الدعوة بالكتابة (وسيلة الكتابة الدعوية)

الكاتب: المدير -
الدعوة بالكتابة (وسيلة الكتابة الدعوية)
"الدعوة بالكتابة
(وسيلة الكتابة الدعوية)




الكتابة من أنواع الوسائل القولية للدعوة إلى الله، باعتبارها أداةً من أدوات التبليغ، وتؤدي ما يؤدي إليه القول، بالنسبة لمن يريد الداعية دعوته ولا يمكنه المشافهة معه، وتكون بتأليف الكتب والأبحاث العلمية والرسائل، والمقالات في الدوريات وغيرها[1].

 

وقد نقل الحافظ ابن حجر رحمه الله استقرار الأمر وإجماع العلماء على جواز كتابة العلم، بل على استحبابه، وفي بعض الحالات وجوبه على من خشي النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم[2].

 

قال الخطيب البغدادي[3] رحمه الله مبيناً أهمية الكتابة: إنما اتسع الناس في كتب العلم، وعولوا على تدوينه في الصحف بعد الكراهية لذلك، لأن الروايات انتشرت، والأسانيد طالت، والعبارات بالألفاظ اختلفت، فعجزت القلوب عن حفظ العلم، مع رخصة الرسول صلى الله عليه وسلم في الكتابة لمن احتاج إليه، وقد عمل السلف من الصحابة والتابعين بذلك، ومن ذلك أمره صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يكتبوا لأبي شاه خطبته التي سمعها منه بعد فتح مكة،[4] فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لما فتح الله تعالى على رسوله مكة، قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه. فقام أبو شاه - رجل من اليمن - فقال: اكتبوا لي يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اكتبوا لأبي شاه)) فسُئل الأوزاعي[5]: ما قوله اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم [6].

 

مميزات هذه الوسيلة:

1 - أنها تحفظ العلم، فلولا الكتابة لضاع الكثير من العلم، وقد بلغ السلف العلم لمن بعدهم إما شفاها أو كتابة، فسطروا سائر العلوم في كتبهم، فحملها الخلف من بعدهم وتوارثوها جيلاً بعد جيل فكان ذلك سبباً - بعد فضل الله - لحفظ العلم، لأن عدم كتابته، تعرضه لآفة العلم العظيمة: النسيان.

 

وقد أدب الله تعالى عباده بحفظ الدَّين عن طريق كتابته، فقال تعالى: ? وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا ? [البقرة: 282][7]، فلما أمر تعالى بكتابة الدَّيْن حفظا له واحتياطا عليه وإشفاقا من دخول الريب فيه، كان العلمُ الذي حِفظُهُ أصعب من حِفظِ الدَّين، أحرى أن يُكتب خوفا من دخول الشك والريب فيه، بل إن كتابة العلم في هذه الزمان أقوى حجة من الحفظ[8].

 

وقد أثر عن السلف حفظ العلم بالكتابة، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ( قيدوا العلم بالكتاب) وكان أنس رضي الله عنه يقول لبنيه: ( يا بني قيدوا العلم بالكتاب) وقال الضحاك رحمه الله: ( إذا سمعت شيئا فاكتبه ولو في حائط)[9].

 

2 - أن كتابة العلم تساعد الدعاة على نشره في آفاق الأرض، لسهولة نقله بين الناس، وبشكل خاص في العصر الحديث، وفي القديم زخرت المكتبة الإسلامية بألوف الكتب التي تعالج قضايا إسلامية عامة أو خاصة، وتلك التي تعرض الإسلام عرضا جيدا على القراء، والآن وبعد عصر الطباعة فقد أصبح الكتاب أوسع انتشاراً وأيسر عملاً، ولكن وظيفة الكتاب بناء على ذلك ازدادت صعوبة، وأصبحت مهمته تأليفا وطباعة ونشرا وتوزيعا، دلالة على التحضر ومواكبة المتغيرات[10].

 

3 - أن نشر العلم بالكتاب يتجاوز به حدود الزمان والمكان، فالعلم الذي كتبه عالم في منطقة ما، يقرؤه الناس في أقاصي الأرض، وقد قال أحد الحكماء: الكتاب قد يفضل صاحبه ويرجح على واضعه بأمور منها: أن الكتاب يقرأ في كل مكان، ويظهر ما فيه على كل لسان، وموجود في كل زمان مع تفاوت الأعصار، وبعد ما بين الأمصار، وذلك أمر مستحيل في واضع الكتاب، وقد يذهب العالم وتبقى كتبه، ويفنى العقل ويبقى أثره[11].

 

كما أنه يتجاوز حدود الزمان، حتى قيل لابن المبارك رحمه الله: ( يا أبا عبد الرحمن، لو خرجت فجلست مع أصحابك. قال: إني إذا كنت في المنزل جالست أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يعني النظر في الكتب)[12].

 

كما أنها تتجاوز حدود اللغة، مما يزيد من قيمتها وفائدتها في الدعوة، إذا ترجمت الكتب إلى لغات من يراد تعريفهم بالإسلام، ودعوتهم إليه، فيمكن بهذه الوسيلة تبليغ الإسلام إلى ملايين الناس الذين لا يعرفون اللغة العربية[13].

 

4 - توافر المطبوعات بأنواعها غالبا بين يدي الداعية والمدعو، وإتاحة فرصة استعمالها في أي وقت مع إمكانية تكرار النظر فيها حسب الحاجة.

 

5 - تنوعها بين كتب أمهات ومراجع أصلية، وكتب حديثة متخصصة وبحوث علمية وكتيبات صغيرة مختلفة ورسائل ومقالات دورية. الخ، وطروحاتها أيضاً تتميز بالتنوع بين المقالات الدينية والمواضيع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتربوية. الخ[14].

 

6 - إنها نعم المعين إذا فقد الجليس الصالح، فإذا استوحش الداعية أو المدعو وشعر بالغربة، جعل أنسه بالاطلاع على الكتب والقراءة فيها، وقد كثرت أقوال السلف والخلف في الاستئناس بالكتاب، ومما قيل في ذلك:( إنه ليس شيء أوعظ من قبر، ولا أسلم من وحدة، ولا آنس من كتاب)[15].ومما نظم في ذلك:

نعم المؤانس والجليس كتابُ
تخلو به إن ملَّك الأصحابُ
لا مفشيا سرا ولا متكبرا
وتفاد منه حكمة وصوابُ[16]

 

7 - أن العلم إذا كان مدوناً في كتاب كان أقوى في الاحتجاج به عند الداعية، وأعم فائدة للناس، كما أنه يعد وسيلة قوية من وسائل إقناع المدعو.

 

وقد قال أبو الزناد[17] رحمه الله:( كنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب - وهو الإمام الزهري - يكتب كل ما سمع، فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس. وقال: كنت أطوف أنا والزهري، ومعه ألواح أو صحف، فكنا نضحك به)[18].

 

8 - أن كثرة اطلاع الداعية على الكتب، يؤدي إلى اتساع مداركه، لما يحتاج إليه إعمال الفكر، كما أن الاشتغال بالتصنيف والجمع والتأليف من تمام الفضيلة وكمال الأهلية، فإنه يطلع على حقائق الفنون ودقائق العلوم، للاحتياج إلى كثرة التفتيش والمطالعة والتنقيب والمراجعة، وذلك يثبت الحفظ ويذكي القلب ويكسب جميل الذكر وجزيل الأجر[19].




[1] بتصرف، أصول الدعوة ص 474 و 481.

[2]انظر فتح البار ي 1/ 204 ح 111.

[3] هو أحمد بن علي بن ثابت البغدادي أبو بكر، أحد الحفاظ المؤرخين، ولد سنة 392، ونشأ ببغداد، كان فصيح اللهجة عارفا بالأدب ولوعا بالتأليف والمطالعة، ذكر أن له 56 مصنفا، لما مرض مرضه الأخير وقف كتبه وفرق جميع ماله في وجوه البر، على أهل العلم والحديث، توفي رحمه الله 463هـ. بتصرف، طبقات الشافعية الكبرى 4/ 29، وسير أعلام النبلاء 18/ 270، والأعلام 1/ 172.

[4] بتصرف، تقييد العلم: الحافظ المؤرخ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي ص 64 و 86، تحقيق: يوسف العش، دار إحياء السنة النبوية ط:2، 1974م، وقد ساق المؤلف العديد من الأدلة، وانظر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ص 70.

[5] هو عبد الرحمن بن عمرو بن يُحمد، عالم أهل الشام، ولد في بعلبك عام 88هـ وسكن بيروت وتوفي بها، كان فقيها زاهدا مجتهدا في العبادة، واسع العلم عظيم الشأن والمكانة، قيل خرجت في جنازته أربع أمم المسلمون واليهود والنصارى والقبط توفي رحمه الله عام 157هـ. بتصرف سير أعلام النبلاء 7/ 107، والأعلام 3/ 320.

[6] سبق تخريجه ص 145، واللفظ في كتاب اللقطة باب كيف تعرف لقطة أهل مكة 3/ 94.

[7] سورة البقرة جزء من آية 282.

[8] بتصرف، تقيد العلم من ص 70 - 71.

[9]جامع بيان العلم وفضله ص 72 - 73.

[10] بتصرف، فقه الدعوة إلى الله ص 196.

[11] تقييد العلم ص 118.

[12] تقييد العلم ص 126.

[13] بتصرف، فقه الدعوة إلى الله 1/ 189.

[14] انظر المرجع السابق ص 189.

[15] تقييد العلم ص 142، وقاله العمري عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وكان رحمه الله لا يرى إلا ومعه كتاب يطالعه، سير أعلام النبلاء 8/ 373.

[16] جامع بيان العلم وفضله 2/ 203.

[17] هو عبد الله بن ذكوان القرشي أبو عبد الرحمن المدني المعروف بأبي الزناد، قيل مولى آل عثمان وقيل: إن أباه كان أخا أبي لؤلؤة المجوسي قاتل عمر، ولد في نحو سنة 65هـ في حياة ابن عباس رضي الله عنهما، كان من كبار علماء الحديث بالمدينة توفي رحمه الله 130 وعمره 66 سنة. بتصرف، تهذيب التهذيب 5/ 203، وسير أعلام النبلاء 5/ 445.

[18] سير أعلام النبلاء 5/ 332، وللاستفادة انظر تقييد العلم ص 71.

[19] بتصرف، تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم: الإمام العالم ابن جماعه الكناني ص 29 - 30، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، ط: بدون.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook