التوكل من أعمال القلوب

الكاتب: المدير -
التوكل من أعمال القلوب
"التوكل من أعمال القلوب

 

وكما ربط ربُّنا الرحمن الرحيم بين التوكُّل عليه جلَّ وعلا وبين الإيمان به سبحانه في مثل قوله تعالى: ? قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا ? [الملك: 29]، وقوله تعالى: ? وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ? [إبراهيم: 11]، وغيره في القرآن كثير - كذلك فقد جعل الله التوكُّلَ عليه ضمن أعظم ما يتَّصف به المؤمن في مثل قوله تعالى: ? إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ? [الأنفال: 2]، ولما كانت هذه الآيات، وهي أول سورة الأنفال، وقد ذَكر الله فيها غزوةَ بدر الكبرى؛ وهي أول غزوة وقعَت بين المؤمنين والكافرين - جعل الله هذه الأوصاف التي جاءت في هذه الآيات أسلوب عملٍ يجب أن يَلتزم بها المقاتِل وأن يتحلَّى بها؛ ومن هذه الصِّفات حُسن الاعتماد على الله والتوكُّل عليه؛ إعدادًا لنفسه، ورفعًا لمعنويَّاته؛ حتى تَنزل عليه رحمة الله وتأييده ونصره الذي هو في أمَسِّ الحاجة إليه، قال تعالى: ? وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ? [الروم: 47].

 

ومثل ما جاء في قوله تعالى: ? فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ? [الشورى: 36 - 38]، وهذا الرَّبط الإلهي بين التوكُّل وعِظَم هذه الصفات يعطيك قدر عظمة التوكُّل على الله جلَّ جلاله.

 

وحكمة التوكُّل على الله أنَّه جلَّ جلاله قد بسط سلطانه على مُلكه وهو الرحمن الرحيم البرُّ بعباده، وقد ربط الله حياة الخلق بقدرته وإحسانه؛ بحيث لو مَنع الله فضلَه عن أحد من خلقه فلا وجود له، فاعتماد الإنسان على ربِّه بإخلاصٍ وعلمٍ بأسماء الله وصفاته - يَنال به الإنسانُ ما عند الله من الخير العَميم والتأييد الكامل.

 

وحقيقة التوكُّل هي تعلُّق القلب بالله وحده، وخلوُّه ممَّا سوى الله؛ لعلم الإنسان المتوكِّل أنَّ الأمور في حقيقتها بيَدِ الله وحده؛ فهو مالِك أمر العالَم كله، ومدبِّر شأن الكون، فلا تنفك ذرَّة في هذا المُلك المترامي الأطراف عن قُدرة الله وعلمِه وتدبيره.

ولما كان التوكُّل عملًا من أعمال القلب الذي هو سلطان الجسد؛ فلو شارك اللهَ غيرُه في قلب أيِّ إنسان؛ بمعنى: أن يتوكَّل على الله وفي قلب العبد تعلُّق بغيره، فذلك لا يرضاه الله، جاء في الحديث القدسي: ((مَن عمِل عملًا أشرك فيه معي غيري، تركتُه وشِركَه))، فكان من الضروري توكُّل القلب، مع الإحساس بضَعف الإنسان وحاجته إلى ربِّه، مع النُّطق باللسان المعبِّر عمَّا في القلب، فإذا تلفَّظ اللِّسان بهذه الكلمة: (توكَّلتُ على الله) مع عدم الإحساس بقِيمة اللَّفظ، لن يَنفعه، ويُعتبر هذا التوكُّل توكُّلَ المنافقين، والعياذ بالله.

 

وهنا نقطة هامَّة يجب التنبُّه إليها، وهي ثمرة التوكُّل على الله؛ فإنَّ العِبرة أن يقبل الله توكُّلَنا عليه، فيستجيب دعاءنا، ويَدفع عنَّا غوائل الدَّهر، فما أسعد من تقبَّل الله توكُّلَه عليه! ومثل ذلك دعوى حبِّ الله، فما من أحد إلَّا ويزعم أنَّه يحبُّ اللهَ، ولكن العبرة هنا أن يبادلنا الله بالحبِّ حبًّا، وقد قالوا: ليست العِبرة في أن تُحِبَّ اللهَ؛ وإنَّما العِبرة في أن يحبَّك اللهُ، قال تعالى: ? قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ? [آل عمران: 31].

 

ويتوقَّف ذلك على أمرين: تفرُّغ القلب ممَّا سوى الله؛ بحيث يجعل أملَه في الله وحده، ويُحسِن الظنَّ بربه، والثاني: أن يَعمل على مَرضاة الله بالعمل الصالح، ويتجنَّب المعصية؛ إذ إنَّ معصية الله تَحجب عن العبد رحمةَ الله وعونه، قال تعالى: ? إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ? [المائدة: 27].

وكثيرًا ما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَجمع بين التوكُّل على الله ومثيله من أعمال القلب في دعاءٍ واحد؛ مثل ما جاء في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((اللهمَّ لك أسلمتُ، وبك آمنتُ، وعليك توكَّلتُ، وإليك أنَبتُ، وبك خاصمتُ، اللهمَّ أعوذ بعزَّتك لا إله إلا أنت أن تُضلَّني، أنت الحيُّ الذي لا تموت، والجنُّ والإنس يَموتون))، وفي الصَّحيحين أيضًا حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((يا فلان، إذا أويتَ إلى فراشك فقل: اللهمَّ أسلمتُ نَفسي إليكَ، ووجَّهتُ وجهي إليك، وفوضتُ أمري إليك، وألجأتُ ظهري إليك، رغبةً ورهبة إليك، لا مَلجأ ولا مَنجى منك إلَّا إليك، آمنتُ بكتابك الذي أنزلتَ، وبنبيِّك الذي أرسلتَ))، كذلك كان يقول إذا خرج من بيته: ((بسم الله، توكَّلتُ على الله، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله)).

 

وقال ابن القيم في كتابه (الفوائد): التوكُّل نوعان؛ أحدهما: توكُّلٌ عليه في جَلب حوائج العبد وحظوظه الدنيويَّة، أو دفع مكروهاته ومصائبه الدنيوية، والثاني: التوكُّل عليه في حصول ما يحبُّه هو ويرضاه من الإيمان واليقين والجهاد والدَّعوة إليه، وبين النوعين من الفضل ما لا يُحصيه إلَّا الله، فمَن توكَّل عليه في النَّوع الثاني حقَّ توكله، كفاه النَّوع الأول تمامَ الكفاية، ومتى توكَّل عليه في النوع الأول دون الثاني، كفاه أيضًا، ولكن لا يكون له عاقبة المتوكِّل فيما يحبُّه ويرضاه، فأعظم التوكُّل عليه التوكُّلُ في الهداية، وتجريد التوحيد، ومتابعة الرَّسول صلى الله عليه وسلم، وجهاد أهل الباطل؛ فهذا توكُّلُ الرسل وخاصَّةِ أتباعهم.

وهذا التَّحقيق لابن القيم يدلُّ على عُمق الفهم وقوَّة الإدراك؛ فإنَّ أفضل ما عند الله من النِّعَم ما كان متَّصلًا بالعقيدة الصَّحيحة والعملِ الصَّالح، الذي يَنال به العبد رحمةَ الله في الدنيا والآخرة؛ من التوفيق، والهدايةِ، والسَّداد، أمَّا متاع الدنيا، فهو عرَض زائل، وفي مثل هذا يقول الله تعالى: ? مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ? [الشورى: 20]، وغيره في القرآن كثير.

 

كذلك يَجب أن يكون توكُّلنا على الله نابعًا من العقيدة الإسلاميَّة في الله ربِّنا، ونوقِن أنَّ ما عند الله أَقرب إلينا ممَّا في أيدينا، وأن تَصل ثِقتنا بالله إلى العُمق البعيد؛ إذ هو البَرُّ بعباده الرَّحيمُ بخلقه، وقد تودَّد إلى عباده بنِعَمه الشَّاملة وهو الغنيُّ عن خلقه، فيجب أن نقابِل هذه النِّعَم بالشُّكر والخضوع لجلاله سبحانه، وأن نَبذل ما في وسعنا للعمل على مَرضاته، ثمَّ الاعتراف بعبوديَّتنا له وحده، فلا نذل أَنفسنا إلَّا له، ولا نُخضِع رقابَنا إلَّا لعظمته بالدعاء والخشية، والرغبة والرهبة، والتعظيم والنذر والذبح، والاعتماد والتوكُّل عليه سبحانه، كذلك من الضروري أن يكون اعتقادنا في الله بعيدًا عن عقيدة أهل الجاهلية الذين ذَكر الله في القرآن عقيدتَهم في أوليائهم، مثل قوله تعالى: ? وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ? [الزمر: 8]، وقوله تعالى: ? فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ? [العنكبوت: 65]؛ ومعنى هذا أنَّ مشركي الجاهليَّة الأُولى كانوا يؤمنون بوجود الله، وأنَّهم كانوا إذا أصابهم ضرٌّ، لَجؤوا إلى الله وحده يَدْعونه مخلصين له الدِّين؛ فإذا نجَّاهم واستجاب دعاءهم، إذا هم يَنسبون نجاتَهم إلى أوليائهم ويقولون: إنَّهم وُسطاء بينهم وبين الله، وما أشبه الليلة بالبارحة! فبعد أن قَضى الإسلامُ على هذه الظَّاهرة الشِّركية إذا بالشيطان الرَّجيم يرُدُّ الناس إلى نَفس الشِّرك، بل أضل منه على يَدِ المتصوفة، فهذه آثارهم تراها حولَ القباب والمقاصير، فإذا مسَّ أحدَهم همٌّ أو غمٌّ أو كرب، فَزع إلى الموتى يَدعوهم من دون الله من مكانٍ بعيد أو قريب، وتسمعهم يقولون: أغِثنا، أدرِكنا، ويطلُبون المددَ من معبوديهم؛ فالأوَّلون كانوا عند الشدَّة ينسَون آلهتَهم إلَّا الله وحده، وعند كشف الكرب يرجعون إلى جَهلهم، وأهل التصوُّف ينسَون الله في الشدَّة والرَّخاء على السواء، والعجب أنَّهم يَفعلون هذا ويقولون: توكَّلنا على الله، فهل هذا توكُّل المسلمين؟!

 

ألا يا قوم إنَّه لا يملك الخيرَ والشرَّ، والنفع والضرَّ، إلَّا اللهُ جلَّ جلاله.

نريد العودةَ إلى الله وإلى العَقيدة الصَّحيحة المستمدَّة من القرآن والحديث بعيدًا عن الجاهلية.

نريد أن يكون توكُّلنا على الله نابعًا من مَعرفتنا بالله عن طريق القرآن والحديث، والله وليُّ التوفيق.

 

مجلة التوحيد


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook