الحاجة لتطبيق معيار الكفاءة الشخصية في الأعمال الدعوية

الكاتب: المدير -
الحاجة لتطبيق معيار الكفاءة الشخصية في الأعمال الدعوية
"الحاجة لتطبيق معيار الكفاءة الشخصية في الأعمال الدعوية




إذا كان التفرد بالرأي مرغوبًا عنه في الحكم والسياسة، فهو كذلك في العمل الإداري، بغض النظر عن طبيعة هذا العمل، سواء كان عملًا دعويًّا أو غير دعوي، والناظر في إدارة العديد من الكيانات الدعوية يلحظ وجود هذا الداء داخلها، وهم يتفاوتون فيه بين مستقلٍّ ومستكثر، وهم أولى الناس بالبعد عنه، وأبرز مظاهر هذا المرض أن يتولى إدارة الكيان الدعوي شخص أو مجموعة أشخاص لفترة زمنية طويلة، قد تطول هذه الفترة إلى حين بلوغ الروح الحلقوم، وهنا فقط تتغير إدارة ذلك الكيان، وتتبدل قيادة هذا العمل، والواقع - وبكل أسًى - يشهد بانسحاب هذا المظهر على مختلف الكيانات الدعوية، سواء كانت سياسية، أو اجتماعية، أو علمية، أو خيرية، أو تربوية.

 

إن صلاح شخص أو أشخاص لا يلزم منه بالضرورة إجادتهم لقيادة العمل الدعوي، لا سيما إذا انقضت فترة طويلة وهم يعملون على إدارة الكيان؛ بحيث تبقى الإدارة كما هي لسنوات، فينشأ صغير هذا الكيان أو ذاك، ويهرم كبيرهم وهم لا يعرفون سوى زيد من الناس، يتمحورون حوله، ويدورون حيث دار، بل ويتحرجون من مناقشة العديد من القرارات التي يتخذها دون أي استشارة لفريق العمل الذي معه، والأمر برمَّته متعلق بالمصلحة كما الواقع يشهد، والمصلحة تقتضي أن تتغير الإدارة بين فترة وأخرى؛ من أجل ضخ دماء جديدة في الكيان الدعوي، دماء تستطيع أن تستوعب المستجدات في الساحة، وتقود عملًا دعويًّا قدرُه أن يكون قائمًا وسط فتن تموج، واضطرابات لا تهدأ، تقوده باحترافية بحيث توصله إلى بر الأمان.

 

إنني أزعم أن تقوى الشخص وإخلاصه لله في عمله، تجعله يتنازل عن المنصب في حال وُجِد مَن هو أكفأ منه، بل إن تقواه وإخلاصه يجعلانه يسعى طوال تبوُّئه هذا المنصبَ أو ذاك، يسعى إلى تهيئة من ينوب عنه، لا أقول بعد وفاته، بل أثناء حياته؛ حتى يطمئن أن العمل للدعوة سيبقى به أو بغيره، وليس أن يتحرج أحد في مناقشته في بعض قراراته، وكأنها ملزمة، وهي محض آراء، ولكن عليه حينئذٍ أن يهيئ الشخص الأكفأ للإنابة، وليس الأقرب من أهله وخلانه، فهذا نوع فساد، وإن بدا في الظاهر أنه ليس كذلك، وقد شاهدنا من كان موصوفًا عند الناس بالديانة والورع، فحين لاح له منصب وتولاه، استناب من يلوذ به من أولاده وأقاربه، وإن كان بعض من استنابه صغيرَ السن، قليل العلم، سيئ الطريقة[1]، وفي المقابل على جميع العاملين في حقل الدعوة أن يتربوا على أن يكونوا نصَحَة، فالمؤمنون نصحة، والمنافقون غششة[2]، ومن النُّصح أن يطلب الشخص المؤهل قيادة العمل وإدارته، فالذي أهَّل يوسف عليه السلام أن يطلب منصب الوزارة ليس كونه فلان ابن فلان، وإن كان هو كذلك؛ لأنه نبي ابن نبي ابن نبي، ولكن الذي أهَّله هو المهارات التي يمتلكها، والمتمثلة في قدرته على إدارة الموارد الاقتصادية بكفاءة، في وقت شحَّت فيه الموارد: ? قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ? [يوسف: 55]، ومثله موسى عليه السلام حين قالت عنه ابنة الرجل الصالح: ? إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ? [القصص: 26]؛ قال ابن مسعود رضي الله عنه: لو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله، تبلغه الإبل لركبتُ إليه[3]، وهذا القول يدل على جواز ثناء الإنسان على نفسه للمصلحة[4].

 

ولذلك من الخطأ ومن الورع البارد ترك إدارة العمل الدعوي تترهل أمام الناظرين، والسكوت على الإدارة غير المؤهلة بدعاوى أو حجج والتي لا تعدو – في أحسن أحوالها – أن تكون وجهات نظر وآراء بشرية يعتريها النقص والخطأ، فإذا تبين للجميع أن مثل هذا الرأي غير صالح، وأن العمل الدعوي لم يتقدم إبان هذه الإدارة أو تلك، فيجب عندئذٍ ترك هذا الرأي، والنظر فيما فيه مصلحة العمل الدعوي دون التفات لأي اعتبار آخر.

 

ينبغي أن تكون مصلحة الدعوة صوب أعين العاملين في الحقل، لا غيرها من أمور دنيوية؛ بحيث يتمثلون قول أنبياء الله ورسله: ? وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ? [الشعراء: 109]، يتمثلونها في الحال والمقال، فالله تعالى هو الذي اختارهم لهذه المهمة الشريفة، فمن واجب الشكر لهذه النعمة، أن تؤدَّى كما ينبغي، بل إن عدم طلب الأجر هي أبرز صفات الأنبياء والمرسلين، التي كان الأتباع يرونها متمثلة فيهم؛ كما قال صاحب يس: ? اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ? [يس: 20]، ثم وصفهم بـ? اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا ? [يس: 21]، وهذه الصفة من أدعى الصفات – إن لم تكن الأدعى - التي تزيد من أتباع الدعوة وأنصارها، وبقدر غيابها يقل الأتباع والأنصار، وتاريخ الدعوة الإسلامية قديمًا وحديثًا يشهد بصحة ذلك؛ إذ كيف يثق الناس في دعوةٍ أصحابُها مغرمون بحب الظهور، وتبوُّء المناصب والتفرد بالرأي، وينازع بعضهم بعضًا في ذلك؛ يقول الأستاذ خير الدين وانلي متحدثًا عن أهمية الاعتناء بالقائمين على أحد الكيانات الدعوية عند المسلمين وهو المسجد: ولا يمكن للمسجد أن يقاوم السينما والمدارس التبشيرية واللادينية، إلا إذا كان المسؤولون عنه ذوي مستوى عالٍ من الثقافة الإسلامية، والنخوة الإسلامية، والوعي الإسلامي، وإلا إذا حرصت وزارات الأوقاف الإسلامية على العناية بإعداد هؤلاء المسؤولين، وكلما كان المسؤولون عن المسجد محتسبين لوجه الله، كانت الفائدة منهم أكبر[5].

 

والمصلحة في مثل هذه الأمور تكمن في عدم المجاملات، والتخلي عن معايير تقويمية عفى عليها الزمن، بل الاعتماد على معايير صحيحة عقلًا وشرعًا، التي تكمن في تقديم الشخص ذي المؤهلات والخبرة دون سواه، وهذه المؤهلات والخبرات تتغير هي الأخرى بتغير الزمان والمكان، فمؤهلات اليوم ليست كمؤهلات الأمس، ومعايير الكفاءة في منطقة ما أو كيان معين قد لا تكون كذلك في منطقة أو كيان آخر، وقد وضع أهل الإدارة وعلماؤها معايير تقويمية للإدارة الناجحة، وأخرى للفاشلة أو المتعثرة، تم وضعها بعد دراسات تراكمية عبر السنين في إدارات مختلفة الطبيعة والأهداف، هذه المعايير ينبغي تطبيقها في الإدارات الدعوية، فهي تمثل الحد الأدنى المطلوب، رغم أن المأمول أكبر من تلكم المعايير، ومن أهم هذه المعايير - كما أسلفنا - وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ومدى إتقان العاملين في حقل الدعوة للمهام المنوطة بهم، وكذلك شفافية الإدارة في عملية التوظيف والإبعاد ونحوها من المعايير، ومنها – ولعله من أهمها - سعيُ إدارة العمل الدعوي في الحصول على شهادات الجودة، التي تمنحها الجهات ذات الاختصاص، فهي عادة لا تُمنح إلا لمن حقق عددًا من المعايير المطلوبة في هذا المجال، ومثل هذه الشهادات تجعل العمل الدعوي يضع قدميه على أرضية صلبة، تمكِّنه من منافسة الآخرين، وحصوله على ثقة الناس أكثر من ذي قبل، ناهيك عن كون العمل ينتقل من النمط التقليدي الفوضوي الضعيف في مخرجاته، إلى النمط المرن المنتج.

 

إن من الآثار المترتبة على عدم الاهتمام بمعيار الكفاءة في الأعمال الدعوية أن يتم إنشاء كيانات متعددة، وأعمال دعوية مكررة بنفس المكان وبنفس الزمان، قد يكون من المستحسن دمجها في إطار واحد بدلًا من تشتيت الجهود، وكذلك من النتائج عدم وجود دراسات توثيقية لمرحلة من مراحل العمل الدعوي أثناء هذه القيادة أو تلك، من أجل أن يستفيد منها من سيأتي من قيادات وإدارات جديدة للعمل أو الكيان، أما ما تصدره بعض الجهات من تقارير سنوية، فهذه وإن كانت جيدة، إلا أنها غالبًا ما تكون في ذكر المحاسن والمزايا، دون التقويم البنَّاء والنقد الهادف للأخطاء.

 

إن ما سبق لا يعدو أن يكون فردًا من أفراد إتقان العمل والأخذ بالأسباب التي أُمِرنا بها في قوله عليه الصلاة والسلام: ((إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه))[6]، وليس في هذا بدع من القول، فإن المهارات القتالية لدى خالد بن الوليد رضي الله عنه هي التي جعلت النبي صلى الله عليه وسلم يؤمِّره أكثر من مرة على الجيش والسرايا، بالرغم أنه ممن تأخر إسلامهم، ولم يولِّ أبا ذر الغفاري رضي الله عنه برغم تقدم إسلامه على خالد، بل نصحه بالبُعد عن الإمارة: ((يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة))[7]، وولى عليه الصلاة والسلام أسامة بن زيد رضي الله عنه على جيش كان فيه الشيخان، رغم صغر سنه، ولما سمع عليه الصلاة والسلام الأذان من عبدالله بن زيد رضي الله عنه، أمره أن يعلمه بلالًا ليكون هو المؤذن دونه؛ لأن مؤهلات بلال في هذا الجانب هي التي ينبغي أن تتقدم: ((إنه أندى وأمد صوتًا منك)[8]، وأسند مهمة كتابة الوحي لعدد قليل من أصحابه دون غيرهم؛ لِما يتمتعون به من كفاءة في هذا المجال أيضًا، وكان أولهم زيد بن ثابت، الذي أمره الرسول بتعلم لغة يهود، ولأنه كان صغير السن، وهذا أدعى للسرعة في التعلم، فقد استطاع أن يتعلمها في نصف شهر[9].

 

وهكذا كان تعامل خليفة رسول الله في إسناده مهمة جمع القرآن، وهو يعد من المشاريع الدعوية الضخمة جدًّا بالمصطلح المعاصر، فأسند هذه المهمة لزيد بن ثابت؛ لأن خبراته السابقة مع النبي الكريم تؤهله لأن يتولى هكذا مهمة؛ قال أبوبكر لزيد رضي الله عنهما: ((إنك رجل شاب عاقل، ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبَّع القرآن فاجمعه، قال زيد: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن... فقمتُ فتتبعتُ القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعُسُب وصدور الرجال))؛ الحديث[10]، فأبو بكر لم يسند هذه المهمة لزيد إلا لأنه كان أهلًا لها، وقد ذكر له أربع صفات مقتضية لخصوصيته بذلك: كونه شابًّا؛ لكونه أنشط لذلك، وكونه عاقلًا؛ لكونه أوعى له، وكونه لا يُتَّهم؛ لركون النفس إليه، وكونه كان كاتب الوحي؛ لكونه أكثر ممارسة له[11]، فأشار بقوله: (إنك رجل شاب) إلى حدَّة نظره، وبُعده عن النسيان، وضبطه وإتقانه، وبقوله: (عاقل لا نتهمك) إلى عدم كذبه، وأنه صدوق، وفيه تمام معرفته، وغزارة علومه، وشدَّة تحقيقه، وتمكنه من هذا الشأن[12].

 

أما عمر، فسيرته كلها ترجمة عملية لهذا الأمر، لا سيما فترة خلافته، فإنه كان ينتقي الولاة انتقاء ثم يحاسبهم إن وجد أي خروج عن سبيل الجادة، وكان يقول للناس: أشيروا عليَّ برجل لأوليه هذا الثغر، كما في توليته للنعمان بن مقرن قيادة معركة نهاوند بعد هزيمة الفرس في القادسية، وهو الذي أشار على أبي بكر أن يختار زيدًا لجمع القرآن في الأثر السابق، وكان يقدِّم ابن عباس رضي الله عنهما على أشياخ بدر؛ بسبب كفاءته العلمية، وفهمه العميق للقرآن، رغم صغر سنه؛ كما في تفسيره لسورة النصر[13]، وعندما تمنى أصحابه فعل الخيرات من إنفاق وجهاد، تمنى عمر رجالًا من ذوي الكفاءات من أمثال أبي عبيدة ومعاذ وحذيفة بن اليمان[14]، هذا لعلمه أن فعل الخيرات والجهاد والإنفاق لا يمكن أن يتم إلا بوجود إنسان متميز عن الآخرين، ولم تخلُ فترة خلافته من استحداث العديد من الأفكار الإبداعية التي لم تكن معروفة لدى العرب آنذاك، وأصبحت نموذجًا في الأعمال الإدارية[15].

 

ومن عجائب هذا الزمن أن الغرب استطاع أن يعيد صياغة معاييرنا الإسلامية والتي استعملها رسولنا وصاحباه، يصوغها في مسميات جديدة؛ مثل: الجودة، أو التطوير الإداري، أو أفضل الممارسات[16]، ونحوها، وصرنا نطالب الناس بالالتزام بها.

 

والخلاصة: إن الوضوح الذي صدر من الرسول الكريم مع كل من أبي ذر وخالد، وكذلك الصدق الذي صدر من أبي بكر مع زيد بن ثابت، ثم الشفافية من قبل عمر في جعل الأمر شورى في ستة من خيار الصحابة، ليس منهم ابنه، كل هذا ينبغي أن يكون أمام أعيننا، ومأخوذًا بعين الاعتبار، ونحن في معترك الأعمال الدعوية المختلفة، والبعد عن إسناد المهام أو توزيع الأدوار، حسب معايير خاطئة؛ كالعلاقات الشخصية، أو القرابة، أو الصداقة، بل الاهتمام لِما فيه مصلحة العمل الدعوي، ناهيك عن أن مثل هذه المقاييس لا تقطع أرضًا ولا تبقي ظهرًا، بل ستكون وعلى المدى البعيد عاملًا من عوامل هجرة الكفاءات والخبرات، فليس ثمة طريقة للتخلص من الكفاءات أقصر من طريقة يتولى الأسوأ أداء والأقل خبرة على ذي الكفاءة.




[1] اقتران الأموال والأولاد في القرآن، توفيق زبادي، البيان، 291.

[2] رُوي حديثا، ولا يصح.

[3] البخاري (5002)، ومسلم (2463).

[4] تفسير سورة الشعراء لابن عثيمين.

[5] المسجد في الإسلام، خير الدين وانلي، ص 227.

[6] الطبراني من حديث عائشة وصححه الألباني في الصحيحة (1113).

[7] مسلم (1825).

[8] الترمذي (189).

[9] الترمذي (2715).

[10] البخاري (4679).

[11] تحفة الباري = منحة الباري، لأبي يحيى السنيكي (10/ 220).

[12] إرشاد الساري للقسطلاني (4/ 774).

[13] البخاري (4294).

[14] فضائل الصحابة للإمام أحمد (1280)، بإسناد حسن، كما قال محقق الكتاب.

[15] ينظر: كتاب الإدارة الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب لفاروق مجدلاوي.

[16] Best practices


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook