الداعية وتقديم المصالح الخاصة على العامة

الكاتب: المدير -
الداعية وتقديم المصالح الخاصة على العامة
"الداعية وتقديم المصالح الخاصة على العامة

 

تقلّ مكانة المعلمة الداعية عند طالباتها، ويضعف تأثيرها إذا دأبت على تكليفهنّ بقضاء أمورها الشخصية، أو تحقيق مصالحها الخاصة من خلال الأنشطة الدعوية، أو تقديم مصالحها الخاصة على المصالح العامة، مما يضعف أثر توجيهها لطالباتها، لأن نظرة الاتهام الموجهة لها من طالباتها تولد في نفوسهنّ الرفض لها ولدعوتها، والإعراض عن قبول نصائحها وإرشاداتها دون أن يفرقن بين مصالحها ومصالحهنّ، ودون أن يفكرن في سلامة الأعمال التي تدعوهنّ إلى القيام بها أو أن يبحثن فيما تجلبه لهنّ من خير ونفع[1].

 

فعلى أي مسلم يقوم بالدعوة (أن ينزه علمه عن جعله سلّماً يتوصل به إلى الأغراض الدنيوية من جاه أو سمعة أو شهرة أو خدمة أو تقدم على أقرانه... وكذلك ينزهه عن الطمع في رفق من طلبته بمال أو خدمة أو غيرهما بسبب اشتغالهم عليه وترددهم إليه)[2]، إلا أن تكون هذه الحاجات عامة غير شخصية، وفي اشتغال الداعية بها تضييع لوقتها، فلا حرج عليها من الاستعانة بإحدى طالباتها للمنفعة العامة التي يتعدى نفعها للآخرين بما لا يعود على الطالبة بالضرر.

 

إن التجرد عن المصلحة الخاصة هو منهج الرسل الكرام، فقد كان لسان حالهم ومقالهم، قال تعالى: ? يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ ? [هود: 51] [3]، وقال عن نبينا - صلى الله عليه وسلم -: ? قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ? [الشورى: 23] [4]، قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله -: (لا أسألكم على هذا النصح والبلاغ لكم مالا تعطونيه؛ وإنما أطلب منكم أن تكفوا شرّكم عني وتذروني أبلغ رسالات ربي، وإن لم تنصروني فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة)[5].

 

والداعية الناجحة هي التي تنفذ أهدافها الدعوية وتكسب المكانة والمنزلة الرفيعة عند طالباتها عندما يكون افتقارها إلى خالقها ورازقها، استغناءها عما في أيدي الناس، قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-: (والعبد كلما كان أذلّ لله وأعظم افتقاراً إليه وخضوعاً له؛ كان أقرب إليه وأعزّ له وأعظم لقدره، فأسعد الخلق: أعظمهم عبودية لله، وأما المخلوق فكما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره... فأعظم ما يكون العبد قدرا وحرمة عند الخلق إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم؛ كنت أعظم ما يكون عندهم، ومتى احتجت إليهم-ولو في شربة ماء- نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك لهم)[6]، وما أحوج المعلمة الداعية إلى ما يرفع مكانتها ويعظم حرمتها عند طالباتها!




[1] ينظر: فقه الدعوة إلى الله: عبد الرحمن الميداني 1 /507، والمدرس ومهارات التوجيه: محمد الدويش ص 67 دار الوطن للنشر، الرياض، ط:4، 1421هـ/2000م.

[2] باختصار: تذكرة السامع والمتكلم : العلّامة بدر الدين ابن جماعة الكناني ص 19.

[3] سورة هود: آية 51.

[4] سورة الشورى: جزء من آية 23.

[5] تفسير ابن كثير 7 /187.

[6] باختصار: مجموع الفتاوى 1 /39، وينظر نفس المرجع ص 51.


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook