التوبة المقبولة (2)

الكاتب: المدير -
التوبة المقبولة (2)
"التوبة المقبولة (2)




تحدَّثتُ في المقال السَّابق عن أنَّ توحيد الله عزَّ وجلَّ، والإيمان به سبحانه: يَقتضيان أن يحاسِب الإنسان نفسَه دائمًا عن تقصيره في حقِّ الله تعالى، وأن يظلَّ على ذكرٍ من يوم الحساب؛ ليعدَّ له عدَّتَه، ويتلافى تقصيره؛ حتى لا يَندم ولا يتحسَّر في يوم لا يَنفعه ذلك، ولا بدَّ أن تكون هذه المحاسبة من خلال كتاب الله عزَّ وجل وسنَّةِ نبيه صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّهما الحَكَم العَدل، والميزان الصادق، ومَن تركهما فقد ضلَّ، ومن أَخذ بهما فقد هُدي إلى صراطٍ مستقيم.

• والمحاسبة الصادقة للنفس لا بدَّ وأن تسلم للتوبة الخالصة لله ربِّ العالمين.

• والتوبة هي بدايةُ العمل الصالح الذي يتقرَّب به العبدُ إلى ربه، وهي ما يجب أن يصاحبه دائمًا ولا يفارقه في سيره إلى الله وقدومِه عليه؛ لأنَّ المؤمن يَستشعر دائمًا التقصيرَ حتى ولو ارتقى إلى مقام العابدين، فإنَّ الله تبارك وتعالى جعلها سببًا في الفلاح، فقال جلَّ شأنه: ? وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ? [النور: 31]، ولعلَّ في توجيه الخطاب للمؤمنين ما يُشعر بأنَّ التوبة لا تكون فحسب من الذَّنب يرتكبه العبد؛ وإنما تكون كذلك من الشعور بالتقصير في حقِّ الله، وكلَّما تقرَّب الإنسان من ربِّه، أدرك التقصير في جانبه.

 

• وقد ثبت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم - وهو أول المقرَّبين من ربِّ العالمين - قوله: ((يا أيها النَّاس، توبوا إلى الله واستغفروه؛ فإنِّي أتوب في اليوم مائة مرَّة))؛ رواه مسلم رحمه الله، وفي رواية له: ((إنَّه ليُغان على قلبي، وإنِّي لأَستغفر اللهَ في اليوم مائة مرَّة))، والغين: ما يتغشَّى القلب من الغفلات.

مع أنَّ الله عصَمَه من الذنوب، وحفِظَه من الغفلات، ولكن عِلمه بحقِّ الله عليه يجعله يشعر بالتقصير؛ ولذلك يقول الله تعالى: ? إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ? [فاطر: 28].

 

• لذلك أمرَنا الله عزَّ وجلَّ في كثير من آيات القرآن بالتوبة، كما أمرنا رسولُه صلى الله عليه وسلم بذلك في كثير من أحاديثه؛ حتى نكون من المسارِعين إلى الخيرات، ولا نكون من الغافلين.

يقول الله تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ? [التحريم: 8].

وقال تعالى: ? وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ? [هود: 90].

وقال الله تعالى: ? وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ? [الحجرات: 11].

فالذي لا يتوب إلى ربِّه ظالمٌ لنفسه؛ لأنَّه جاهل بربِّه، وبحقِّه عليه، وما أعظَمَه من حقٍّ!

وقد قال صلى الله عليه وسلم في بيان أنَّ التوبة مطلوبة في كلِّ وقت: ((إنَّ الله تعالى يَبسط يدَه بالليل ليتوب مُسيء النهار، ويَبسط يده بالنهار ليتوب مُسيء الليل، حتى تَطلع الشمس من مَغربها))؛ رواه مسلم، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الله عزَّ وجلَّ يَقبل توبةَ العبد ما لم يغرغِر))؛ أي: تصل الرُّوح إلى الحلقوم؛ رواه الترمذي.

 

• وإذا كانت التوبة من الإحساس بالغفلة والشعورِ بالتقصير في حقِّ الله واجبةً، فهي من الوقوع في الذَّنب وعمل المعصية أوجَب؛ فإنَّه إذا ترتَّب على الأول نَقص في الدرجات، فإنه يترتَّب على الثاني وقوع في أسفل الدركات، وشتَّان بين من يَطلب المزيد من النَّعيم، وبين من يريد أن يتخلَّص من الجحيم، والأمر في كلتا الحالتين يحتاج إلى طلب التوفيق من الله، والحرص على الاعتصام بالله، قال الله تعالى: ? وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ? [آل عمران: 101]، ويقول الله تعالى: ? وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ? [هود: 88].

• والتوبة إلى الله عزَّ وجلَّ لا تحتاج إلى وسيط في قبولها أيًّا كان هذا الوسيط، وليست في حاجةٍ إلى اعتراف بالخطيئة أمام أحد من الناس.

فما على مَن يتوب إلَّا أن يطلب من الله المغفرة فيَغفر الله له، بل إنَّ الله يَفرح بتوبته أشد من فرَح الوالدة بولدها وقد فقدَته ويئسَت من عودته إليها، فالله تعالى يقول: ? وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ? [طه: 82].

وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لَله أَفرح بتوبة عبده من أحدكم سقَط على بعيره وقد أضلَّه في أرضٍ فلاة))؛ متفق عليه، ((سَقط على بعيره))؛ أي: وجَدَه.

وقال صلى الله عليه وسلم: ((والذي نَفسي بيده، لو لم تُذنِبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يُذنبون فيَستغفرون اللهَ تعالى فيغفر لهم))؛ رواه مسلم.

• ويخطئ أشد الخطأ من يظنُّ أنَّ التوبة لا بدَّ وأن تكون على يد شيخٍ حتى يَقبلها الله تعالى؛ فإنَّ باب التوبة مفتوح لكلِّ راغِب في التوبة ما لم تَصل الروحُ الحلقومَ أو تطلُع الشمس من مغربها، قال الله تعالى: ? إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ? [النساء: 17، 18].

وقال تعالى: ? وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ? [الشورى: 25]، وقال تعالى: ? أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ? [التوبة: 104].

• ويغالي بعضُ النَّاس حين يَجعلون إتيانهم قبر النبيِّ صلى الله عليه وسلم ميتًا ليَستغفر لهم كإتيانه حيًّا سواء بسواء، أخذًا من قول الله عزَّ وجل: ? وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ? [النساء: 64].

• وشتَّان بين أن يَأتوه صلى الله عليه وسلم حيًّا يمكنه أن يَستغفر ويدعو لهم، وبين أن يأتوه ميتًا في قبره، نعم هو حيٌّ في قبره من غير شكٍّ ولا ريب، ولكن ليست كحياته في الدنيا؛ فإنَّ هذه غير تلك، ولا يعلم حقيقتها إلَّا الله؛ لأنَّ الله تعالى قال له: ? إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ? [الزمر: 30].

• وحتى الذين كان رسول الله يَستغفر الله لهم في الدنيا ولم يكونوا أهلًا لمغفرة الله، لم يَغفر الله تعالى لهم، وقال لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: ? اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ? [التوبة: 80]، وقال تعالى: ? سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ? [المنافقون: 6].

فاستغفار الحيِّ للحي ودعاؤه له أمرٌ جائز ومَطلوب؛ فقد استغفر يوسفُ عليه السلام لإخوته، وقالوا لأبيهم: ? يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ? [يوسف: 97، 98]، ولا يزال المسلمون يَستغفر بعضُهم لبعض ويَدعو بعضهم لبعض؛ بل إنَّ الله أمرهم أن يَدعوا لمن سبقوهم بالإيمان، قال الله تعالى: ? وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ ? [الحشر: 10].

 

• يقول صاحب الظِّلال رحمه الله عند تفسيره لقول الله: ? وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ? [النساء: 64]، يقول: والله توَّاب في كلِّ وقت على مَن يتوب، والله رَحيم في كلِّ وقت على من يؤوب، وهو سبحانه يصِف نفسَه بصفته، ويعِدُ العائدين إليه المستغفرين من الذَّنب قبولَ التوبة، وإفاضَة الرحمة، والذين يتناولهم هذا النص ابتداءً كان لديهم فرصة استغفار الرسولِ صلى الله عليه وسلم، وقد انقضَت فرصتها، وبقي بابُ الله مفتوحًا لا يُغلَق، ووعده قائمًا لا يَنقضي، فمن أراد فليقدِم، مَن عزم فليتقدَّم؛ اهـ.

• وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((يقول الله عزَّ وجلَّ: مَن جاء بالحسنة فله عَشر أمثالها أو أَزِيد، ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئةٍ سيئة مثلها أو أغفِر، ومَن تقرَّب منِّي شبرًا تقرَّبتُ منه ذراعًا، ومن تقرَّب منِّي ذراعًا تقرَّبتُ منه باعًا، ومَن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لَقيني بقراب الأرض خطيئة لا يُشرك بي شيئًا لقيتُه بمثلها مغفرة))؛ رواه مسلم.

• قال الإمام النووي رحمه الله: معنى الحديث: ((ومن تقرب)) إلي بطاعتي، (تقربت) إليه برحمتي، وإن زاد زدت، (فإن أتاني يمشي) وأسرع في طاعتي، (أتيته هرولة)؛ أي: صببت عليه الرحمة، وسبقته بها، ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود، و((قراب الأرض)) بضم القاف، ويقال: بكسرها، والضمُّ أصحُّ وأشهر، ومعناه: ما يقارِب ملأها، والله أعلم. اهـ؛ [رياض الصالحين].

• وكلَّما كانت التوبة والاستغفار سرًّا بين العبد وربِّه، كان ذلك أَرجى في القبول، وأبعد عن الرِّياء المحبِط للأعمال.

وفي حديث السبعة الذين يظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظله المتَّفق على صحته: ((... ورجل ذَكر اللهَ خاليًا))؛ أي: في خلوة، ((ففاضَت عيناه)).

وقد جاء في القرآن الكريم في أوصاف المتَّقين الذين هم يوم الدِّين في جنَّات وعيون، يقول الله تعالى: ? وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ? [الذاريات: 18]؛ لأنَّ السَّحَر هو وقت المُناجاة والخلوة مع الله، وهو الوقت الذي يَنزل فيه كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول: ((هل من تائبٍ فأتوبَ عليه؟ هل من مُستغفر فأغفرَ له؟ هل من سائل فيُعطى سؤلَه؟ حتى يطلع الفجر)).


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook