم الذي كان مشهورًا بجودة ذهبه، ويعتقد أن قيام القرية في ذلك المكان كان بسببه.
 
ج) قرية الخلف:
 
تقع شمال مدينة قلوة بسهل تهامة على بعد 5كم منها، وتضم بقايا مساكن قديمة ومسجدًا  ومقابر، ويوجد بالمنطقة أيضًا عدد من القرى الأثرية الأخرى مثل: قرى مسعودة، والنصايب، والأحسبة.
 
3 - الحصون والقصبات الدفاعية:
 
كما هو معروف في شبه الجزيرة العربية خصوصًا أن كل قبيلة أو قرية في الماضي كانت مسؤولة - إلى حدٍ كبير - عن أمنها الشخصي، ما انعكس على توزيع القرى وأشكال المباني وتصميمها العمراني، وقد كان ذلك سائدًا بمنطقة الباحة حتى قيام المملكة التي بسطت الأمن والنظام وهيبة الدولة على كل أطراف البلاد المترامية. وتحفل المنطقة بعدد من الآثار لحصون وقلاع وقصبات متنوعة أهمها:  
 
أ) حصن الكامل:
 
يقع في قريتي الطرف وراسيا، وهو من أجمل ما بُني من الحصون في المنطقة.
 
ب) حصن الأخوين:
 
ويقع على بُعد 5كم من قرية الملد.
 
ج) حصن السليمان: 
 
يقع في قرية العطاشية على بُعد 5كم من بلجرشي.
 
د) حصن الزيدان:
 
يقع على مسافة 4كم من قرية الغانم.
 
هـ) حصن قشوف: 
 
يقع في بلشهم على بُعد 7كم من قرية الفرح.
 
بالإضافة إلى ذلك يوجد في المنطقة أكثر من 500 حصن أخرى في مختلف نواحيها وقراها تمثل ظاهرة سياحية وتاريخية مثيرة للاهتمام، وتدل على الاضطراب الأمني في الماضي، حيث كانت تُبنى لحماية القرى والأودية الزراعية، وكانت الحصون - عادة - تُبنى في مواقع دفاعية فوق قمم الجبال أو على حدود القرى بحيث تشرف على الأمكنة المراد حمايتها، وفي المواقع الجبلية كانت الحصون تُبنى من الحجارة الكبيرة ذات الشكل المستطيل، ويأخذ بعض الحصون شكلاً قريبًا من الشكل الهرمي أو يتسع في القاعدة ويضيق في الأعلى؛ ليقل ضغط البناء على القاعدة ويعمر المبنى، ويزين الحصن في أعلاه ببرواز من الحجارة المستطيلة يُعرف باسم (الدق)، ويُبنى فوقه جدار بارتفاع يراوح بين متر إلى متر ونصف ويسمى الجون، وتزينه حجارة المرو الأبيض المتوافر بالمنطقة، متخذة حزامًا من الأعلى أو شكل مثلثات. ويوجد لكل حصن باب خشبي صغير في أسفله وعدد من الفتحات الضيقة على ارتفاع مترين إلى خمسة أمتار؛ حيث تجعل الدخول إلى الحصن صعبًا بغير إذن، كما تستخدم للمراقبة الخارجية لجهات الحصن جميعًا، كما توجد قصبات على القمم الجبلية والأمكنة المرتفعة بوصفها نقاط مراقبة أمامية.
 
4 - النقوش والرسومات الأثرية:
 
توجد النقوش الأثرية موزعة في عدد من الأمكنة بمنطقة الباحة مثل: النقوش والرسومات المحفورة على صخور جبال أقهب، غيب، تملا، الرحى، وصخور هضبة أبي الحصين.
 
ب - العمران الريفي:
 
إن محاولة سكان المنطقة قديمًا البحث عن مواقع اقتصادية ودفاعية للمستوطنات البشرية، أثرت في العمران الريفي بالمنطقة من حيث التوزيع وأشكال القرى وتصميم المباني، كما أسهمت البيئة المحلية في اختيار مواد البناء المستخدمة. وعلى الرغم من النهضة التنموية الهائلة التي شهدتها المملكة، وانتشار المدن والعمران الحديث، إلا أن كثيرًا من العمران القديم صمد وتكيف مع المقتضيات العصرية. ويسود الباحة نمطان لتوزيع السكان والعمران: مرتفعات السراة  وهو الأكثر سكانًا وعمرانًا، ونمط سهل تهامة والهضبة الشرقية وهو الأقل حظًا من السكان والعمران والأكبر نصيبًا من نمط حياة البادية، وتضم المنطقة عددًا كبيرًا من القرى موزعة على 38 مركزًا و 7 مدن ومحافظات، وترتبط غالبية هذه القرى بعضها ببعض، وبالمراكز والمدن الأخرى في المنطقة بطرق مسفلتة أو ترابية.
 
يشكل العمران الريفي لأكثر من 1250 قرية   وبلدة تضمها المنطقة، عامل جذب سياحي في حد ذاته من حيث مواقع هذه القرى والبلدات على الطرق الجبلية المتعرجة شديدة الانحدار، ووسط الغابات والتلال الجبلية، وعلى ضفاف الأودية وفي السهول؛ ومن حيث أشكال المباني وتصميماتها العمرانية المتميزة وترافق القديم والحديث، فترسم لوحة تشكيلية جميلة تجذب كثيرًا من محبي المناظر الجميلة وحضارة الريف. وكانت مواد البناء تتمثل في الحجر والأخشاب المتوافرة بالمنطقة، وقد تحولت حاليًا إلى الأسمنت، والحديد، ومواد البناء، والتصميم العمراني الحديث، وبخاصة في المدن، كما قَلَّت أهمية الوظيفة الدفاعية في تصميم القرى والمساكن؛ بسبب توافر الأمن والأمان، ولذا فإن ملاحظة هذا التغير بسبب وجود المباني القديمة والحديثة معًا مثل متحف حي للتاريخ يمثل عامل جذب سياحي مهمًّا.
 
شارك المقالة:
682 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook