الحرص على وحدة الجالية المسلمة ونبذ الفرقة

الكاتب: المدير -
الحرص على وحدة الجالية المسلمة ونبذ الفرقة
"من أهم ضوابط الخطاب الفقهي الموجه للأقليات المسلمة
الحرص على وحدة الجالية المسلمة ونبذ الفُرقة




إن وحدة المسلمين - خاصة من يعيشون كأقلية في الشرق أو الغرب - واجب وضرورة، فهي واجب شرعي دلت عليه الأدلة الشرعية، العامة والخاصة، وضرورة حياتية اقتضتها مصلحة المجتمعات والأقليات المسلمة.

 

فمن الأدلة التي تبرهن على وجوب وحدة أبناء الجالية المسلمة قوله تعالى: ? وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ? [آل عمران: 103]، وقوله تعالى: ? إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ? [الأنبياء: 92]، وقوله عز وجل: ? شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ?  [الشورى: 13].

 

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا))[1]، وقوله - صلى الله عليه وسلم - أيضًا: ((ترى المؤمنين في تراحمهم، وتوادهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو، تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى))[2]، ولا شك أن وحدة المجتمع المسلم من الأهداف والمقاصد العامة للشريعة الإسلامية.

 

بالإضافة إلى ذلك، فوحدة أبناء الجالية المسلمة ضرورة حياتية اقتضتها مصلحتهم العامة في الحفاظ على هويتهم المسلمة، وفي الحصول على حقوقهم القانونية في البلدان التي يقطنونها، وفي توطيد علاقاتهم الاجتماعية، وفي الحفاظ على ثقافاتهم وأعرافهم، وهذا آكد وسط التكتلات والتجمعات الدينية والسياسية والثقافية التي تحرص عليها المجتمعات المختلفة ببلدان أوربا وأمريكا وغيرها.

 

ولا يخفى أن كثيرًا من الجاليات الإسلامية بالغرب أو الشرق تخفق في المطالبة بحقوقها القانونية بسبب تفرقها واختلافها، فمثلًا يخفق المسلمون في المطالبة باعتبار أيام العيدين الفطر والأضحى إجازة رسمية للمسلمين في كثير من بلدان أوربا وأمريكا؛ وذلك بسبب اختلافهم في تحديد هذين اليومين، فمن أبناء الجالية من يتبع البلدان العربية كالسعودية ومصر في تحديد بداية رمضان والعيدين، ومنهم من يتبع قرارات المراكز والهيئات الإسلامية في أوربا أو أمريكا، مثل المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث بأوروبا، والمجلس الفقهي لأمريكا الشمالية.

 

وأذكر أنني تلقيت سؤالًا من أبناء الجالية المسلمة بولاية نفادا بأمريكا عام 2006 م، وقد قضيت معهم شهر رمضان في ذلك العام، حول تحديد بداية شهر رمضان، فنصحتهم بوحدة الصف واتباع قرار المجلس الفقهي لأمريكا الشمالية الذي أصدر بيانًا وقتها يحدد بداية ونهاية شهر رمضان وفق الحسابات الفلكية الصحيحة، ونهيتهم عن الفرقة والاختلاف، واستجاب أبناء الجالية لذلك بفضل الله تعالى.

 

من ثم، فمن الواجب على من يتصدى للخطاب الفقهي للأقليات المسلمة أن يحرص على تحقيق الوحدة بين أبناء الجالية المسلمة، وأن يتبنى ذلك كوسيلة من وسائل الترجيح بين الآراء الشرعية المختلفة لتحقيق المصلحة العامة للمجتمع المسلم.

 

وفي نفس الوقت، فلا يفوتني أن أتوجه بالنصح لأبناء الجاليات المسلمة بالغرب والشرق أن يتوحدوا خلف قياداتهم الدينية والفكرية من أجل المصلحة العامة للجالية المسلمة، وعليهم اتباع أئمتهم وقادتهم في الأمور التي يجتهدون فيها وينتقون من بين الآراء الفقهية الصحيحة، وذلك يتناغم مع القاعدة الشرعية التي تقرر أن رأي الإمام يرفع الخلاف، وحكم الحاكم في المسائل المختلف فيها يرفع الخلاف[3]، من ثم فلا ينبغي - بل لا يجوز - لعضو من أعضاء الجالية المسلمة أن يخالف المجتمع علانية في تحديد بداية شهر رمضان أو يوم الفطر أو الأضحى بأن يتبع قرارًا أو رأيًا يخالف الرأي الصحيح الذي ارتضته قيادة الجالية المسلمة؛ لما في ذلك من شق عصا وحدة الجالية، وإلحاق الضرر البالغ بهم وبصورة المسلمين أمام الرأي العام.

 

[1] رواه البخاري في الجامع الصحيح، رقم 476.

[2] رواه البخاري في الجامع الصحيح، رقم 5665.

[3] بدر الدين محمد بن بهادر الزركشي، المنثور في القواعد، 3 أجزاء، تحقيق د. تيسير فائق أحمد محمود، مراجعة د. عبدالستار أبو غدة، الطبعة الثانية (الكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية 1405 هـ - 1985 م) ج 2، ص 69.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook