الخطة الدعوية

الكاتب: المدير -
الخطة الدعوية
"الخطة الدعوية
دعوة إلى الوعظ العملي (2)




شرحنا للقراء الكرام - في مقال سابق[1]- أثرَ القدوة الحسنة، وجليل خطرها في الدعوة إلى الله عز وجل، وبَينَّا أنها أهم أنواع الوعظ العملي، ثم وَعَدْنا أن نوافيهم بنوع آخر مِن هذا الوعظ، فحالتْ بيننا وبين المسارعة إلى الوفاء شواغل مُلحَّة؛ وكأن في ذلك إشارة غير مقصودة إلى عزة هذا النوع وبطئه، ونعني به: الخطة العملية والسياسية الرشيدة في إقامة المعروف، وتغيير المنكر ونشر الفضيلة ومحو الرَّذيلة.

 

وفرق ما بين النوعين: أنَّ القدوة الحسنة سيرة صالحة، وسَمتٌ قويم، ونَهجٌ كريم، يهدي بالأسوة والمحاكاة والتشبه، فهو وعظ عملي، إلا أنه صامت، وهدي نبوي إلا أنه وقور.

 

أما الخطة العملية فهي وعظ ناشط، وتربية قويمة، وسياسة حكيمة، في الحمل على الخير، والحماية من الشر، مع الإشراف والتنفيذ، وبخاصة إذا كان الواعظُ مِن ذوي الجاه والسلطان، وسيتجلى هذا الفرق أوضح ما يكون في الأمثلة التي نُورِدُها من منبع السنة الفياض، ومِن هدي السلف الصالح.

 

فمنها ما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أخذ الحسن بن علي رضي الله عنهما تمرةً مِن تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كخ كخ[2]، ارم بها، أما علمتَ أنا لا نأكل الصدقة))، وفي رواية: ((لا تحل لنا الصدقة)).

 

ومنها ما روياه أيضًا عن عمر بن أبي سلمة ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: كنت غلامًا في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانتْ يدي تطيش في الصحفة (تدور في نواحي الإناء)، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا غلام، سمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك))، فما زالتْ تلك طعمتي بعدُ.

 

ومنها ما أخرجه مسلم عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه، قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة، يقول: ((استووا، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليليني[3] منكم أولو الأحلام والنُّهَى[4]، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم))؛ قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافًا.

 

وما أخرجه الشيخان وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: صليتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقمت عن يساره فأخذ بذؤابتي[5]، فجعلني عن يمينه.

 

ومنها ما أخرجه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أمرَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحثوَ في وجوه المداحين التراب، قال صاحب (تيسير الوصول): المداحون: هم الذين اتخذوا مدح الناس عادة، يَستأكلون به الممدوح، فأما مَن مدح على الأمر الحسن والفعل المحمود ترغيبًا له في أمثاله، وتحريضًا للناس على الاقتداء به في أشباهه، فليس بمداحٍ، والمراد بالتراب عينه، أو يكون مؤولًا بمعنى: الخيبة والحرمان.

 

وهنا نقول - والأسفُ يملأ القلوب -: إن معظم كتابنا يكيلون المدح أو الذم كيلًا لأوهى الدواعي، وأتفه الأسباب، فلا يشجعون محسنًا، ولا يزجرون مسيئًا، وإنما هي المبالغة المقيتة، والهوى الضال، والتشفي البغيض، عياذًا بالله تعالى.

 

وبينما هؤلاء في غيِّهم يعمهون، وفي ضلالتهم يتخبطون؛ إذ ترى الخَيِّرين منهم يتحاشون أن يذكروا للمحسن إحسانه، وللمسيء إساءته، خشية أن يُتهموا بالمحاباة، أو يُمسوا بسوء، وذلك هو الضعفُ والجبن والانزواء الذي تسوء مغبته، وتذم عقباه.

 

هذا؛ وأولى الناس بالوعظ العملي، والنشاط الدائب في الحمل على الخير والصيانة مِن الشر - أهل الرجل وعشيرته، وذووه وخاصته، ثم الجيران، ثم العامة، مقدمًا أعظمهم ثقة به، وأشدهم امتثالًا لأمره.

 

وشاهدُ هذا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بخديجة وعلي من أهل بيته، وبأبي بكر، وهو أصدق صديق له، ثم أُمِرَ أن يُنذر عشيرته الأقربين، ثم كانت الدعوةُ عامة بعدئذٍ، ومما يدل على العناية بالأهل والأقربين في الدعوة ما جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)) الحديث.

 

وما رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مروا أولادكم بالصلاة، وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)).

 

وعن علي رضي الله عنه أنه قال في الآية: ? يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ? [التحريم: 6]، علِّموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدِّبوهم، قال صاحب (روح المعاني): وفي الحديث رحم الله رجلًا قال: يا أهلاه، صلاتكم، صيامكم، زكاتكم، مسكينكم، يتيمكم، جيرانكم، لعل الله يجمعكم معه في الجنة، وقيل: إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة مَن جهل أهله.

 

ومِن الخطة العملية ما يصنع الموفقون مِن السادة والرؤساء في جمع الخدم والعمال، أو الموظفين، أو الزائرين على الصلاة في أوقاتها، ومنهم مَن يُعِدُّ للصلاة والدعوة بنايةً مستقلة، أو جناحًا مستقلًا، وقد شاهدتُ إعدادًا حسنًا في بيوت بعض العلماء، وفي دار سعادة الوزير الصالح (السيد المجددي باشا)، وحق على العلماء والولاة أن يجعلوا من بيوتهم قبلة، ومن أخلاقهم قدوة، وإذا كنا بسبيل الوعظ العملي فنحن أحوج ما نكون إلى القصد في القول.

وإلى إرجاء بقية الحديث عن الخطة العملية لعددٍ يأتي إن شاء الله تعالى.

(مجلة الإسلام: السنة العاشرة: العدد (43)، 9 ذو القعدة 1360هـ، 28 نوفمبر 1941م).




[1] راجع العدد 34 من هذه السنة.

[2] كلمة زجر للصبي، وتكسر الكاف وتفتح، وتسكن الخاء، ونكسر بتنوين وغير تنوين.

[3] بإثبات الياء إشباعًا للكسرة؛ كقراءة ابن كثير: ? إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِي وَيَصْبِرُ ?.

[4] الحِلم - بكسر الحاء - العقل، وكذلك النُّهية بضم النون، ومنها ما جاء في الصحيح في حجة النبي صلى الله عليه وسلم وإردافه الفضل ابن عمه العباس، فجعل الفضل ينظر إلى الظعائن، وكان أبيض وسيمًا حسن الشعر، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يضع يده على وجهه، وفي الترمذي: ثم لوى عنقه، فقال العباس: لويت عنق ابن عمك، قال: رأيت شابًا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما، قال النووي: وفيه أن من رأى منكرًا وأمكنه إزالته بيده لزمه إزالته، فإن قال بلسانه ولم ينكف المقول له وأمكنه بيده أثم، ما دام مقتصرًا على اللسان؛ انظر حجة النبي صلى الله عليه وسلم في شرح النووي ص19ج8.

[5] شعر رأس.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook