الخلاف ضروب شتى

الكاتب: المدير -
الخلاف ضروب شتى
"الخلاف ضروب شتى




ولئن كنا نَعذِرُ هؤلاء فيما ذهبوا إليه، لننبِّئنَّهم أن الخلاف على ضروب شتى:

• فما كان في أصولِ الدين؛ كوحدانية الله وذاته، وأسمائه وصفاته، فذلك كفرٌ ونكال.

• وما كان في قواعده وأحكامه، مما ظهرت فيه الحجة، ووضحت فيه المحجة، فذلك زيغ وضلال.

وكلاهما تفريق في الدين، وتمزيق لوحدة المؤمنين.

 

وما كان في الفروع التي تحتمل غير وجه واحد، فذلك الذي وقع في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، وخير القرون من أمَّته، ولا يكاد هذا الخلاف يعدو في صحيح النظر دائرةَ الفاضل والمفضول، والجائز والمكروه، مما لا يدعو عند الإنصاف إلى خصامٍ أو نزاع، وقد أجمع سلف الأمة وخلفُهم على أنه لا يعاب مَن ترك المندوب إلى المباح، كما أجمعوا على أنه لا يعاب المجتهد إذا أخطأ في الاجتهاد، فكيف تُشَق عصا الطاعة، وتُمزق وحدة الجماعة، في هذه المسائل الهيِّنات؟[1]

 

ويذهب صاحب الميزان - في كلامٍ طويل - إلى أنه لا خلاف في الشريعة الغراء ألبتة، وإنما هي مراتب ترجعُ في جملتها إلى الرخصة والعزيمة، والتخفيف والتشديد؛ وأن المخاطب بالأولى هم الضعفاء والعاجزون، والمخاطب بالثانية هم الأقوياء القادرون، فالشريعة عامة ولكن الناس ليسوا بمنزلة سواء.

 

الحكمة في اختلاف الفروع:

والذي يبدو لنا أن مثل هذا الخلاف - كما قال ابن تيمية - مثل الخلاف في القراءات، كلها جائز، وإن كان فريق من الناس يختار بعضها دون بعض، وأنه خلاف ينفع ولا يضر؛ فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كلًّا من القراء أن يقرأ كما يعلم، وحذَّرهم جميعًا أن يقعوا في هاوية الاختلاف فيهلِكوا كما هلك الذين من قبلهم.

 

ومن الحمق والسخف أن تُفرَّق الكلمة، ويشتد الخصام في جزئيات يسيرة، جعل الله التوسعة فيها يسرًا في الدين ورحمة للمسلمين[2]، ولو أن هذه الأمة حُمِلت على طريقة واحدة في دقائق الدين ولطائفه، لحَرِج صدرُها، وضاق ذرعها، ولذاقت عذاب الإِصْر الذي حمله الله على الأمم التي قبلها، ولو أنهم حُمِلوا في أصول الدين وقواعده على طرائق شتى، لكان البلاء أعظم، والمُصاب أعم، فسبحان مَن جلَّت حكمته، ووَسِعَتْ كلَّ شيء رحمتُه.

 

واجب العلماء والعامة:

وبعد، فحقٌّ على العلماء أن يرجعوا بالناس إلى الفقه النبوي، في كنوز السلف الصالح، وأن يُبيِّنوا لهم عند الحاجة مدى هذا الخلاف وحكمته، وكيف كان اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لعَمْر الحق خيرٌ مِن اتفاقنا، وذلك خير وأجدى مِن حمل الناس على مذهب واحد، هيهات أن يتَّفقوا عليه، ثم هيهات هيهات أن يهدوا العامة إليه.

 

ورحِم الله مالكًا، لقد كان أبعد نظرًا، وأسدَّ رأيًا، وأكثر توفيقًا، حينما فاوضه المنصور والرشيد، عزم أبو جعفر على أن ينسخ نسخًا من الموطَّأ، ثم يبعث إلى كل مصرٍ من أمصار المسلمين بنسخةٍ، فيأمرهم أن يعملوا بما فيها، لا يتعدونها إلى غيرها، وأن يدَعوا ما سواها، فقال له مالكٌ: لا تفعل يا أمير المؤمنين؛ فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمِعوا أحاديث، وروَوا روايات، وأخذ كلُّ قوم بما سبق لهم، وعملوا به ودانوا، من اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وأصبح ردُّهم عما هم عليه شديدًا، فدعِ الناس وما اختاروا لأنفسهم، فقال: لَعَمْري لو طاوعتَني على ذلك لأمرت به.

 

ثم شاوره في أن يعلق الموطأ في الكعبة ويحمل الناس على ما فيه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى على هذه الأمة، كلٌّ يتبع ما صح عنده، وكلٌّ على هدى، وكل يريد الله تعالى، فقال: وفقك الله يا أبا عبدالله[3].

 

ثم حقٌّ على العامة ألا يأخذوا دينَهم إلا عمَّن يوثق به ممن يدعو إلى الله على بصيرة، وليسمعوا لهم ويطيعوا إن أرادوا لأنفسهم الخير والسعادة، وليعلموا أن العلماء في الأرض بمنزلة النجوم في السماء؛ يهتدي بهم الحيران في الظلماء، وأن الحاجة إليهم أشد من الحاجة إلى الطعام والشراب، وإطاعة أمرهم فريضةٌ من الله بنص الكتاب؛ ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ? [النساء: 59].




[1]ضربنا عن ذكر الأمثلة صفحًا؛ لأنها كثيرة معروفة في كتب الأئمة، وانظر إعلام الموقعين، وحجة الله البالغة، ورسالة ابن تيمية في اجتهاد الصحابة والتابعين.

[2] اشتهر هذا الحديث على الألسنة: اختلاف أمتي رحمة، ورواياته كلها ضعيفة، والظاهر أنه صحيح المعنى في الجملة، ويروى عن عمر بن عبدالعزيز أنه كان يقول: ما سرَّني لو أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا؛ لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة.

وعن بعض السلف آثار في هذا المعنى؛ انظر كشف الخفاء.

[3] انظر: حجة الله البالغة، وجامع بيان العلموفضله، وكشف الخفاء في حديث اختلاف الأمة.


"
شارك المقالة:
1 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook