الحاجة إلى الدعوة إلى الله تعالى في الواقع المعاصر

الكاتب: المدير -
الحاجة إلى الدعوة إلى الله تعالى في الواقع المعاصر
"الحاجة إلى الدعوة إلى الله تعالى في الواقع المعاصر

 

مما تميزت به الدعوة إلى دين الإسلام وأدى إلى قبولها، أنه توفر لها من العوامل ما لم يتوفر لغيرها من الدعوات الأخرى، وذلك لما اعتمدت عليه من أدلة الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وأصول الدين الإسلامي لا يأتيها الباطل، وقد تضمنت أدلتها أقوى أسباب الإقناع العقلية والفطرية والشرعية، كل ذلك جعلها تنتشر في أرجاء الأرض المعمورة وتتقبلها الشعوب، في فترة وجيزة لم يعرف لها نظير في تاريخ الدعوات الباطلة السابقة واللاحقة.

 

ومقام الدعوة في الإسلام عظيم، بل هي أساس من أسس انتشارهِ، وركن من أركان قيامه، قال تعالى: ? قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ? [يوسف: ???]، فلولا الدعوة إلى الله لما قام دين، ولا انتشر إسلام، وبالدعوة إلى الله تعالى يُعبَد الله وحده، ويهتدي الناس، فيتعلمون أمور دينهم، من توحيد ربهم، وعبادته، وأحكامه من حلال وحرام، ويتعلمون حدود ما أنزل الله، وبالدعوة إلى الله تعالى: تستقيم معاملات الناس، من بيع وشراء، وعقود، ونكاح، وتصلح أحوالهم الاجتماعية والأسرية، وبالدعوة إلى الله تعالى تتحسن أخلاق الناس، وتقل خلافاتهم، وتزول أحقادهم وضغائنهم، ويقل أذى بعضهم لبعض، وإذا ما قامت الدعوة على وجهها الصحيح، واستجاب الناس لها، تحقق للدعاة وللمدعوين سعادة الدنيا والآخرة، وإذا استجاب الناس للدعوة، وعملوا بالشريعة، حُفظت الأموال، وعصمت الدماء، وصينت الأعراض، فأمن الناس على أنفسهم، واطمأنوا على أموالهم وأعراضهم، وانتشر الخير، وانقطع الفساد، وكل ذلك لا يتم إلا بالدعوة إلى الله عز وجل، لذلك كان للدعوة في الإسلام، الحُظوة الكبرى، والقِدْح المعلاّ، والفضل العظيم، وكانت وظيفة الأنبياء الأولى، فالدعوة إلى الله، شرف عظيم، ومقام رفيع، وإمامة للناس، وهداية للخلق، فضلاً عما ينتظر الداعين في الآخرة من أجر عظيم، ومقام كريم. [1] .

 

وتبرز الحاجة إلى الدعوة إلى الله تعالى في الواقع المعاصر كما في النقاط التالية:

1- الناس في حاجة إلى من يبين لهم ما أمر الله به ليقيم الحجة عليهم وهذه من مهام الرسل عليهم الصلاة والسلام، إذ لا عقوبة دون نذارة، قال تعالى: ? وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ? [الإسراء: 15].[2]

 

2- قطع الطريق على أهل الشر والمعاصي الذين يودون أن يشيع الفساد في المجتمع ليكون الجميع سواء من باب: ? وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ? [النساء: 89] ولذلك فهم يتعاونون فيما بينهم: ? الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ? [التوبة: 67] فلابد من تعاون أهل الإيمان على الخير لينتشر الخير وتعم الفضيلة: ? وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ? [التوبة: 71].[3].

 

3- وجود الانحرافات والانتهاكات والنقائص والعيوب في المجتمعات البشرية كفشو الشرك وشيوع الإلحاد وإهدار القيم الروحية مما تسبب عنه تدهور الأخلاق ونضوب معين الفضائل.

 

4- تفرق المجتمعات البشرية في هذا العصر واختلافها إلى مذاهب شتى، وطرق متنوعة، وسبل متعددة، وأفكار واتجاهات لا تحصى في مسارب الحياة، وطرائق التفكير، ونماذج العيش والاجتماع. [4]




5- العقول البشرية لا تستطيع وحدها إدراك مصالحها الحقيقية التي تكفل لها السعادة في الدنيا والأخرة، كما أنها لا تهدي وحدها إلى أن تميز الخير من الشر، فكثيرًا لها ما يبدو لها الشر في لباس الخير فتقع فيه، وكثيرًا ما ظهر لها الخير في صورة الشر فأعرضت عنه.

 

ويقرر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني أن العناية بأسلوب الموعظة الحسنة بين الترغيب والترهيب في دعوة الناس إلى الخير بترغيبهم في أعمال البر والإحسان وتحذيرهم من الشر والمعاصي وترهيبهم منه، وينوّع بينهما في الأسلوب بحسب ما يقتضيه الحال والخطاب العلمي والدعوي مع مراعاة حال المدعوين في ذلك كما بيّن ذلك في كتاب: سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، حيث قال معلقًا على حديث: اذهب بنعلي هاتين؛ فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه؛ فبشره بالجنة بقوله: (وفي الحديث توجيه سديد للدعاة أن لا يحدثوا بأحاديث الترغيب والترهيب إلا مع بيان المراد منها بالتفصيل خشية أن يساء فهمها فيتكلوا، فيبين مثلًا: أن الشهادة لله بالوحدانية يجب أن تفهم جيدًا، بحيث تمنع قائلها من عبادة غير الله بأي نوع من أنواع العبادات المعروفة. وأن من شهد بها وقصّر بالقيام ببعض الأحكام الشرعية، أو ارتكب بعض المعاصي؛ فذلك لا يعني أنه لا يستحق أن يعذب عليها؛ إلا أن يغفر الله له). [5].

 

ويقرر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني إلى محاربة البدع بكشفها والتحذير من الوقوع فيها وتوضيح أسباب حدوثها كما بيّن ذلك في كتاب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم كما رواها جابر رضي الله عنه بقوله: (واعلم أن البدع التي ستمر بك على نوعين: بدع وجدت من نص على بديعتها من أهل العلم في كتبهم، فهذا العلامة عليه عزوها إليهم. وهذا النوع هو الأكثر. والآخر: بدع لم أجد من نص على بديعتها ولكن السنة أو القواعد العلمية الأصولية تحكم ببدعيتها. فهذا الدليل عليه خلوه من العزو. ومرجع هذه البدع إلى أمور:

الأول: أحاديث ضعيفة لا يجوز الاحتجاج بها ولا نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومثل هذا لا يجوز العمل به عندنا على ما بينته في مقدمة صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وهو مذهب جماعة من أهل العلم كابن تيمية وغيره.

 

الثاني: أحاديث موضوعة، أو لا أصل لها، خفي أمرها على بعض الفقهاء فبنوا عليها أحكامًا هي من صميم البدع ومحدثات الأمور.

 

الثالث: اجتهادات واستحسانات صدرت من بعض الفقهاء خاصة المتأخرين منهم، لم يدعموها بأي دليل شرعي، بل ساقوها مساق الأمور المسلمات، حتى صارت سنن تتبع، ولا يخفي على المتبصر في دينه أن ذلك مما لا يسوغ اتباعه إذ لا شرع إلا ما شرعه الله تعالى وحسب المستحسن -إن كان مجتهدًا- أن يجوز له هو العمل بما استحسنه وألا يؤاخذه الله به، أما أن يتخذ الناس ذلك شريعة وسنة فلا، ثم لا. فكيف وبعضها مخالف للسنة العملية.

 

رابعًا: عادات وخرافات لا يدل عليها شرع ولا يشهد لها عقل، وإن عمل بها بعض الجهال واتخذوها شرعة لهم، ولم يعمدوا من يؤيدهم ولو في بعض ذلك ممن يدعي العلم ويتزيا بزيهم. ثم ليعلم أن هذه البدع ليست خطورتها في نسبة واحدة، بل هي على درجات بعضها شرك وكفر صريح وبعضها دون ذلك، ولكن يجب أن نعلم أن أصغر بدعة يأتي الرجل بها في الدين هي محرمة بعد تبين كونها بدعة، فليس في البدع – كما يتوهم البعض-ما هو في رتبة المكروه فقط، كيف ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار أي صاحبها. وقد حقق هذا أتم تحقيق الإمام في كتابه العظيم الاعتصام ولذلك فأمر البدعة خطير جدًا ولايزال أكثر الناس في غفلة عنه، ولا يعرف ذلك إلا طائفة من أهل العلم، وحسبك دليلاً على خطورة البدعة قوله صلى الله عليه وسلم: أن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته رواه الطبراني والضياء المقدسي في (الأحاديث المختارة) وغيرهما بسند صحيح وحسنه المنذري). [6]

 

أسأل الله تعالى لنا ولكم التوفيق والسداد والقبول

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين




[1] انظر: مقومات النجاح في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، سيف النصر علي عيسى، ص19.

[2] انظر: الدعوة، حمد بن ناصر العمار، ص 54.

[3] انظر: الدعوة، حمد بن ناصر العمار، ص 32.

[4] انظر: الأسس العلمية لمنهج الدعوة الاسلامية، عبدالرحيم المغذوي، ص 53.

[5] انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، الشيخ الألباني، 7/ 1709.

[6] انظر: حجة النبي صلى الله عليه وسلم كما رواها جابر رضي الله عنه، الشيخ الألباني، ص 101-103.


"
شارك المقالة:
1 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook