الدعوة إلى الله تعالى في القرآن: نظرات في المنهج والأركان

الكاتب: المدير -
الدعوة إلى الله تعالى في القرآن: نظرات في المنهج والأركان
"الدعوة إلى الله تعالى في القرآن
نظرات في المنهج والأركان

 

تقديم:

إنَّ الحمد لله، نحمدُه ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، مَن يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

 

أمَّا بعد:

فإنَّه قد عُلم أنَّ القرآن الكريم كتابُ هدايةٍ وإرشاد، ولم يكن ليكون كذلك إلَّا حينما كان شاملًا لجميع مجالات ومتطلبات حياة الإنسان، سواء تعلَّق الأمرُ بعلاقته بنفسه أو بربِّه، أو بغيره مِن العباد، من هاهنا كانت موضوعات القرآن الكريم متنوِّعةً بتنوُّع هذه المجالات والمتطلبات، فكان منها بيان أركان الإسلام، وهو موضوع تتأسَّس عليه المنظومة الإسلامية برُمَّتها، إلى جانب موضوع العقيدة الإسلامية وما يتعلَّق بها من الإيمان بالله سبحانه، والإيمان بالغيب، والرُّسل والأنبياء...، وموضوع العلاقات الاجتماعية، والمالية، والقضائيَّة، والدولية، ومِن هذه الموضوعات كذلك ما يتعلَّق بالتاريخ وقصص الأوَّلين، ومنها ما يتعلَّق بالديانات السماويَّة، ومنها ما يتعلَّق بالدعوة إلى الله وكيفيَّةِ تبليغ الرِّسالة...

وهذا الموضوع الأخير، هو الموضوع الذي أردتُ النَّظرَ فيه قدرَ المستطاع.

 

وعلى العموم، فإنَّ القرآن الكريم - في نظري - قد تناول هذا الموضوعَ من جهاتٍ أربع: جهةُ الدَّاعية؛ ويندرج تحتها الرسل والأنبياء والدُّعاة إلى الله في كلِّ زمان ومكان إلى قيام الساعة، وجهةُ المدعوِّ؛ وهو المستهدَف من الدعوة، وجهةُ مَوضوع الدعوة؛ وهذه الجهة يَطول المقام بالحديث عنها؛ ولذلك ترجَّح لديَّ ألَّا أتطرَّق إليها إلَّا في موضوعٍ مستقلٍّ، وأخيرًا: جهةُ المنهج الدعوي الذي يَسلكه الداعية إلى الله في دعوته.

 

الجهة الأولى: الداعية:

? المقصود بالدَّاعية في القرآن الكريم: هم الرُّسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بما أنَّهم أول الدُّعاة إلى الله تعالى؛ فهم حاملو الرسالة ومبلِّغوها عن الله جلَّ في علاه، وكل ما يتعلَّق بهم - طبعًا - هو يَنطبق على غيرهم من الدُّعاة، سواء أولئك الذين عاصروهم، أو أولئك الذين جاؤوا مِن بعدهم من العلماء والأصفياء.

 

وحينما تَستقرئ القرآنَ الكريم، تجد أنَّ الآيات التي تحدَّثتْ عن الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما تحدَّثتْ عنه مِن جهة بيان أَوصافه وأخلاقِه، ومِن جهة بيان مهمَّته الدعويَّة.

ومثال الأولى: قوله سبحانه: ? وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ? [القلم: 4]، وقوله سبحانه: ? لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ? [التوبة: 128].

 

? ومثال الثانية: قوله تبارك وتعالى: ? وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ? [الأنعام: 48]، وقوله عز وجل: ? وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ? [المائدة: 92]، وقوله سبحانه: ? فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ? [النحل: 82]، وقوله عزَّ وجل: ? قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ? [النور: 54].

 

وغير هذه الآيات كثير، مما يبيِّن أنَّ مهمَّة الرسل والأنبياء - وكذا الدعاة - إنَّما تنحصر في تبليغ الرِّسالة مع بيانِها، وإقامة الحجَّة على الخلق، ولم يُكلَّفوا غيرَ ذلك مِن هداية البشر، قال سبحانه: ? وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ? [يونس: 99]، وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ الآيات التي عُنيتْ ببيان وتأكيد صِفات الأنبياء وأخلاقِهم من الصِّدق والأمانة، وتبرئتهم من كلِّ التُّهم والشُّبَهِ الموجَّهة إليهم - إنَّما هي خادمة لمعنى التبليغ والبيان عن الله سبحانه.

 

وإن المتأمِّل للآيات المبيِّنة لمهامِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم - ليَجد أنَّها جاءت في سياقات مختلِفة، حسب السُّورة التي تنتمي إليها، وحسب الموضوع الذي تعالِجه السورةُ، فقوله تعالى: ? وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ? [الأنعام: 48]، جاءت متناسبةً متناغمة مع موضوع سورة الأنعام التي تتحدَّث عن موضوع العقيدة، تمامًا كغيرها من السور المكيَّة، فبعدما بدأت السورةُ ببيان حقيقة الألوهيَّة، والعبودية[1] التي تجِبُ لله سبحانه على الخَلْق بما هو خالقهم، وتكذيبِ هؤلاء الخلق بما أتاهم به الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم[2]، ومطالبتهم له بالإتيان بما ليس في مُكنتِه كبرهانٍ على نبوَّته، وعرضِ نماذج من المكذِّبين قبلهم، وكيف نكَّل الله بهم بما كذَّبوا بالحقِّ لما جاءهم - تأتي هذه الآية لتبيِّن وظيفةَ الرسل، وأنَّهم ليسوا سوى مُبلِّغين عن ربِّهم ما أَوحاه إليهم من بِشارةٍ لأهل الخير والصَّلاح، ونذارةٍ لأهل الشرِّ والطَّلاح، وأما أمر هداية البشر، فموكولٌ إليه سبحانه؛ يَهدي من يشاء بإحسانه، ويضلُّ مَن يشاء بعدله؛ ? وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ? [الأنعام: 35].

 

ثمَّ يتابِع القرآنُ الكريم في بيان وَظيفة الرسل بقوله: ? قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ? [الأنعام: 50].

وإذا انتقلنا إلى آيةٍ أخرى من تلك التي تبيِّن وظيفةَ الرسل، ونظرنا فيها في سياق سورتها التي ورَدتْ فيها، فإنَّنا سنجد أنَّ القرآن الكريم يَسير على نفس المنهج؛ يبيِّن المهمَّةَ المنوطة بالرُّسل، ثمَّ يَنفي عنهم ما قد يُتوهَّم لغيرهم أنَّه مَنوط بهم؛ وذلك كأن يُطَالَبُوا بما لا يَستطيعون، كما في قوله سبحانه: ? وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ ? [العنكبوت: 50]، فجاء الردُّ لشبهتهم بقوله سبحانه في نفس الآية: ? قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ? [العنكبوت: 50]، فهم قد طالَبوه بما ليس في مُكْنته؛ لأنَّه مجرَّد بشَر صلى الله عليه وسلم اصطفاه اللهُ تعالى لرسالته، وبما لا يَدخل في المهمَّة المنوطة به، وهي تَبليغ الرسالة، فجاء الردُّ واضحًا بيِّنًا؛ وذلك بإسناد الأمر المطلوب إلى مَن هو مَوكولٌ به، وهو الله تعالى: ? قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ ? [العنكبوت: 50]، وبيَّن وظيفته بقوله: ? وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ? [العنكبوت: 50]، وقد عُلم في العربية أنَّ إنما تفيد الحَصْر، فكانت مهمَّة الرسل بذلك محصورة في البلاغ المبين.

 

ومن ذلك أيضًا قوله سبحانه: ? وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ ? [الإسراء: 90 - 93]، فجاء الردُّ على هذه المطالب العجيبة الغريبة في قوله: ? قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ? [الإسراء: 93].

 

وقَيْد المبين الذي قيِّد به البلاغ في قوله تعالى: ? فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ? [المائدة: 92]، وقوله سبحانه: ? فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ? [النحل: 35]، وقوله تعالى: ? وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ? [النور: 54]، وغير هذا من الآيات البيِّنات الجليَّات - ينبغي التنبُّه إليه، وهو قَيْدٌ ينصُّ على أن مهمَّة الرسل لا تتوقَّف عند البلاغ فقط؛ وإنما تتعدَّى ذلك إلى بيان المُبَلَّغ وتوضيحِه للنَّاس أتمَّ ما يكون البيان والإيضاح.

 

وما سبق يمتدُّ ليشمل الدُّعاةَ والعلماءَ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى يوم القيامة، فليس على الأمَّة الشَّاهدة سوى تبليغ الدَّعوة، وإقامة حجَّة الله على العباد، ثمَّ يبقى أمرُ الهداية موكولًا إلى الله سبحانه[3]، وتلك لعمري مهمَّةُ أمَّة سيِّدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ قال سبحانه: ? الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ? [الحج: 41]، وقال جلَّ في علاه: ? كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ? [آل عمران: 110]، وقال سبحانه: ? وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ? [البقرة: 143].

 

الجهة الثانية: المَدعُو:

لا تسمَّى الدعوة دعوةً إلَّا إذا كان الخِطاب فيها ومضمون الخطاب متوجهًا إلى فئة معيَّنة مستهدفة بذلك الخطاب، يقول الدكتور الشاهد البوشيخي: إن نِداء الدَّعوة ينطلق من منادٍ، هو الدَّاعي، ويتَّجه إلى منادًى، هو المدعُو؛ وذلك يعني فيما يعني: أنَّ فِعل الدَّعوة بطبيعته متجاوِز لصاحبه القائم به، متعدٍّ إلى غيره المتَّجه إليه الذي هو المَدعُو، فلا يتصوَّر داعٍ ينادي نفسه، بل غيره، ولا تَصدُق صفةُ الدَّاعي على شخص مقتصر على تزكية نفسه وتأديبها؛ بل على الذي فرَغ من تأديب نفسه وأقبَل على الآخرين مِن الغافلين، يَتلو عليهم آيات الله، ويعلِّمهم الكتابَ والحِكمةَ ويزكِّيهم؛ ومعنى ذلك أنَّنا حين نصلِّي ونصوم ونتصدَّق ونفعل الخيرَ، مجاهدين أنفسنا في ذات الله تعالى، غير دافعين غيرنا إلى ذلك، لا منادين لهم إلى ذلك - لا نكون دعاةً إلى الله؛ وإنَّما يبتدئ معنى الدَّعوة في الصُّدوق علينا حين نبتدئ في حثِّ الآخرين على الخير الذي نحن به عاملون، وجذبهم إلى صراط الله الذي نحن له سالكون[4].

 

وهذه الفئة المدعوَّة تَحدَّث عنها القرآنُ الكريم وبيَّن أصنافها، وطُرق التعامل مع كلِّ صِنف، ومن الآيات الدالَّة على ذلك أواخر سورة الفاتحة من قوله سبحانه: ? اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ? [الفاتحة: 6، 7]، ففي الآية بيانٌ لثلاثة أصناف من المدعوِّين: صنفٌ آمَن، وصنف مَغضوب عليه؛ والمقصود به - كما ذهب إلى ذلك المفسِّرون - اليهود، وصنف ضالٌّ؛ والمقصود به النَّصارى، وفي سورة البقرة تفصيلٌ لصفات هؤلاء، مع إضافة لأصناف أخرى؛ منهم المنافقون، الذين قال فيهم ربُّ العزَّة جلَّ في علاه: ? وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ? [البقرة: 8 - 10]، وقال أيضًا: ? وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ? [البقرة: 14]، ومنهم أيضًا المشركون، الذين قال فيهم ربُّنا جلَّ في علاه: ? وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ? [البقرة: 96]، وقال أيضًا: ? مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ? [البقرة: 105].

 

هؤلاء بَيَّن القرآن الكريم صفاتهم، وكذا واجبنا تجاههم، وكيفيَّة التعامل معهم في جميع الأحوال.

• أمَّا واجبنا تجاههم، فقد تحدَّثنا عنه حين التعرُّض لمهمَّة الرسل ومَن بعدهم مِن الدعاة والعلماء.

• وأمَّا كيفية التعامل معهم، فسيأتي حين الحديث عن المنهج الدَّعوي.

 

? وأما الصِّفات، فنورد نماذِجَ منها:

? أمَّا أهل الكتاب الذين هم اليهود والنَّصارى، فمن صِفاتهم التي عرَّفهم بها ربُّنا عزَّ وجل:

• استخفافهم بالرسل والأنبياء؛ وذلك قوله سبحانه: ? وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ? [البقرة: 87].

 

• ومن صِفاتهم أيضًا: حِرصهم الشَّديد على ردَّة الذين آمنوا؛ وذلك منطوق قوله سبحانه: ? وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ? [البقرة: 109]، وقوله سبحانه: ? وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ? [آل عمران: 69].

 

• ومن ذلك أيضًا: محاجَجتهم بالباطل ليُدحضوا به الحقَّ، مع عِلمهم به، وفيه يُذكر قوله تعالى: ? يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ? [آل عمران: 65]، وقوله عز وجل: ? يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ? [آل عمران: 71].

 

? وأما في صفات المنافقين، فنذكر قولَه تعالى: ? وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ? [محمد: 16]، وقوله سبحانه: ? وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ? [البقرة: 14].

 

? ومن صفات المشركين، نورِد قوله تعالى: ? وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ? [البقرة: 96]، وقوله تعالى: ? سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ? [الأنعام: 148].

 

وفائدة معرفة صِفات هؤلاء بالنِّسبة للدعاة: أنَّهم يَعرِفون كلًّا بسِيماهم، فلا يَخفى عنهم أمرُ مَدعوِّيهم؛ إذ مَعرفة الفئة المستهدَفَة بالدَّعوة مُعِينٌ على نَجاح الدعوة وانتشارِها، أضِف إلى ذلك أنَّ تفصيل القرآن الكريم في صِفات أصناف المدعوِّين فيه إشارة إلى ضرورة بحث الدَّاعية في الخصائص النفسيَّة والاجتماعية والثقافية، وحتى السياسية للمدعوِّين؛ وذلك كله ليتمكَّن من اختيار المنهج الصائب في دعوته إيَّاهم، وهذا موضوع الجهة الثالثة.

 

الجهة الثالثة: منهج الدَّعوة:

إنَّ على الدَّاعية أن يُتقن اختيارَ المنهج السَّليم في دعوة كلِّ صنف مِن أصناف المدعوِّين؛ ذلك أنَّ المنهج الواحِد لا يصلُح منهجًا دعويًّا لكلِّ الناس، وإنَّما تتعدَّد المناهج الدَّعوية بحسب الناس وطبائعهم، وخضوعهم للحقِّ أو عدمه، وغير ذلك مما له أثَر في اختيار المنهج الدعوي.

 

ويكفيك للدلالة على ذلك تنوُّعُ المناهِج الدَّعوية في القرآن الكريم؛ فالمنهج الذي بيَّنه القرآنُ الكريم للتعامل مع المسالِمين مِن أهل الكتاب والمشركين - ليس هو نفسه الذي بيَّنه وفصَّله للتعامل مع المحاربين للدَّعوة، المعترضين سبيلَها، وإنَّما فصَّل لكلِّ صنف من الناس منهجًا خاصًّا به يُتَعامل به معه؛ ومن صور ذلك قوله سبحانه وتعالى: ? فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ? [النساء: 89]، ثمَّ استثنى سبحانه من هذا المنهج فئةً أخرى، فقال: ? إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا * سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا ? [النساء: 90، 91]، ومن الواضح جدًّا، أنَّ الذي جعَل لنا على إحدى الفئتين سُلطانًا مُبينًا - هو نفسه الذي لم يجعل لنا على الأخرى سبيلًا؛ وما ذلك إلا لاختلاف حال الفئة الأولى عن حال الثانية.

 

ومن صوَر ذلك أيضًا قوله سبحانه في سورة الممتحنة: ? لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ? [الممتحنة: 8، 9]، فالنَّهي في الآيتين ليس عن الذين أعلَنوا السَّلامَ في وجه أهل الإسلام، ولكنَّه عن أولئك الذين أعلَنوا في وجههم الحرب وقاتَلوهم وأخرَجوهم من ديارهم.

 

ولتوضيح هذا المعنى العظيم أُورِد كلامَ الغزالي حين تعرَّض لتفسير قوله سبحانه: ? ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ? [النحل: 125]، قال: إنَّ المدعوَّ إلى الله تعالى بالحِكمة قومٌ، وبالموعظة قومٌ، وبالمجادلة قومٌ؛ فإنَّ الحكمة إن غُذِّي بها أهلُ الموعظة أضرَّت بهم كما تضرُّ بالطِّفل الرضيع التغذيةُ بلحم الطَّير، وإنَّ المجادلة إنِ استُعملتْ مع أهل الحكمة اشمأزُّوا منها كما يشمئزُّ طبع الرجل القوي من الارتضاع بلبن الآدمي[5].

 

ثمَّ إنَّ القرآن الكريم لا يتوقَّف عند حدود بيان مَنهج دعوة النَّاس؛ بل يوضح كذلك أهمَّ المراحل التي تمرُّ منها الدَّعوة؛ فمرحلة الاستضعاف ليست هي مَرحلة التمكين، ومرحلة السِّرِّ ليست هي مَرحلةَ الجَهر؛ بل لكلِّ مرحلة خصوصيَّاتها ومنهجها.

 

ويكفي في ذلك أن نعلم أنَّ الله عزَّ وجل أمَر رسولَه الكريم في بداية الدَّعوة بالإعراض عن المشركين، والاشتغالِ بواجب العِبادة والتبتُّل، والانقطاع إلى الله جلَّ في علاه، فقال في أول ما نزل: ? كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ? [العلق: 19]، وقال في سورة المزمل: ? وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا ? [المزمل: 11]، وقال في سورة المدثر: ? ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ? [المدثر: 11]؛ فهذه الآيات تدلُّ دلالة واضحة على أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان مأمورًا في هذه المرحلة بعدم التعرُّض لخُصومه وعدمِ إثارتهم؛ بل كان مأمورًا بالصَّبر على أذاهم وعدمِ الردِّ عليهم، ليأتي الإذن بالجهاد في مرحلة أخرى لاحِقة، وهي المرحلة المدنيَّة؛ وذلك قوله سبحانه: ? أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ? [الحج: 39].

 

وخلاصة القول في هذه الجهة: أنَّ القرآن الكريم رسَم لنا منهجًا واضحًا في التعامل مع قضايا الدَّعوة، يمكن صياغته في قاعدة دعوية قرآنيَّة؛ وذلك قولهم: الاشتغالُ بواجب الوقت واجبٌ، فلكلِّ وقتٍ واجبُه، والدَّاعية شُغله الشاغل أن يؤدِّي هذا الواجبَ.




[1] ينظر: ظلال القرآن (2/ 1017).

[2] ينظر: الجامع لأحكام القرآن (6/ 383).

[3] ينظر منهج الجدَل والمناظرة في تقرير مسائل الاعتقاد؛ للدكتور عثمان علي حسن (2/ 729).

[4] مفهوم الدعوة إلى الله عز وجل ومصادرها؛ للأستاذ الدكتور الشاهد البوشيخي، مقال منشور بجريدة المحجة العدد 300/18 يونيو 2008م.

[5] تفسير الإمام الغزالي، جمع وتوثيق وتقديم الدكتور محمد الريحاني، نشر دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة، ومؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع) بفاس، ط: الأولى 2010، ص (202، 203).


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook