الحكمة أحد أساليب الدعوة

الكاتب: المدير -
الحكمة أحد أساليب الدعوة
"الحكمة أحد أساليب الدعوة




الحكمة هي أهم أساليب الدعوة لبدء الله تعالى بها، ولأنها سبب في نجاح ما يليها من الأساليب، حيث لا يتصور نجاح أي أسلوب في الدعوة وهو عارٍ من الحكمة في استخدامه، والحكمة هي: (الإصابة في القول والعمل والاعتقاد، ووضع كل شيء موضعه بإحكام وإتقان)[1].

 

واستخدام أسلوب الحكمة يقتضي أن تكون الداعية مدركة لما حولها، مقدّرة للظروف التي تدعو فيها، مراعية لحاجات الطالبات ومشاعرهنّ، حتى تتمكن من الوصول إلى قلوبهنّ، وتلك هي الخطوة الأولى في بلوغ الدعوة أهدافها، كما أن الحكمة تجعل الداعية إلى الله تقدر الأمور قدرها، فلا تزهِّد الطالبات في الدنيا وهنّ في حاجة إلى النشاط والجد والعمل، ولا تعلمهنّ أحكام البيع والشراء وهنّ في مسيس الحاجة إلى تعلم الوضوء والصلاة[2].

متطلبات أسلوب الحكمة:

هناك عدة أمور يتطلبها أسلوب الحكمة لا بد للداعية من فهمها وتحلّيها بها، منها ما يأتي:

1- التأني والحلم والبعد عن الطيش والاستعجال:

مما يكسب الداعية الحكمة: تأنيها وحلمها على طالباتها، وابتعادها عن الاستعجال وردود الفعل غير المتزنة والمؤثرات النفسية التي قد تسبب الطيش والغضب، أو تسبب الغلو والتطرف، أو التردد وتغير الموقف والانتقال إلى ضد الفكرة دون نظر أو تأمل، وهذا يكون بالتفكير في نتيجة العمل وعاقبته، فإن العبرة دائما بالخواتيم، فالحكمة (جمال العلم، وأقرب الوسائل لحصول المقاصد، الحكمة تهون الصعاب، وبها تندفع العوائق، كم ندم عجول طائش، وكم أدرك المطلوب متأن رفيق، ولا تساس الولايات الكبار ولا الصغار بمثل الحكمة، ولا تختل إلا باختلال طريقها)[3].

 

2- الأخذ بالأسباب الملائمة:

إن الداعية الحكيمة تباشر الأسباب المباحة لتحقق أهدافها، وتبذل وسعها لتحقيق ما تريد، ولا تعجز أو تتواكل ثم تدّعي التوكل على الله، ومن النصوص الصريحة الواردة في مراعاة الأسباب جواب النبي - صلى الله عليه وسلم لمن سأله بقوله: (يا رسول الله، أرسل راحلتي وأتوكل؟ فقال: ((بل قيدها وتوكل))[4].

 

والداعية الحكيمة وسط في الأخذ بالأسباب، فهي لا تعطل الأسباب وتعرض عنها بدعوى التوكل على الله[5]، أو باعتقاد عدم نفعها لسبق القضاء[6]، وكذلك هي لا تتشبث بها بجوارحها وقلبها وتغفل عن مسببها وخالقها، ولا تعارض بين الأمرين، لأن (الأسباب لا يعتمد عليها العبد، بل يعتمد على الله، وإنما الأسباب وتوفرها فيها طمأنينة للقلوب، وثبات كل على الخير)[7].

 

والداعية مأمورة بأخذ الأسباب الملائمة المباحة، فهذا لأن الله تعالى أقام مظاهر الكون على أساس تعلق الأسباب بالمسببات، فإنه لا يحدث شيء في الكون إلا وله سبب أدّى إلى حدوثه، ولا يسري نظام في ظاهرة كونية إلا وله تعليل مادي أو غير مادي، أودعه الله في هذه الظاهرة الكونية كي تسير على نسق دقيق يدل على حكمته تعالى[8]، (وحتى الخوارق والمعجزات لا تنفك عن العمل والجهد البشري، فانظر إلى قصة نوح كيف أمره الله أن يصنع السفينة ويركبها مع المؤمنين، وإلى قصة مريم كيف أمرها الله أن تهز الجذع، وإلى قصة موسى كيف أمره الله أن يضرب بعصاه البحر، وإلى هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم، إن هذه المواقف رغم ما فيها من خوارق فإن الله تبارك وتعالى أمر البشر أن يأخذوا بالسبب)[9].

 

3- التفكير في سنن الله:

إن مما يُكسب الداعية الحكمة: التفكير في سنن الله تعالى في الأفراد والجماعات والأمم، فقد خلق الله تعالى هذا الكون وفق سنن ثابتة، وجعل أمور الناس وحياتهم تسير عليها، وسنة الله تعالى هي: (الطريقة المتبعة لمعاملة الله للبشر، بناء على سلوكهم وأفعالهم وموقفهم من شرع الله وأنبيائه، وما يترتب على ذلك من نتائج في الدنيا والآخرة)[10].

 

ومن السنن المهمة التي يجدر بالداعية التفكر فيها:

أ - حتمية التدافع بين الحق والباطل:

والمقصود بهذه السنة: الصراع بين الحق والباطل، ومحاولة تنحية أحدهما للآخر أو إزالته ومحوه بالقوة عند الاقتضاء، لما بينهما من اختلاف، كما قال تعالى: ? الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ?[11].

 

ولذلك فمن الطبيعي أن تجد المعلمة الداعية من يعارض دعوتها، ويشوش عليها، وقد يعمل على تفتيت جهودها أو تحجيم نشاطها، لأن الباطل له أهله الذين يناصرونه؛ كما أن للحق أهله الذين يذبّون عنه وينشرونه.

 

ب - سنة الله في نصر الدعاة إليه لا تتخلف أبدا:

لقد أخبر الله تعالى ووعد الدعاة والمجاهدين في سبيله بالنصر والعاقبة الحسنة، قال تعالى: ? وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ? [12]، ( وهذه سنة الله وعادته في خلقه، ما تقابل الكفر والإيمان في موطن فيصل إلا نصر الله الإيمان على الكفر، فرفع الحق ووضع الباطل)[13].

 

وإذا نظرت الداعية إلى أحوال المسلمين اليوم وأوضاع الدعوة إلى الله عز وجل في كثير من المجتمعات المعاصرة؛ وجدت المسلمين وقد ابتعدوا عن دينهم، واستغرقوا في شهواتهم، ولكن يقينها بنصر الله لدينه يثبت قدمها على طريق الدعوة ويبعد عنها اليأس والقنوط.

 

ج- تأخر استجابة بعض المدعوات أو إعراضهنّ:

فقد لا تقطف الداعية ثمار دعوتها بيدها، وقد لا ترى الاستجابة أمام ناظريها، فالهداية من الله تعالى، يأتي بها متى شاء، وحيث شاء عز وجل، فإذا أخلصت الداعية في قيامها بواجبها، لم تكن بعد ذلك مسئولة عن النتائج، فإذا لم تحصل على النتائج المرجوة كانت راضية النفس مطمئنة إلى ما كتبه الله من توفيق ونجاح وتيسير، فاستجابة الناس للدعوة خارجة عن إرادة الداعية، وهذه السنة مطردة حتى مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، (كم من أنبياء الله الكاملين الملتزمين لم تؤثر دعوتهم في أقرب أقاربهم، لم يستجب لنداء رسول الله نوح عليه السلام ابنه، كما لم يستفد من دعوة خليل الله إبراهيم عليه السلام أبوه، ولم تقبل قول نبي الله لوط عليه السلام زوجته، كما لم يحوّل نصح أكمل خلق الله تعالى محمد - صلى الله عليه وسلم ووعظه عمه أبا طالب إلى الإسلام، وكم من أنبياء الله الكاملين دعوا أقوامهم فما آمن معهم إلا قليل، بل منهم من لم يؤمن به أحد)،[14] يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: ((عُرضت علي الأمم فرأيت النبي معه الرُهيط[15]، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد))[16] فيكفي الداعية عزاء حينئذ أن بعض أنبياء الله-وهم صفوة الدعاة من الخلق- لم يُستجب لهم، ولم يؤاخذهم الله تعالى على ذلك.

 

د- وقوع الابتلاء والأذى على الداعية:

من السنن حدوث الابتلاء للدعاة قبل النصر والتمكين: فهذه سنّة الله في أهل العقيدة الصحيحة والدعوة السليمة، لا بد من البلاء والأذى، فطريق الجنة محفوف بالمكاره، كما أن طريق الدعوة محفوف بالابتلاء، قال الله تعالى: ? لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ? [17] ولن يثبت على هذه الدعوة إلا أصلب أصحابها عودا، وأصبرهم على العنت والبلاء، فتعز هذه الدعوة عليهم وتعلو بقدر ما يضحون في سبيلها.

 

ومن الخطأ أن يتطرق اليأس إلى قلب الداعية بسبب العقبات والصعوبات والمحن وشدتها، أو أن تضعف ثقتها في الله وتأييده والثقة في بلوغ الغاية المنشودة (فالله تعالى يهدي الرسل واتباعهم وينصرهم على أعدائهم، ولو كانوا من أقوى الأعداء، فعلينا أن لا نيأس لكثرة الأعداء وقوة من يقاوم الحق، فإن الحق كما قال ابن القيم:

الحق منصور وممتحن فلا = تعجب فهذي سنة الرحمن

 

فلا يجوز لنا أن نيأس، بل علينا أن نطيل النفَس، وأن ننتظر وستكون العاقبة للمتقين، فالأمل دافع قوي للمضي في الدعوة والسعي في إنجاحها، كما أن اليأس سبب للفشل والتأخر في الدعوة)[18].

 

[1] الحكمة في الدعوة إلى الله: سعيد القحطاني ص 30.
[2] ينظر: أسس الدعوة وآداب الدعاة: د. محمد الوكيل ص 65.
[3] الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة: الشيخ عبد الرحمن السعدي ص 94.
[4]المستدرك على الصحيحين، كتاب معرفة الصحابة 3/ 623 واللفظ له، وسنن الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب 60ح2517، وقال: هذا حديث غريب، وقد سكت عنه، وقال الإمام الذهبي : سنده جيد.
[5] وعن هذا الصنف يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ( وهذا وأمثاله من قلة العلم بسنة الله في خلقه وأمره، فإن الله خلق المخلوقات بأسباب، وشرع للعباد أسبابا ينالون بها مغفرته ورحمته وثوابه في الدنيا والآخرة، فمن ظن أنه بمجرد توكله مع تركه ما أمر الله به من الأسباب يحصل مطلوبه، وأن المطالب لا تتوقف على الأسباب التي جعلها الله أسبابا لها؛ فهو غالط) مجموع الفتاوى 8/ 530.
[6] لتفنيد هذه الدعوى ينظر: ولاية الله والطريق إليها: إبراهيم إبراهيم هلال من ص 492-499، وهو تحقيق كتاب قطر الولي على حديث الولي للإمام الشوكاني، دار الكتب الحديثة، مصر، ط:بدون، ت: بدون.
[7] تفسير الشيخ السعدي ص 114.
[8] ينظر: المصيبة وقانون السببية: عبد الحكيم بحلاق ص 7، دار الإرشاد، حمص ط:1، 1399هـ/ 1979م.
[9] تربية الشباب: محمد الدويش ص 102.
[10] السنن الاهية في الأمم والأفراد والجماعات: د. عبدالكريم زيدان ص 13.
[11] سورة النساء: جزء من آية 76.
[12] سورة الفتح: الآيتان 22-23.
[13] تفسير ابن كثير 7/ 323.
[14] شبهات حول الاحتساب: د. فضل إلهي ظهير ص23، إدارة ترجمان الإسلام، باكستان، ط:6، 1420هـ/ 1999م.
[15] الرهيط: تصغير كلمة رهط، وهو دون العشرة ، ينظر: شرح صحيح مسلم للنووي 3/ 94.
[16] صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب 1/ 199ح220.
[17] سورة آل عمران: آية 186.
[18] شرح كشف الشبهات (للشيخ محمد بن عبدالوهاب): الشيخ محمد صالح العثيمين ص 64-65، إعداد فهد بن ناصر السليمان دار الثريا للنشر، الرياض، ط:2، 1417هـ/ 1996م، وبيت الشعر للإمام ابن القيم في القصيدة النونية ص 19.

 


"
شارك المقالة:
6 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook