الجدل بالباطل والصد عن طريق الحق

الكاتب: المدير -
الجدل بالباطل والصد عن طريق الحق
"الجدل بالباطل والصد عن طريق الحق




يستمرُّ صِراع الشَّيطان مع الإنسان في الأرض، ويأخذ أبعادًا مختلفة، لكنه في مجمله ينطلق من البذور التي بذَرها الشيطان في قصَّة صراعه الأولى مع الإنسان، وقد جاء القرآن الكريم كاشفًا لهذه الصور الأخرى من الصِّراع التي هي امتِداد للصِّراع الأول، ومجمل هذه الصور يمكن تصنيفها على النحو الآتي:

• الجدل بالباطل والصد عن طريق الحقِّ:

سبق لنا أنْ ذكرنا أنَّ من البذور التي بذرها الشيطان في قصَّة صراعه الأولى: بذر المتاجرة بالدين، والتي من خلالها يُلقي الشُّبه والأكاذيب، والمراء بالباطل، وبغير علم، على أوليائه، وقد ذكر لنا النصُّ القرآني الكثيرَ من الصور التي تندرج تحت هذا الإطار، قال تعالى: ? وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ? [الأنعام: 121]؛ الآية تتحدَّث عن إيحاء الشياطين لأوليائهم من أجل المجادلة بالباطل، وإلقاء الشكوك والشُّبه حول المنهج الحق.




وقد جاءت روايات في أسباب النزول، تبيِّن لنا حقيقة هذا الأمر؛ فقد ذُكِر أنَّ الشياطين المشار إليهم في هذه الآية شياطين فارِس من المجوس، وأنَّ أولياءهم هم المتمرِّدون من مشركي قريش؛ فقد أرسلَت فارسًا إلى أوليائها من قريش: أنْ جادِلوا محمدًا صلى الله عليه وسلم وأصحابه حول أكل الميتة، وكانوا يسمُّونها (قتل الله)، فقالوا: ما قَتَل اللهُ لا تأكلونه، وما قتلتُم تأكلون؟ وفي رواية قال المشركون للرسول صلى الله عليه وسلم: أخبِرنا عن الشَّاة إذا ماتت، مَن قتلها؟ فقال: ((الله قتلَها))، قالوا: فتزعم أنَّ ما قتَلتَ أنت وأصحابُك حلال، وما قتَله اللهُ حرام؟ فأنزل الله: ? وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ? [الأنعام: 121]، وفي روايةٍ أخرى قالوا: أما ما قتَل الصَّقرُ والكلب فتأكلونه، وأمَّا ما قتل الله فلا تأكلونه؟ فوقع في نفوس بعض المسلمين شيء، فأنزل الله الآيةَ[1]، ونزلَت أيضًا آية: ? شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ? [الأنعام: 112][2].




فهذه الروايات عن مناسبة الآية تبيِّن بوضوح أن الشياطين يوحون إلى أوليائهم، والوحي الإشارة السَّريعة، والإلهام الخفي، والمراد به في الآية الوسوسة، وسمِّي وحيًا؛ لأنه يكون خُفية فيما بينهم[3].




وقد أخرج الطبري رحمه الله بسنده إلى ابن زميل[4] قال: كنت قاعدًا عند ابن عباس، فجاءه رجل من أصحابه، فقال: يا بن عباس، زعم أبو إسحاق أنَّه أُوحي إليه هذه الليلة؛ يعني: المختار بن أبي عبيد، فقال ابن عباس: صدق، فنفرتُ فقلتُ: يقول ابن عباس: صدق؟! فقال ابن عباس: هما وحيان: وحي الله، ووحي الشيطان؛ فوحي الله إلى محمد، ووحي الشياطين إلى أوليائهم، ثم قرأ: ? وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ?[5].




إذًا، فهؤلاء الشياطين يوسوسون في صدور أوليائهم، طالبين منهم الجدالَ بالباطل؛ معاندةً لله ورسولِه صلى الله عليه وسلم، من غير دليلٍ أو برهان، وإلقاء للشُّبه والشكوك، وهؤلاء الأولياء يتمركزون في قلب الاجتماع البشري، ويمثِّلون سلوكًا بشريًّا متخلفًا وضارًّا[6].




وهذا النصُّ يبيِّن لنا بوضوح أنَّ ظاهرة شياطين الفِكر من المستعمرين الذين يثيرون الشبهات حول الإسلام، وظاهرة أوليائهم من العرب (أو العملاء حسب لغة العصر الحديث) الذين يشيعون هذه الشُّبهات - ظاهرةٌ قديمة حديثة؛ فالعرب كانوا وما زالوا يتلقَّون القضايا الفكريَّة من شياطين الخارج؛ ففي الماضي يتلقَّون المعتقدات والشبهات من فارس والروم، واليوم يتلقَّونها من الغرب والشرق، ولا عاصم لهم إلَّا الإسلام، ثم جاء التعقيب في الآية على عقوبة الاستمرار في اتِّباع وحي الشياطين - في المجادلة وإلقاء الشبه - بالدخول في الشرك؛ وفي ذلك إشارة إلى نهاية هذا الصِّراع والسجال، فقد نسَبهم إلى الشِّرك إذا استمَرُّوا على هذه الطَّاعة، فجاء تأكيد الخبر بـ (إنَّ)؛ لتحقق التحاقهم بالمشركين إذا أطاعوا الشياطين، وإن لم يَدعوا لله شركاء؛ لأن تخطئة أحكام الإسلام تساوي الشِّرك؛ فلذلك احتيج إلى التأكيد[7].




وهكذا يفهم أنَّ اتِّباع الشياطين في إيحائهم بالباطِل إنَّما هو شِرك، أو قل: مؤدٍّ إلى الشِّرك، ومُوصل إليه؛ وكلا الأمرين خطير.




وقريب من هذا المعنى قوله تعالى: ? وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ? [الأنعام: 112]، ففي هذه الآية تَسلية للنَّبي صلى الله عليه وسلم بسبب ما لقيَه من عداء قومه، ومخاصمتهم، وجدالهم؛ إذ تبيَّن أن هذا العداء وتلك الخصومة ليستا خاصَّتين بك يا محمد، بل هي حاصلة لكلِّ نبي سبقك؛ ولذلك فإنَّه يجب عليك أن تَصبر كما صبروا؛ لأنَّ هذه هي سنَّة الله في الأنبياء؛ قال تعالى: ? وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا ? [الأنعام: 34]، وقال تعالى: ? مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ? [فصلت: 43]، وقال أيضًا: ? وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ ? [الفرقان: 31]، والحاصل أنَّ عداوة الشياطين من الجن والإنس للأنبياء قديمةٌ قِدمَ دعوات الأنبياء، وقد صوَّرَت الآية هذه العداوةَ بصورةٍ استعاريَّة؛ فهؤلاء الشياطين عندما يلتقون بعضهم مع بعضهم الآخر يعلِّمون بعضهم الآخر طرائقَ الإضلال، وجاء التعبير عن هذه الطرائق بـ ? زُخْرُفَ الْقَوْلِ ?، والزُّخرف كما هو مَعلوم التزيين للشَّيء[8].




إلَّا أنَّ هذا التزيين يظلُّ (خارجيًّا)، و(سطحيًّا)، ولا علاقة له بمضمون الأشياء؛ وهذا ما نلاحظه من الزخرف الذي توشى به العمارات؛ إذ إنَّه مجرَّد تزيين خارجي لا علاقة له بمتانة العمارة وإحكامها، وإذا نقلنا هذه الحقيقة الحسيَّة إلى صعيد الأفكار، أو الأقوال، أو المعاملات - نجد أن إعارتها من صعيدها الحسِّي إلى صعيدها المعنوي، يحمل أهميَّةً فنيَّة كبيرة؛ نظرًا للتماثل بين ما هو معنوي من الحقائق، وإمكانية تمويهها، وبين ما هو مادِّي، وإمكانية تمويهه من خلال الزخرف، فمهمَّة الشياطين إغواء الناس، والإغواء إيصال الأشياء إلى الآخرين بخلاف حقائقها، لكن بطُرق خاصَّة تعتمد تمويه الحقائق.




ولذلك فإنَّ عملية التمويه للحقائق، تتناسب مع عملية (الزخرفة)؛ حيث تجد أنَّ الزخرفة الحسية تضيف جماليةً ظاهرة على هذه العمارة أو تلك، فيما تُخفي تحتها إمَّا بناءً غير متماسك، أو تشويهًا وقبحًا ملحوظين، وكذلك الزخرف من القول، وهنا ينبغي أن تلحظ أيضًا أنَّ أهميَّة هذه الصورة الاستعارية ? زُخْرُفَ الْقَوْلِ ?، تتمثَّل في كونها أهمية مزدوجة؛ فهي من جانبٍ تشير إلى أنَّ ما توحي به الشياطين مطلقًا هو (زخرف)؛ أي: إنَّ ما يوسوس به الشيطان للناس هو كلام مزخرَف، ومن جانب آخر تشير إلى أنَّ ما يوحي به الشياطين بعضهم إلى بعض، هو كلام مزخرف أيضًا؛ وهذا ما لم تصرِّح به الصورة مباشرة، بل تتركنا نحن نستخلِص ذلك؛ وهو أمر يضفي مزيدًا من الجمالية على الصورة المشار إليها[9].




فالشياطين تلقي قولًا مزيَّنًا ظاهرُه، باطلًا باطِنُه، فهذه الآية وما تحتها من معانٍ عظيمة بيَّنَت لنا أصولَ الباطل، ونبَّهتنا على مواقع الحذر منها وعدم الاغترار بها، وإذا (تأمَّلتَ مقالات أهل الباطل، رأيتَهم قد كسوها من العبارات، وتخيَّروا لها من الألفاظ الرائقة، ما يسرع إلى قبوله كلُّ من ليس له بصيرة نافذة، وأكثر الخلق كذلك)[10].




ونحن إذ ننظر إلى هذه الآية نرى كأنَّها نزلَت (لهذا العصر، الذي أصبح فيه لوسائل الإعلام سلطانٌ كبير، وتأثير شديد على الناس، لقد وجَّه شياطين الإنس من أعداء الإنسان - بوحيٍ من شياطين الجن - كثيرًا من وسائل الإعلام المسموعة، والمرئية، والمقروءة، إلى الشعوب الإسلامية؛ ليفتنوا المسلمين عن دينهم وأخلاقهم، وقد ملؤوها بالبرامج المزخرفة المموهة، التي تَستهدف في حقيقتها تَشكيك المسلمين بدينهم، وإشاعة الفواحش والفجور في مجتمعاتهم)[11].




والنصُّ يطلعنا بجملة من الحقائق، يمكن لنا أن نقِف معها، في دورة الصِّراع التي لا تنتهي مع الباطل، إنَّه يقرر أولًا: أنَّ الذين يَقفون بالعداوة لكلِّ نبي، ويقفون بالأذى لأتباع الأنبياء هم شياطين - شياطين من الإنس والجن - وأنَّهم يؤدُّون جميعًا وظيفة واحدة، وأنَّ بعضهم يخدع بعضًا، ويضله كذلك، مع قيامهم جميعًا بوظيفة التمرُّد، والغَواية، وعداء أولياء الله، ويقرِّر لنا ثانيًا: أنَّ هؤلاء الشياطين لا يفعلون شيئًا من هذا كله، ولا يقدرون على شيء من عداء الأنبياء، وإيذاءِ أتباعهم بقدرة ذاتية فيهم، إنما هم في قَبضة الله، وهو يَبتلي بهم أولياءه؛ لأمر يريده من تمحيص هؤلاء الأولياء، وتطهير قلوبهم، وامتحان صبرهم على الحقِّ الذي هم عليه أُمناء، ويقرِّر ثالثًا: أنَّ حكمة الله الخالصة هي التي اقتضَت أن يترك لشياطين الإنس والجن أن يتشيطنوا، فهو إنَّما يبتليهم في القدر الذي ترَكه لهم من الاختيار والقدرة، وأن يدعهم يؤذون أولياءه فترة من الزمان، فهو إنما يَبتلي أولياءه كذلك لينظر: أيصبرون؟ أيثبُتون على ما معهم من الحقِّ، بينما الباطل ينتفش عليهم ويستطيل؟ ويقرِّر لنا رابعًا: هوان الشياطين من الإنس والجنِّ، وهوان كيدهم وأذاهم، فما يستطيلون بقوَّة ذاتية لهم، وما يملكون أن يتجاوزوا ما أذن الله به على أيديهم، والمؤمن الذي يَعلم أن ربَّه هو الذي يقدر، وهو الذي يأذن - خليقٌ أن يَستهين بأعدائه من الشياطين؛ مهما تَبلغ قوتهم الظاهرة، وسلطانهم المدَّعى، ومن هنا جاء هذا التوجيه العُلوي لرسول الله الكريم صلى الله عليه وسلم: ? فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ? [الأنعام: 112]؛ دَعْهم وافتراءهم؛ فأنا من ورائهم قادر على أخذهم، مدَّخر لهم جزاءهم.




والتقرير الخامس المهم في العرض لهذه الصورة من الصِّراع: هو ما نلمسه في قوله تعالى: ? وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ? [الأنعام: 113]؛ أي: لتستمع إلى ذلك الخِداع والإيحاء قلوبُ الذين لا يؤمنون بالآخرة، فهؤلاء يحصرون همَّهم كله في الدنيا، وهم يرون الشياطين في هذه الدنيا يقفون بالمرصاد لكلِّ نبي، وينالون بالأذى كلَّ نبي، ويزين بعضهم لبعض القولَ والفعل، فيخضعون للشياطين معجبين بزخرفهم الباطل، ومعجبين بسلطانهم الخادِع، ثم يكسبون ما يكسبون من الإثم، والشرِّ، والمعصية، والفساد، في ظلِّ ذلك الإيحاء، وبسبب هذا الإصغاء[12].




فهذه جملة من التقارير أوقفنا عندها النص؛ حتى نعرف كيف تدور رَحى المعركة مع الباطِل، والمشهد الذي يَرسمه القرآن لهذه المعركة يتمثل في أنَّها (معركة تتجمَّع فيها قوى الشر في هذا الكون؛ شياطين الإنس والجن، تتجمَّع في تعاون وتناسق؛ لإمضاء خطَّة مقرَّرة، هي عداء الحق الممثل في رسالات الأنبياء وحربُه، خطَّة مقررة فيها وسائلها؛ ? يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ? [الأنعام: 112]، يمدُّ بعضهم بعضًا بوسائل الخِداع والغواية، وفي الوقت ذاته يغوي بعضهم بعضًا! وهي ظاهرة مَلحوظة في كلِّ تجمُّع للشرِّ في حرب الحق وأهله.. إنَّ الشياطين يتعاونون فيما بينهم، ويعين بعضهم بعضًا على الضَّلال أيضًا! إنَّهم لا يَهدون بعضهم البعض إلى الحقِّ أبدًا، ولكن يزيِّن بعضهم لبعض عداء الحق، وحربه، والمضي في المعركة معه طويلًا)[13].




وقريب من هذه الصورة من الصِّراع وضمن هذا الإطار: قوله تعالى: ? وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ? [الحج: 52]، لهذه الآية قصَّة طويلة، وفيها خِلاف كبير، وهي ما يُعرف بقصَّة الغرانيق، ولن أدخل في تفاصيلها من حيث الصحة وعدمها؛ فإنَّ ذلك يُرجع إليه في مظانِّه، والمهم أن الآية تصوِّر لنا عداوةَ الشيطان المتحكمة للأنبياء وأتباعهم؛ فهذا النَّبي ما أن يتمنَّى هداية قومه، أو يقرأ أمرًا، أو يحدِّث حديثًا، إلَّا ? أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ?؛ بأن يحاول تَغيير حديثه وتحريفه، أو بأن يحاول الوسوسةَ في قلب ذلك النَّبي بأن يجعله يَيئس من هداية قومه، أو في قلب الناس بأن يأمرهم بالكذب والعصيان، فيروج في نفوسهم الشكوكَ والشبهات التي تصدهم عن الهدى؛ وذلك قريب من زخرفة القول الذي يتنمَّق الشيطان بإلقائه على مَسامع الناس؛ ليَنصرفوا عن طريق الحقِّ، فكأنَّ هذه الآية مع التي قبلها تشكِّل بناء فنيًّا متكاملًا لإعطاء الصورة الحقيقية للصِّراع مع الشيطان[14].




ثمَّ يَنسخ الله ذلك؛ بأن يَفضح كلام الشيطان ووسوسته، ويُحكِمُ آياته؛ بأن يزيدها وضوحًا وبرهانًا يخلصها من الباطل الذي علق بها عن طريق وسوسة الشيطان، وهذه الآية كأنَّها إفصاح وبيان لِما ورد في الصورة السَّابقة من صور الصِّراع الشيطاني عند قوله تعالى: ? فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ? [الأنعام: 112]، فهذه الآية كأنَّها تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: اتركهم ولا تبالِ بخِداعهم وأكاذيبهم؛ فإنَّ الله يُحكم آياته؛ بأن يزيدها وضوحًا وبرهانًا، ويخلصها من الباطل[15].




مرة أخرى يعرض لنا النصُّ لوحةً فنيَّة تدلُّ على تكامل البناء الفنِّي للنص القرآني، وأنَّه يكمل بعضه البعض الآخر، ويوضح بعضه البعض الآخر، سواء أكان ذلك من الناحية الفنيَّة أم من الناحية الفكرية، ولا يخفى أنَّ في هذه الآية تثبيتًا للرسول محمد صلى الله عليه وسلم وتسليةً؛ وذلك حين يعلم بأن ما يَحصل له من العناد والتكذيب، وما يلقيه الشيطان من التحريف والتبديل - قد حصل لغيره من الأمم السابقة، وقد أفاد ذلك عموم قوله: ? مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ?؛ وهذا من شأنه أنه ان بيعد اليأس عن قلبه (أن يبعد اليأس عن قلبه صلى الله عليه وسلم، وأن يكون حافزًا له على زيادة ما كلِّف به من الدعوة إلى الله، والصبر على الأذى في ذلك)[16].




فالآية تبيِّن لنا بوضوح (أنَّ الأنبياء والرسل يرجون اهتداء قومهم ما استطاعوا؛ فيبلِّغونهم ما ينزل إليهم من الله، ويعظونهم ويدْعونهم بالحجَّة والمجادلة الحسنة، حتى يظنوا أنَّ أمنيَّتهم قد نجحت، ويقترب القوم من الإيمان؛ كما حكى الله عن المشركين قولهم: ? أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا * إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا ? [الفرقان: 41، 42]، فيأتي الشيطان فلا يزال يوسوس في نفوس الكفار، فينكصون على أعقابهم، وتلك الوساوس ضروب شتَّى؛ من تذكيرهم بحبِّ آلهتهم، ومن تخويفهم بسوء عاقبة نَبذ دينهم، ونحو ذلك من ضروب الضَّلالات التي حُكيَت عنهم في تفاصيل القرآن، فيتمسَّك أهل الضلالة بدينهم، ويصدون عن دعوة رسلهم؛ وذلك هو الصبر الذي في قوله: ? لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا ?، وكلَّما أفسد الشيطان دعوةَ الرسل، أمَر الله رسلَه فعاوَدوا الإرشاد وكرَّروه، وهو سبب تكرار مواعظ متماثلة في القرآن، فبتلك المعاودة ينسخ ما ألقاه الشيطان، وتثبت الآيات السالفة)[17].




إنَّ طريق إلقاء الشُّبه وتزوير الحقائق إحدى طُرق الشيطان في الصدِّ عن سبيل الله، وهذه الشُّبه لا تفعل فعلها إلَّا عند ضعاف الإيمان، أو مَن كان الجهل ضاربًا أطنابه لديه؛ لأن مَن كان إيمانه قويًّا، ومن كان لديه علم، فإن الشيطان لا يتمكَّن من صدِّ هذا عن الحق مهما أوتي من قوَّة؛ لشدَّة حفظ الله تعالى لهذا؛ ولذلك قال تعالى: ? لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ? [الحج: 53]؛ أي: فتنة لمن في قلبه مرَض بسبب ضعف الإيمان[18].




أي: إنَّ هؤلاء يعانون من (ضعف، وعدم إيمان تام وتصديق جازم، فيؤثِّر في قلوبهم أدنى شبهة تَطرأ عليه، فإذا سمِعوا ما ألقاه الشيطان داخَلهم الريب والشك، فصار فتنة لهم، ? وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ?؛ أي: الغليظة التي لا يؤثر فيها زجر ولا تذكير، ولا تفهم عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم لقسوتها، فإذا سمعوا ما ألقاه الشيطانُ، جعلوه حجَّةً لهم عن باطلهم، وجادلوا به وشاقُّوا الله ورسولَه)[19].




إنَّها صورة نفسيَّة شاخصة لحال هؤلاء الذين يتقبَّلون الشبه، ويجعلون ما يلقيه الشيطان حجَّةً، فهؤلاء صنفان من الناس: ضعيف مريض القلب تؤثِّر فيه أدنى شبهة تَطرأ عليه، وصنف قاسي القلب، لا يؤثِّر فيه زجر ولا تذكير؛ وبهذا التصنيف تظهر الصورة الفنية واضحة جليَّة، إنَّه اختبار لقلوب النَّاس في إيمانهم.




وهاك صورة أخرى لهذا الصِّراع وضمن نفس الإطار؛ إطار المجادلة بالباطل والصد عن طريق الحق، قال تعالى: ? وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ ? [الحج: 3]، إنَّ النص يتحدَّث عن فريق من المنحرفين، ممَّن ينطلِق من نزعة مرَضية، هي (المجادلة) والعناد، ونحن نعرف أنَّ المجادلة بغير علم هي تعبير عن الالتواء النفسي، إنَّها تغطية أو قناع لما تتستَّر به الشخصية من أحاسيس النقص والشعور بالدونيَّة، وما يستتبع ذلك من الصراعات التي تبحث لها عن منفذ إلى الخارج، فتلجأ حينئذٍ إلى أحد أشكال التعبير عن المرض؛ ألا وهو الجدال بغير علم، إنَّ النصَّ يتناول هذا النمط من النَّاس، ويقرِّر بأن هؤلاء يجادلون في الله بغير عِلم، ويتَّبعون كل شيطان مريد؛ أي: متعرٍّ من الخيرات؛ من قولهم: شجَر أمرد: إذا تعرَّى من الورق، ومنه قيل: رملة مرداء؛ لم تنبِت شيئًا[20]؛ فهذا التوصيف للشيطان يتناسب مع طَبيعة هؤلاء الذين يجادِلون متعرين من العلم؛ لأنَّهم اتَّبعوا الشيطانَ الذي هو متعرٍّ من كلِّ خير وعلم[21].




فهل رأينا كيف وافق القرآن بين حال هؤلاء وحال شيطانهم، إنَّها صورة فنيَّة قرآنية رائعة، تدلُّ على التناسق الفنِّي للنصِّ القرآني، ثم يقول النصُّ القرآني عن هؤلاء المرضى بأنهم إذا تولَّوا الشيطان فإنه سيضلهم ويوصلهم إلى عذاب السَّعير، وهذا الجزاء هو نَتيجة لِما قدَّمَت أيديهم؛ لأنهم اتَّخذوا الشيطانَ المريد دليلًا وهاديًا لهم، فأوصلهم إلى هذه النتيجة.




إذًا، الصور السَّابقة من الصِّراع كانت تتحرَّك ضمن إطار الجدل بالباطل، والصد عن طريق الحق، بمحاولة إلقاء الشُّبه والشكوك حولَ الحق وأهله، والآن ننتقل إلى إطار آخر تحرك فيه الشيطان لتنفيذ خطَّته الشيطانية في الإضلال.




[1] ينظر: جامع البيان؛ الطبري - ج (8)، ص (16 - 17)، وفتح القدير - الشوكاني ج (2)، ص (158)، وسنن الترمذي ج (5)، ص (263)، وقال: حسن غريب.

[2] ينظر: جامع البيان؛ الطبري ج (8)، ص (5).

[3] ينظر: المفردات؛ الراغب الأصفهاني، ص (515)، ومختار الصحاح، ص (297).

[4] أبو زميل: سماك بن الوليد الحنفي اليمامي ثم الكوفي، ليس به بأس، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، والأربعة في السنن؛ ينظر: تقريب التهذيب، ص (256)، رقم الترجمة (28).

[5] جامع البيان - ج (8)، ص (20).

[6] ينظر: أهداف التربية الإسلامية؛ د. ماجد عرسان الكيلاني - ص (349)، والاتباع: أنواعه وآثاره في بيان القرآن؛ محمد بن مصطفى السيد - مؤسسة: صلاح السليم - ط 1 - 1423هـ - 2002 م ج (2)، ص (529).

[7] التحرير والتنوير - ج (8)، ص (41).

[8] ينظر: المفردات - ص (212)، والجامع لأحكام القرآن؛ القرطبي - ج (7)، ص (67)، وتفسير ابن كثير ج (2)، ص (167)، وتفسير القاسمي ج (7)، ص (688، 689).

[9] ينظر: دراسات فنية في صور القرآن؛ د. محمود البستاني - ص (172، 173).

[10] بدائع التفسير الجامع لتفسير ابن قيم الجوزية - جمع: يسري السيد محمد، طبعة دار ابن الجوزي - الدمام - ط1 - 1414 هـ - 1993 م ج (2)، ص (174).

[11] بصائر الحق في سورة الأنعام - عبدالحميد طهماز - ص (107).

[12] ينظر: في ظلال القرآن؛ سيد قطب - م3، ص (1190)، وينظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان؛ عبدالرحمن بن ناصر السعدي - ص (270).

[13] في ظلال القرآن - م3، ص (1190).

[14] ينظر: التفسير الكبير؛ الرازي ج (23)، ص (45)، والكشاف؛ الزمخشري ج (3)، ص (167)، والاتباع أنواعه وآثاره في بيان القرآن؛ محمد بن مصطفى السيد - ج (2)، ص (521، 522).

[15] ينظر: أضواء البيان؛ الشنقيطي ج (5)، ص (285 - 286).

[16] ينظر: الاتباع أنواعه وآثاره في بيان القرآن - ج (2)، ص (522).

[17] التحرير والتنوير؛ ابن عاشور - ج (17)، ص (300).

[18] ينظر: إرشاد العقل السليم ج (6)، ص (114)، واختصار النكت - ج (2)، ص (362)، وأضواء البيان؛ الشنقيطي - ج (5)، ص (288).

[19] تيسير الكريم الرحمن؛ ابن السعدي، ص (542).

[20] المفردات في غريب القرآن؛ الأصفهاني - ص (466).

[21] ينظر: إرشاد العقل السليم ج (6)، ص (92)، واختصار النكت ج (2)، ص (344)، ودراسات فنية في صور القرآن؛ د. محمود البستاني - ص (402 - 403).


"
شارك المقالة:
1 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook