التنافس في الخيرات (خطبة)

الكاتب: المدير -
التنافس في الخيرات (خطبة)
"التنافس في الخيرات

 

عناصر الموضوع:

1- الأمر بالتنافس والحضِّ عليه.

2- حرص النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته على التنافس في الطاعة.

3- تحذيرُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم من الانغماسِ في الدنيا، وتركِ الطاعات.

 

الموضوع:

أولًا: الأمر بالتنافس والحضِّ عليه:

1- الأمر بالتسابق:

قال تعالى: ? وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ? [البقرة: 148].

 

ويقول جلَّ شأنه: ? وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ? [آل عمران: 133]، ويقول جلَّ ذكره: ? سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ? [الحديد: 21]، وقال: ? وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ? [المطففين: 26]، وقال: ? وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ? [الواقعة: 10 - 12]؛ قال ابن القيم رحمه الله: السابقون في الدنيا إلى الخيرات هم السابقون يومَ القيامةِ إلى الجَنَّات.

 

قال تعالى: ? إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ? [المؤمنون: 57 - 61].

 

ومدح أنبياءه بهذه الصفة الحميدةِ فقال: ? إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ? [الأنبياء: 90].

 

وقال تعالى: ? فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْ?رِ اللَّهِ ? [الجمعة: 9]، وفي سورةِ المائدة جاء قولُ اللهِ تعالى: ? وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ? [المائدة: 48]، قال موسى عليه السلام: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 84].

 

قال تعالى: ? فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِ?ينٌ ? [الذاريات: 50]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يُصبِح الرجل مؤمنًا، ويُمسي كافرًا، ويُمسي مؤمنًا، ويصبح كافرًا؛ يبيعُ دينَه بعَرَض من الدنيا))؛ مسلم.

 

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخُّرًا فقال: ((تقدموا فأْتمُّوا بي، وليَأتمَّ بكم مَن بعدَكم، ولا يزال قومٌ يتأخَّرون حتى يُؤخِّرهم الله عز وجل))؛ رواه النسائي، وابن ماجه، وأبو داود.

 

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تنافسَ بينكم إلا في اثنتين: رجل أعطاه الله عز وجل القرآن، فهو يقومُ به الليلَ والنهار، فيتتبَّع ما فيه، فيقولُ الرجل: لو أعطاني اللهُ مثل ما أعطى فلانًا، فأقوم به مثلَ ما يقوم به فلان، ورجل أعطاه الله مالًا ينفُق ويتصدَّق، فيقول رجل مثل ذلك))؛ صحيح الترغيب والترهيب.

 

وقال صلى الله عليه وسلم: ((مَن قام بعشر آيات لم يُكتَبْ من الغافلين، ومَن قام بمائة آية كُتب من القانتين، ومَن قام بألف آية كُتب من المقنطرين))؛ السلسلة الصحيحة.

 

2- المنافسة على الصف الأول:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العَتَمة والصبح لأتوهما ولو حَبْوًا))؛ مسلم.

 

3- اغتَنِمِ الفرصَ:

قال صلى الله عليه وسلم: ((يدخلُ من أمتي الجنةَ سبعون ألفًا بغير حساب))، فقال رجل: يا رسول الله، ادعُ اللهَ أن يجعلني منهم، قال: ((اللهم اجعَلْه منهم))، ثم قام آخر فقال: يا رسول الله، ادعُ اللهَ أن يجعلَني منهم، قال: ((سبَقَك بهم عُكَّاشة))؛ مسلم.

 

عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: عَرَض رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفًا يومَ أُحُدٍ، فقال: ((مَن يأخذُ هذا السيفَ بحقِّه؟)) فقمتُ، فقلتُ: أنا يا رسول الله، فأعرضَ عني، ثم قال: ((من يأخذُ هذا السيف بحقِّه؟))، فقلت: أنا يا رسول الله، فأعرض عني، ثم قال: ((مَن يأخذُ هذا السيفَ بحقِّه؟)) فقام أبو دُجانة سِمَاك بنُ خَرَشَةَ، فقال: أنا آخذُه يا رسول الله بحقِّه، فما حقُّه؟ قال: ((ألَّا تَقْتُلَ به مسلمًا، ولا تفرَّ به عن كافر)) قال: فدفعه إليه، وكان إذا أراد القتالَ أعَلَم بعِصابة، قال: قلتُ: لأنظرَنَّ إليه اليومَ كيفَ يَصنَعُ، قال: فجعَل لا يرتفع له شيءٌ إلا هتَكَه وأفْراه، حتى انتهى إلى نسوةٍ في سَفْح الجبل معهن دفوفٌ لهن، فيهن امرأةٌ وهي تقول:

نحن بناتُ طارِقْ
نمشي على النَّمارِقْ
إن تُقْبِلوا نُعانِقْ
ونبسطُ النَّمارِقْ
أو تُدبِروا نُفارِقْ
فراقَ غير وَامِقْ

 

قال: فأهوى بالسيف إلى امرأة؛ ليضربَها، ثم كفَّ عنها، فلما انكشَفَ له القتالُ، قلت له: كلَّ عملِك قد رأيتُ ما خلا رفعَك السيفَ على المرأة لم تضرِبْها، قال: (إني والله أكرمتُ سيفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقتلَ به امرأة)؛ صحيح الإسناد، ولم يُخرِّجاه، تعليق الذهبي في التلخيص: صحيح.

 

4- سرعةُ إخراج الصدقات على الأقل عن النفس:

وعن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((على كل مسلم صدقة)) فقالوا: يا نبيَّ الله، فمن لم يَجِدْ؟ قال: ((يعملُ بيدِه فينفعُ نفسَه، ويتصدَّق)) قالوا: فإن لم يَجِدْ؟ قال: ((يُعينُ ذا الحاجة المَلْهُوفَ)) قالوا: فإن لم يَجِدْ؟ قال: ((فلْيَعملْ بالمعروف، وليُمْسِكْ عن الشرِّ فإنها له صدقة))؛ البخاري ح: 1445، مسلم ح: 1008.

 

وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((كلُّ سلامى عليه صدقةٌ، كل يومٍ يعين الرجل في دابَّته، يُحامِلُه عليها، أو يرفعُ عليها متاعَه - صدقةٌ، والكلمة الطيبة، وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة، ودَلُّ الطريقِ صدقة))؛ البخاري ح: 2891، مسلم ح: 1009.

 

عن أبي ذرٍّ قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الأعمال أفضلُ؟ قال:((الإيمانُ بالله، والجهاد في سبيله)) قال: قلتُ: أيُّ الرقاب أفضل؟ قال: ((أَنْفسُها عند أهلها، وأكثرُها ثمنًا)) قال: قلتُ: فإن لم أفعَلْ؟ قال: ((تُعينُ صانعًا، أو تَصنَعُ لأخرقَ)) قال: قلت: يا رسولَ الله، أرأيت إن ضَعُفْتُ عن بعض العمل؟ قال: ((تكفُّ شرَّك عن الناس؛ فإنها صدقةٌ منك على نفسك)) ؛ البخاري، ح: 2518، مسلم ح: 84.

 

عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من مسلمٍ يَغرِسُ غرسًا إلا كان ما أُكِل منه له صدقةً، وما سُرِق منه له صدقةً، وما أكَل السَّبُع منه فهو له صدقة، وما أكلت الطيرُ فهو له صدقة، ولا يَرْزُؤه أحدٌ إلا كان له صدقة))؛ مسلم.

 

عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((كلُّ معروفٍ صدقةٌ))؛ البخاري ح: 6021، مسلم ح: 1005.

 

عن سعدِ بنِ عُبادةَ أن أمَّه ماتت، فقال: (يا رسول الله، إن أمي ماتت، أفأتصدَّقُ عنها؟ قال: ((نعم)) قال: فأيُّ الصدقة أفضل؟ قال: ((سَقْيُ الماء)) فتلك سقاية سعد بالمدينة)؛ النسائي ح: 3666، أحمد ح: 23333.

 

عن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يا نساءَ المسلمات، لا تحقرَنَّ جارةٌ لجارتِها، ولو فِرْسَنَ شاةٍ))؛ البخاري ح: 2566، مسلم ح: 1030.

 

5- أحبُّ الأعمال إلى الله نفعُ الناس:

عن ابن عمر أن رجلًا جاء إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أيُّ الناسِ أحبُّ إلى الله؟ وأيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أحبُّ الناس إلى الله عز وجل أنفعُهم للناس، وأحبُّ الأعمال إلى الله سرورٌ تُدخِلُه على مسلم، أو تكشفُ عنه كربةً، أو تقضي عنه دينًا أو تطردُ عنه جوعًا، ولَئِن أمشي مع أخٍ لي في حاجة أحبُّ إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد شهرًا (في مسجد المدينة)، ومن كفَّ غضبَه ستر الله عورتَه، ومن كظم غضبَه ولو شاء أن يمضيَه أمضاه، ملأ الله قلبه رخاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيَّأ له، ثبَّت الله قدمه يوم تزولُ الأقدام))؛ رواه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج، وحسَّن الألباني إسنادَه في السلسلة الصحيحة ح: 906.

 

عن أبي هريرة أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يمنعُ أحدُكم جارَه أن يغرز خشبةً في جداره))، قال أبو هريرة: (ما لي أراكم عنها مُعْرضين، والله لأرمينَّ بها بين أكتافكم)؛ مسلم ح: 1609، البخاري ح: 2463.

 

قال صلى الله عليه وسلم: ((إن اللهَ وملائكته وأهلَ السموات والأرَضين، حتى النملة في جُحْرها، وحتى الحوت - ليُصلُّون على معلم الناس الخير))؛ رواه الترمذي، قال الشيخ الألباني: ( صحيح )؛ انظر: حديث رقم: 1838 في صحيح الجامع.

 

عن أبي موسى رضي الله عنه قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه السائل، أو طُلِبت إليه حاجة قال: ((اشفعوا تُؤجروا، ويقضي اللهُ على لسان نبيِّه صلى الله عليه وسلم ما شاء))؛ البخاري ح: 1432، مسلم ح: 2627.

 

عن معاوية بن أبي سفيان أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الرجلَ لَيسألُني الشيءَ، فأمنعُه حتى تشفعوا فيه فتؤجروا))، وإن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اشفعوا تؤجروا))؛ النسائي ح: 2557، أبو داود ح: 5132؛ السلسلة الصحيحة.

 

6- تبسُّمك في وجه أخيك صدقة:

عن جابرِ بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كلُّ معروفٍ صدقةٌ، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجهٍ طَلْق، وأن تُفرِغَ من دَلْوِك في إناء أخيك))؛ الترمذي ح: 1970، قال: هذا حديثٌ حسن صحيح.

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تحقرَنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تُفرِغَ من دَلْوِك في إناء المُستسقي، ولو أن تُكلِّم أخاك ووجهُك إليه مُنْبسِطٌ، وإياك وتسبيلَ الإزار؛ فإنه من الخيلاء، والخيلاءُ لا يُحبُّها الله عز وجل، وإن امرُؤٌ سبَّك بما يعلم فيك، فلا تسبَّه بما تعلمُ فيه؛ فإن أجرَه لك ووبالَه على من قاله))؛ صحيح، وفي رواية أخرى نحوه وزاد في آخره: ((ولا تسبَنَّ أحدًا)) فما سَبَبْتُ بعده أحدًا ولا شاة ولا بعيرًا)؛ السلسلة الصحيحة.

 

7- أهل القرآن في الجنة درجات بمقدار ما يقرؤون ويرتِّلون:

يُقال لصاحب القرآن: ((اقرَأْ، وارتقِ ورتِّل؛ كما كنتَ تُرتِّل في الدنيا؛ فإن منزلتَك عند آخر آية تقرأُ بها))؛ السلسلة الصحيحة.

 

8- غرف الجنة:

في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أهلَ الجنةِ يَتراءَون أهلَ الغُرف من فوقهم كما يتراءَون الكوكبَ الدريَّ الغابرَ في الأُفُق من المشرق أو المغرب؛ لتفاضل ما بينهم)) قالوا: يا رسول الله، تلك منازلُ الأنبياء لا يبلغُها غيرهم؟ قال: ((بلى، والذي نفسي بيده، رجالٌ آمنوا بالله وصدَّقوا المرسلين)).

 

9- التُّؤَدةُ في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة:

قال صلى الله عليه وسلم: ((التُّؤَدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة))؛ أبو داود، والحاكم، وصحَّحه الألباني في الصحيحة.

 

? وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ? [المزمل: 20].

يقولُ الحسنُ رحمه الله: واللهِ لقد أدركتُ أقوامًا كانت الدنيا أهونَ عليهم من التراب الذي تمشون عليه، ما يُبالون أشرقَتِ الدنيا أم غربت، ذهبَتْ إلى ذا، أو ذهبَتْ إلى ذا!)) وقال أيضًا: مَن نافسَك في دينِك، فنافِسْه، ومن نافسَك في دنياك، فألقِها في نحره.

 

10- فعل الخير حتى عند قيام الساعة:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنْ قامت الساعة وفي يدِ أحدِكم فَسِيلةٌ، فإن استطاع ألَّا تقومَ حتى يغرسَها؛ فليَفْعَلْ))؛ رواه أحمد، السلسلة الصحيحة.

 

ثانيًا: حرص النبي صلى الله عليه وسلم وصحابتِه على التنافس في الطاعة:

1- ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مثالًا أعلى في المسارعة إلى الخير؛ فعن أبي سروعةَ عقبةَ بنِ الحارث رضى الله عنه قال: صلَّيْتُ وراءَ النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة صلاةَ العصرِ، فسلَّم ثم قام مُسرعًا، فتخطَّى رقابَ الناس إلى بعض حُجَر نسائِه، ففَزِع الناسُ من سرعتِه، فخرج إليهم، فرأى أنهم قد عَجِبوا من سرعته، قال: ((ذكرتُ شيئًا من تِبْرٍ (الذهب المكسور) عندنا؛ فكرهت أن يَحبِسَني، فأمرت بقِسْمته))؛ البخاري.

 

2- بلال يَسبِقُ إلى الجنة بوضوئه وصلاته؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لبلالٍ عند صلاة الفجر: ((يا بلالُ، حدِّثْني بأرجى عملٍ عِملْتَه في الإسلام؛ فإني سمعتُ دَفَّ نعليك بين يدي في الجنة؟!)) قال: (ما عِمْلتُ عملًا أرجى عندي أني لم أتطهَّرْ طُهورًا في ساعة ليلِ أو نهار، إلا صلَّيْتُ بذلك الطُّهور ما كُتب لي أن أصلِّيَ)؛ البخاري.

قال ابن القيم: وأمَّا تَقدُّمُ بلالٍ بين يدَيِ رسولِ الله في الجنة؛ فلأن بلالًا كان يدعو بالأذان، فيتقدم أذانُه بين يدي رسولِ الله، فتقدم دخوله؛ كالحاجب والخادم.

 

3- أبو بكر رضي الله عنه:

أ- الرجل الذي ما وجد طريقًا علم أن فيها خيرًا وأجرًا إلا سلكها، ومشى فيها، فحينما وجه النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه بعضَ الأسئلة عن أفعال الخير اليوميَّة، كان أبو بكر الصديق هو المجيبَ، قال صلى الله عليه وسلم: ((مَن أصبح منكم اليوم صائمًا؟))، قال أبو بكر: أنا، قال: ((فمَن تَبِع منكم اليوم جنازةً؟))، قال أبو بكر: أنا، قال: ((فمَن أطعَمَ منكم اليوم مسكينًا؟))، قال أبو بكر: أنا، قال: ((فمَن عاد منكم اليوم مريضًا؟))، قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما اجتمَعْنَ في امرِئٍ إلا دخل الجنة))؛ أخرجه مسلم.

 

ب- كما كان أبو بكر رضي الله عنه له السَّبْق عندما طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من صحابته أن يتصدَّقوا:

يقول عمر: (ووافَقَ ذلك عندي مالًا، فقلت: اليومَ أَسْبِقُ أبا بكر، فجِئْتُه بنصف مالي، فقال رسول صلى الله عليه وسلم: ((ما أبقيتَ لأهلك؟)) قلتُ: مثلَه، وأتى أبو بكر بكلِّ ما عنده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا بكر، ما أبقيتَ لأهلك؟)) فقال: أبقيتُ لهم اللهَ ورسولَه، عندئذ قال عمر: لا أسبقُه إلى شيء أبدًا)؛ رواه الترمذي، تحقيق الألباني: حسن؛ المشكاة: (6021).

 

ج- ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: مرَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه وأبو بكر على عبدالله بنِ مسعود وهو يَقرأُ، فقام فَسِمع قراءته، ثم ركع عبدُالله وسجد، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سَلْ تُعطَه))، قال: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ((من سرَّه أن يقرأ القرآنَ غضًّا كما أُنزِلَ، فليقَرَأْه من ابنِ أمِّ عَبدٍ))، قال: فأَدْلجْتُ إلى عبدالله بن مسعود لأبشِّرَه بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فلما ضربتُ الباب - أو قال: لما سمع صوتي - قال: ما جاء بك هذه الساعةَ؟ قلت: جِئْتُ لأبشِّرَك بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قد سبَقَك أبو بكرٍ، قلت: إن يَفْعلْ، فإنه سبَّاقٌ بالخيرات، ما استبقنا خيرًا قطُّ إلا سبقنا إليه أبو بكر)؛ أخرجه أحمد.

 

4- عمر بن الخطاب:

وروى أبو نُعيم في حلية الأولياء أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه خرج في سواد الليل، فرآه طلحةُ، فذهَبَ عمرُ فدخل بيتًا ثم دخل آخر، فلما أصبح طلحةُ ذهب إلى ذلك البيت، فإذا بعجوزٍ عمياءَ مُقْعدة، فقال لها: ما بالُ هذا الرجل يأتيك؟ قالت: أنه يتعاهدُني منذ كذا وكذا يأتيني بما يُصلِحُني، ويُخرجُ عني الأذى، فقال طلحة: ثَكِلتْك أمُّك يا طلحة! أعثراتُ عمرَ تتبع؟!

 

5- أبو الدَّحْداحِ الأنصاري: لما نزل قولُ الله تعالى: ? مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ? [البقرة: 245] قال للرسول صلى الله عليه وسلم: وإن الله ليريدُ منا القرضَ؟! قال عليه الصلاة والسلام: ((نعم يا أبا الدَّحْداح)) قال: أرِني يدَك يا رسولَ الله، فناوَلَه النبي صلى الله عليه وسلم يدَه، فقال أبو الدَّحْداح: إني قد أقرضتُ ربي عز وجل حائطي (أي بستاني، وكان فيه 600 نخلة)، وأمُّ الدَّحْداحِ فيه وعيالُها، فناداها: يا أمَّ الدَّحداح، قالت: لبيك، قال: اخرجي من الحائط؛ يعني: اخرجي من البستان فقد أقرضتُه ربي عز وجل وفي رواية: أن امرأتَه لما سَمِعتْه يناديها عَمَدت إلى صِبيانها تُخرِجُ التمرَ من أفواههم، وتنفضُ ما في أكمامهم؛ تريد بفعلها هذا الأجر كاملًا غيرَ منقوص من الله؛ لذلك كانت النتيجةُ لهذه المسارعة أن قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كم مِن عِذْق رَداحٍ (أي: مثمر وممتلئٍ) في الجنة لأبي الدحداح!))؛ أحمد، والطبراني، تخريج أحاديث مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام للألباني.

 

6- أبو طلحة الأنصاري:

جاء إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا رسولَ الله، يقول الله تبارك وتعالى في كتابه: ? لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ? [آل عمران: 92]؛ وإن أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرَحاءُ - وكانت حديقةً يدخلها النبي صلى الله عليه وسلم، ويستظلُّ بها، ويشرب من مائها - فهي إلى الله عز وجل، وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، أرجو برَّها وذخرَها عند الله، فضَعْها يا رسول الله حيث أراك الله) فقال صلى الله عليه وسلم: ((بَخٍ يا أبا طلحة! ذاك مال رابحٌ، ذاك مال رابح، قَبِلناه منك، ورددناه عليك، فاجعلْه في الأقربين))، فتصدَّق به أبو طلحة على ذوي رَحِمه)؛ البخاري ومسلم.

 

7- فقراء المهاجرين:

فعن أبي صالح عن أبي هريرة: أن فقراءَ المهاجرين أتَوْا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ذهَب أهلُ الدُّثُورِ بالدرجات العُلَى، والنعيم المقيم)) فقال: ((وما ذاك؟)) قالوا: يُصلُّون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدَّقون ولا نتصدَّق، ويُعتِقون ولا نُعتِقُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أفلا أعلِّمُكم شيئًا تدركون به مَن سبقكم، وتَسبقون به مَن بعدَكم، ولا يكونُ أحدٌ أفضلَ منكم إلا مَن صنع مثل ما صنعتم؟)) قالوا: بلى يا رسول الله! قال: ((تُسبِّحون، وتُكبِّرون، وتَحْمدون دُبُرَ كلِّ صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة))، قال أبو صالح: فرَجَع فقراءُ المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: سَمِع إخوانُنا أهلُ الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ذلك فضلُ اللهِ يُؤتيه مَن يَشاءُ))؛ مسلم.

 

8- التابعين:

كان أبو مسلم الخولانيُّ يقوم الليلَ، فإذا تَعِبَتْ قدماه ضرَبَها بيديه قائلًا: أَيَحسَبُ أصحابُ محمد أن يسبقونا برسول الله؟! والله لنزاحمَنَّهم عليه في الحوضِ، فهو يريدُ المنافسةَ، ويريدُ أن يُزاحِمَ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدار الآخرة، وهنيئًا له هذه المنافسة الشريفة!

 

ثالثًا: تحذيرُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم من الانغماسِ في الدنيا، وتركِ الطاعات:

قال تعالى: ? فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ? [الماعون: 4 - 7]، وقال تعالى: ? مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِين ? [المدثر: 42 - 44]، وقال تعالى: ? وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ? [الحاقة: 34 - 36]، وقال تعالى: ? حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ... ? [المؤمنون: 99]، وقال تعالى: ? يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ? [فاطر: 5، 6].

 

حذَّر منه النبيُّ صلى الله عليه وسلم صحابتَه الكرامَ، حينَ قَدِم أبو عبيدةَ بأموالٍ كثيرة من اليمن؛ فقال لهم صلى الله عليه وسلم: ((فواللهِ ما الفقرَ أخشى عليكم؛ ولكنِّي أخشى عليكم أن تُبسَط الدنيا عليكم كما بُسِطَتْ على مَن كان قبلَكم؛ فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلكَكم كما أهلكَتْهم))؛ متفق عليه.

 

فعن عبدِاللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:((إذا فُتِحتْ عليكم فارسٌ والروم، أيُّ قوم أنتم؟)) قال عبدُالرحمن بنُ عوفٍ: نقول كما أمرنا الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَوَغيرَ ذلك؟ تتنافسون، ثُمَّ تتحاسدون، ثمَّ تتدابَرون، ثم تتباغضون))؛ مسلم.

 

وعن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((إن مِنَ الناس مفاتيحَ للخيرِ، مغاليقَ للشرِّ، وإن من الناس مفاتيحَ للشرِّ، مغاليقَ للخير، فطوبى لمَن جعَلَ اللهُ مفاتيحَ الخيرِ على يديه! وويلٌ لمَن جعَلَ اللهُ مفاتيحَ الشرِّ على يديه))؛ ابن ماجه، والألباني في السلسلة الصحيحة.

 

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاثةٌ لا يُكلِّمُهم اللهُ يومَ القيامة ولا ينظرُ إليهم)) فذكر منهم: ((ورجلٌ منَعَ فَضْل ماءٍ، فيقول الله: اليومَ أمنعُك فضلي؛ كما منعتَ فضلَ ما لم تَعملْ يداك))؛ البخاري ح 2369.

 

عن ابن عمرَ رضي الله عنهما عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((دخلَتِ امرأةٌ النَّارَ في هِرَّة ربطَتْها، فلم تُطعِمْها، ولم تَدَعْها تأكلُ من خَشاشِ الأرضِ))؛ البخاري ح: 3318، مسلم ح: 2242.


(وروى مالكٌ أن الضحَّاك بنَ خليفةَ ساقَ خليجًا له من العريض، فأراد أن يمرَّ به في أرض محمدِ بنِ مَسْلمةَ، فأبى محمدٌ، فقال له الضحَّاك: لِمَ تمنعُني وهو لك منفعة؛ تشربُ به أولًا وآخرًا ولا يضرُّك؟! فأبى محمدٌ، فكلَّم فيه الضحَّاكُ عمرَ بنَ الخطاب، فدعا عمرُ بنُ الخطاب محمدَ بنَ مَسْلمةَ، فأمره أن يُخلِّيَ سبيلَه، فقال محمد: لا فقال عمر: لِمَ تَمنَعُ أخاك ما ينفعُه وهو لك نافع، تسقي به أولًا وآخرًا، وهو لا يضرُّك؟، فقال محمد: لا واللهِ فقال عمر: واللهِ ليَمرَنَّ به ولو على بطنِك!، فأمره عمرُ أن يمرَّ به، ففعل الضحَّاك)؛ الموطَّأ ح: 1463.

 

أيُّها المسلمون، طرقُ الخيرِ والنفع كثيرةٌ متاحةٌ للجميع، ولكن أين السالكون؟ وأين السائرون؟ أبوابُ البرِّ متعدِّدة، ولكن أين المسارعون إليها؟ وأين الطارقون لها؟ وليست الأعمالُ الصالحة هي: الصلاةَ، والزكاةَ، والصيامَ، والحجَّ - فقط - وإنما هي كثيرةٌ متعدِّدة:

? زيارةُ المريض عملٌ صالح؛ فسارِعْ إليه وبادِرْ قبل أن يفوتَك.

? إحسانُك إلى جارِك عملٌ صالحٌ؛ فسارِعْ إليه وبادِرْ قبل أن يفوتك.

? قراءتُك القرآنَ الكريمَ عملٌ صالح؛ فسارِعْ إليه وبادِرْ قبلَ أن يفوتك.

? إعطاؤك الفقراءَ والمساكينَ عملٌ صالحٌ؛ فسارِعْ إليه وبادِرْ قبل أن يفوتك.

? إغاثتُك الملهوفَ عملٌ صالح؛ فسارِعْ إليه، وبادِرْ قبل أن يفوتَك.

? إنصافُك المظلومَ عملٌ صالح؛ فسارِعْ إليه، وبادِرْ قبل أن يفوتَك.

? تربيتُك لأبنائك وبناتِك على منهج الله عملٌ صالح؛ فسارع إليه، وبادِرْ قبل أن يفوتَك.

? إعمارُ المساجدِ عملٌ صالح؛ فسارِعْ إليه وبادِرْ قبلَ أن يفوتَك.

? طلبُ العلم عملٌ صالحٌ؛ فسارِعْ إليه وبادِرْ قبل أن يفوتك.

? إنجازك لعملك إن كنت موظفًا عمل صالح؛ فسارِعْ إليه وبادِرْ قبل أن يفوتك.

? فصلُك في الشكاوى المُقدَّمة إليك إن كنت مديرًا في مؤسسة، أو رئيسًا في مصلحة عملٌ صالح؛ فسارِعْ إليه وبادِرْ قبل أن يفوتَك.

? قيامُك بالواجب عليك في كلِّ جانبٍ من جوانبِ الحياة عملٌ صالح؛ فسارِعْ إليه وبادِرْ قبل أن يفوتك.

وصلِّ اللَّهم وسلِّمْ وبارِك على سيدنا محمدٍ.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook