"الدعوة فرض عين على كل مسلم، ولكن!"

الكاتب: المدير -
"الدعوة فرض عين على كل مسلم، ولكن!




ألَا ما أعظَمَ خطأَ الظانِّين بأن الدعوة مقصورةٌ على العلماء فحسب!

أمَا قرؤوا قوله سبحانه وتعالى: ? كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ? [آل عمران: 110]؟

أمَا قرؤوا قوله سبحانه وتعالى: ? وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ? [آل عمران: 104]؟

آيات صريحة تجعل من الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى واجبًا على المسلم في لحظة إعلانه الإسلام.

 

وتأمل أخي حالَ الصدِّيقِ رضي الله عنه، وهو خير الأمة، وأفهمها للإسلام بعد نبيِّها صلى الله عليه وسلم، بدأ دعوته إلى الإسلام في اللحظة التي أسلم فيها، وكان رجلًا تاجرًا، فأسلم على يديه جماعة، على رأسهم خمسة مبشرون بالجنة، وهم: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيدالله، وسعد بن أبي وقاص، وعبدالرحمن بن عوف، رضي الله عنهم جميعًا[1].

 

وكأني بذاك الصياح يصمُّ أذني بصياحه: يا هذا! أنت تريد تخريب الدين، أنت تريد إفساد الإسلام، كيف يتكلم في الدين كل إنسان؟!

 

مهلًا بأخيك يا أخا الإسلام، حنانَيْكَ بي، إن الذي تنتقده هذا ليس هو ما أدعوك إليه، إنك تنتقد فهمك أنت وليس دعوتي أنا، ولله در المتنبي إذ يقول:

وكم من عائبٍ قولًا صحيحًا
وآفتُه من الفهمِ السقيمِ
ولكن تأخذ الآذانُ منهُ
على قدرِ القرائحِ والعلومِ[2]




فقد عملتَ معي ما عمِله أبو نواس في الكتاب المجيد؛ إذ يقول:

دعِ المساجدَ للعُبَّاد تسكنها
وطُفْ بنا حول خمَّارٍ ليسقينَا
ما قال ربُّك ويلٌ للأُولى سكِروا
بل قال ربك ويلٌ للمصلِّينَا




ولو صبرت حتى أنتهي من مقالي، لَما اشتددتَ في النكير عليَّ، فلستُ بأقل منك غيرةً على ديني أخي الحبيب.

أخي الحبيب، إن اقتصار الدعوة على العلماء فحسب فهمٌ خاطئ، وأصل هذا الفهم الخاطئ فهمٌ آخر، وهو أشد منه خطأً!

 

أعني: اقتصار الدعوة على التصدر لشرح الإسلام والكلام فيه وتعليمه، وهذا خطأ؛ فللدعوة إلى الله سبحانه وتعالى صورٌ لا يحصيها إلا محصي أنفاس العباد سبحانه وتعالى؛ فللدعوة إلى الله سبحانه وتعالى صور بعدد العلوم والحِرَف والصناعات والمهارات في العالم!

 

إن الصدِّيق رضي الله عنه عندما دعا إلى الإسلام في لحظتِه الأولى التي أعلن بها إسلامه - لم يعقد حلقة يشرح فيها أصول الإسلام وفروعه!

 

فلم يَزِدِ الصديق رضي الله عنه عن تقديم دعوة لطيفة تشتمل على التذكير بالصدق والأمانة وسائر الفضائل التي اشتهر بها نبيُّنا صلى الله عليه وسلم، وهو ما يبعد عنه احتمالية الكذب، وأن الله سبحانه وتعالى اصطفاه بالنبوة وكلَّفه بالرسالة، وهو الآن مستعدٌّ ليبين لكم سائر أركان الإسلام، ولا يليق بمن كان في رجاحة عقلكم وسمو أخلاقكم أن يتباطأ عن مثل هذا الخيرِ العظيم، وأليق شيء بكم أن تتوجَّهوا معي جميعًا إليه صلى الله عليه وسلم؛ لتسمعوا منه بآذانكم، وتحكموا بعقولكم!

 

وبهذا العرض الموجز، قام الصدِّيق رضي الله عنه بواجب الدعوة بغير أن يتجاوز حدَّه العلمي!

حبيبي في الله، هل سمعت عن بلاد الأندلس من قبلُ؟

بلاد الأندلس جزء من بلاد الإسلام، تعرَّضت لخطر التمزق والانهيار، وكادت أن تقع في أيدي المشركين!

تعلم مَن الذي حال بينها وبين السقوط بأيدي الصليبيين، وأبقاها تحت المسلمين أكثر من أربعمائة عام؟

إنهم المرابطون، الذين كانوا سببًا في الحفاظ على إسلامية الأندلس أكثر من أربعمائة عام!

 

هل تعلم من هم المرابطون؟

إنهم مجموعة من القبائل المغربيَّة، كانوا من أشد الناس جهلًا وكفرًا وضلالًا عياذًا بالله!

هل تعلم مَن كان سببًا في تحوُّلهم من الكفر للإسلام؟

هل تعلم مَن كان سببًا في تحوُّلهم من محاربة الإسلام إلى الدفاع عنه؟

هل تعلم مَن كان سببًا في تعلمهم الدين؟

هل تعلم مَن كان سببًا في جعلهم يحملون راية الدفاع عن الملة بعد محاربتها؟

إن السبب في ذلك رجل اسمه: يحيى بن إبراهيم الكدالي.

هل تعرف الإمكانات العلمية لهذا الرجل؟

إن إمكاناته العلمية لا تتجاوز النطق بالشهادتين فحسب!

ولك أن تتساءل متعجبًا: كيف لرجل لا تتجاوز إمكاناته العلمية النطق بالشهادتين فحسب أن يحقق هذا الإنجازَ العلمي العظيم؟!

 

أقول لك أخي الحبيب:

هذا الرجل كان عنده معلومة، وهي: أن أصل هذا الدين بمكة المكرمة والمدينة المنورة، وأن المسلم يجب أن يذهب إلى هناك مرة واحدة على الأقل في العمر!

 

وبالفعل قام هذا العبد الصالح بتنفيذ ما يعلمه في الدين، وذهب إلى مكة بموسم الحج، وهناك علم أنه وكلَّ قبيلته لا يعلمون عن الإسلام إلا الاسم فقط، وكان هذا الرجل يتمتع بحس عالٍ بالمسؤولية، فرأى أن حمل الأمانة يقتضي أن يبحث عن عالم مسلم، ليس من أجل أن يعلِّمه الإسلامَ فحسب، بل من أجل أن يعلِّمه ويعلِّم قومه أيضًا، وبالفعل بدأ يبحث عن هذا العالم، وبعد عدة رحلات وتنقلات - بقصد تحقيق هذا الهدف النبيل - كان عبدالله بن ياسين ذلك العالم الرباني هو مَن علِم واجبات العالم الرباني وعلِم أنه المعنيُّ بالدرجة الأولى لهذه المهمة، وبالفعل اصطحب الرجل الصالح يحيى بن إبراهيم الكدالي عبدَالله بن ياسين إلى قبيلته، ودخل به بصورة غريبة؛ إذ جعله يركب الناقة بينما يقود دابته من خطامها؛ حتى يغرس بذلك توقيرَه واحترامه في نفوس باقي القبيلة، وبعد معاناة شديدة، وحروب عديدة، قامت دولة المرابطين بالمغرب، ثم انتقل نفوذها إلى الأندلس، لتمنعها من السقوط أربعة قرون كاملة!

 

كل هذا بدعوة رجل أمِّي اسمه يحيى بن إبراهيم الكدالي، هذا الرجل الأمِّي كان مع جهله بالدين يتمتع بعدة هبات ربانية:

الهبة الأولى: الشعور بالمسؤولية تجاه المسلمين، وشعوره بقضيتهم الكبرى، وهي بُعْدهم عن حقيقة الإسلام.

 

الهبة الثانية: الإيجابية، وذلك أن هذا الألمَ لبُعْد المسلمين عن الإسلام - لم يظهر في زفرات القلب، بل بالتحرك الفعلي لمعالجة الخطر الأكبر على المسلمين.

 

الهبة الثالثة: الفهم عن الله سبحانه وتعالى فهمًا صحيحًا.

إذ علم أن جهله بالدين لا يرفع عنه واجبَ تعليم قومه، كما فهم أن قيامه بواجب تعليمه قومَه لا يتحقق بأن يتعلم هو ثم يعلِّمهم، بل يتحقق بجلب عالم رباني يبدأ في تعليمه وتعليم قومه في وقت واحد!

 

فلم يتجرَّأ على التصدر لتعليم الدين الذي لم يتعلمه هو بعد؛ إذ علم أن الكثيرين سيموتون على الضلال إن تأخر مجيء العالم الرباني إلى القبيلة!

 

وهذا يعكس سلامة فهمه عن الدعوة إلى الله عز وجل، وأنها ليست قاصرة على التعليم والتكلم فحسب، بل علِم أن تيسيره لإحضار هذا العالم الرباني كان عملًا من أعمال الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وعلم أنه بإحضاره لهذا العالم، ومساندته له، ونصرته له، ومحاربته في صفه - كلُّ هذه أعمال دعوية محضة!

 

فما مِن عمل صالح قام به العالم الرباني عبدالله بن ياسين، ولا نفس أسلمت، ولا طاعة أطيع الله عز وجل بها بسببه، إلا كانت بفضل الله سبحانه وتعالى في ميزان حسنات العبد الصالح يحيى بن إبراهيم الكدالي، وذلك بفضل الله سبحانه وتعالى، ثم بفضل فهمه عن الله سبحانه وتعالى، هذا مع أمِّيته الدينية!

وأغرب من هذا تاجر مخدِّرات، كان من أفضل الدعاة إلى الله عز وجل!




لا عجب، فقد استمعت لأحد الدعاة المشهورين الإنجليز، عندما كان يحكي قصة إسلامه، التي بدأت برفض عقله لعقائد التثليث والصلب والفداء، وهو ما دعاه إلى ترك وظيفته كشماس بالكنيسة، والتخلي عن دراسته التي تؤهله لمنصب كاهن بالكنيسة.

 

وبدأ رحلة البحث عن الدين الحق، ودخل مكتبة الجامعة وقرأ عن كل الأديان التي لها كتب بالمكتبة، ومن ثم ازدرى الأديان كلها، وعلى رأسها الإسلام، ذلك الدين الوثني الذي يدعو إلى عبادة الشمس.

نعم، هذا ما قرأه في كتاب يعرِّف الإسلام ويشرحه بمكتبة الجامعة!

ومن ثم هجر فكرة التدين برمتها، وسعى في طريق الفواحش والمسكرات والمخدِّرات، عياذًا بالله!

 

وبينما يشتري بعض المخدِّرات من تاجر مسلم باكستاني، جرى بينهما حديث، فدعاه إلى مشاركته لتناول المخدِّرات، فكانت المفاجأة رفض تاجر المخدِّرات شرب المخدرات؛ لأن دينه يحرِّمها عليه!

 

فضحك المدمن قائلًا: ودينك الذي يحرِّم عليك شربها يبيح لك التِّجارة بها؟ فأجاب التاجر: لا، بل تجارة المخدِّرات أعظمُ إثمًا من تناولها في ديني، ولكنْ لي ظروف قاهرة دفعَتْني للتجارة فيها، وليس هناك ما يجبرني على شربها، وأنا بحالي هذا عاصٍ مرتكب لكبيرة، ولست كافرًا!

 

فسأله المدمن: وما دينك؟

فأجاب التاجر: الإسلام.

فتعجب المدمن قائلًا: آه! أنتم عباد الشمس؟!

فضحك التاجر ساخرًا: معاذ الله! ما هذا الهراء؟

نحن نعبد الله وحده لا شريك له، وما الشمس إلا مخلوقٌ من مخلوقات الله عز وجل التي لا يعلمها غيره عز وجل.

فقال المدمن في تركيز وجدِّية: هل يمكن أن تشرح لي دينك؟

 

فابتسم التاجر مستحييًا: أنا لا أعلم عن ديني الكثير، أنا مسلم فاسق، ولكن إن أردت معرفة الدين فاذهب إلى منبعه وموطن ظهوره، فسأله المدمن متلهفًا: وأين أجده؟

فأجاب التاجر: عليك بمكة والمدينة.

 

وبالفعل لم يُضِعِ المدمن الفرصةَ واتصل لتوِّه بشركة حجز طيران، وحدد موعد الرحلة، وكانت النتيجة أنه لم يرجع إنجلترا إلا بعد أن أعلن إسلامه، والتحق بإحدى الكليات الشرعية، وختم القرآن، ودرس الإسلام، وعاد داعيًا إليه بين بني قومه، وأصبحت كلُّ دعوته، وكل نفس تسلم على يديه في ميزان حسنات الداعية الأول تاجر المخدرات، غفر الله له وتاب عليه!

 

والخلاصة:

أنك يجب أن تجمع بين الفرضين:

الفرض الأول: القيام بفرض الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

الفرض الثاني: تقديس الدين بعدم التكلُّم فيه بغير علم راسخ.

 

والجمع بين هذين الفرضين يكون من خلال التطبيق الحرفي للحديث عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَثَلُ المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم: مثلُ الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى))[3].

 

فالعينان مهما بلغت حدتهما، لا يمكن أبدًا أن تسمعا الصوت مهما كان عاليًا.

والأذنان مهما كانتا مرهفتين، لا يمكن أبدًا أن تشمَّا العطور!

والأنف مهما بلغت قوة شمها، لا يمكن أن تتذوق طعم الطعام!

واللسان مهما كان ذواقًا للأطعمة، لا يمكن أن يعين صاحبَه على التفكير!

 

وهكذا، فكل عضو بجسم الإنسان لا يصلح إلا لوظيفة معينة، ووظيفة العضو لا يحددها إلا خالقُه سبحانه وتعالى، كذلك فكل إنسان خلقه الله سبحانه وتعالى لوظيفة معينة لا يستطيع القيام بغيرها، فقم بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى من خلال وظيفتك التي خلقك الله عز وجل لأدائها!

 

موقف لا أنساه بعون الله سبحانه وتعالى:

لا أنساني الله ذلك الموقف، عندما كنت غلامًا فدعاني بعض أحبابي في الله سبحانه وتعالى لمحاضرة لأحد الدعاة إلى الله عز وجل طاف بلاد العالم أجمع، فرأيت ذلك الأمر لا ينبغي أن أمشي إليه، بل ركضت إليه فرحًا أني سأسمع داعية راسخًا طاف العالم مبلِّغًا عن الله سبحانه وتعالى وعن نبيِّه صلى الله عليه وسلم.

 

وزاد فرحي عندما وقعت عليه عيني وعلى عمامته التي لم أرَ مثلها قط في حياتي كلها، ثم ما لبث أن تكلم وقلبي يخفق فرحًا، فكانت المفاجأة أنه لا يحسن أن يتكلم جملة واحدة، والأغرب أن آيات القرآن كان يفتح المصحف ليقرأها قراءة خاطئة جدًّا، فتعجبت عن مؤهلات هذا الداعية التي دفعته ليطوف العالم أجمع مبلغًا عن الله سبحانه وتعالى وعن نبيه صلى الله عليه وسلم!

 

وعلمت بعدها أنه كان من أكبر رجال الأعمال بالعالم، وكانت له تجارات واسعة جدًّا تركها كلها تفرغًا للدعوة إلى الله عز وجل!

ومع صغر سني آنذاك لم أجد هذا التصرف موافقًا لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان يستخدم كل إنسان لخدمة الدعوة إلى الله بِناءً على الهبات الإلهية التي وهبها الله سبحانه وتعالى له!

 

فجعل الشيخين للمشورة السياسية، والعبادِلة للحديث والعلم، وحسان بن ثابت رضي الله عنه للشِّعر، وثابت بن قيس للخطابة، وزيد بن ثابت للترجمة والقراءات، وخالد للقيادة العسكرية، والزبير والمقداد للفروسية، وسلمة بن الأكوع للرجالة، وقِسْ على ذلك.

 

ترى: إذا درس حسان بن ثابت رضي الله عنه الحديث والفقه، هل كان سيحقق فيهما النجاح الباهر الذي حققه في الشِّعر؟

ترى: إذا درس ابن عمر رضي الله عنهما الشعر، هل كان سيحقق فيه النجاح الباهر الذي حققه في الحديث والفقه؟

ترى: إذا درس ثابت بن قيس القراءات والترجمة، هل كان سيحقق فيهما النجاح الباهر الذي حققه في الخطابة؟

ترى: إذا درس زيد بن ثابت الخطابة، هل كان سيحقق النجاح الباهر الذي حققه في القراءات والترجمة؟

لا ريب أن تسخير كل منهم في الأمر الموافق لطبعه كان سببًا كبيرًا في النجاح الباهر الذي حققه فيه!

 

فأعتقد أن الواجب على هذا الرجل الفاضل وسائر رجال الأعمال أن يعملوه؛ قيامًا بواجب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى - هو تأسيس الجمعيات الدعوية، وإناطة أمرها بالعلماء الربانيين الراسخين في العلم، فلو أنشؤوا مثل هذه الجمعيات في بلاد المسلمين العجم، وعلى رأسها إفريقيا ودول البلقان وإندونيسيا وماليزيا وبرونوا، والدول غير الإسلامية التي ترحب بالدعوة، وعلى رأسها اليابان وكندا وأستراليا، وغيرها، وقاموا بتمويل مشاريع الدعوة والمدارس والإغاثة - فإني أقسم بالله سبحانه وتعالى أنه لن يهتدي كافرٌ إلى الإسلام، ولن يتعلم مسلم شيئًا في دينه، ولن يثاب داعية بهذه الأماكن ثوابًا، ولن يطاع الله سبحانه وتعالى بأي طاعة ناتجةٍ من إنشاء هذه الأعمال إلى يوم الدين، إلا كانت في ميزان مَن أنشأ وموَّل هذه الجمعيات خالصَ النية لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، وذلك ليوم الدين.

 

فأنت أيها التاجر الداعية:

كن داعية إلى الله سبحانه وتعالى بتسخير مالِك في خدمة الدعوة إلى الله عز وجل، وإنشاء المؤسسات الدعوية والنفقة عليها، وإسنادها للربانيين، ولا تشغل بالك بغير تجارتك.

 

كن داعية إلى الله سبحانه وتعالى بأن تكون سمحًا في بيعك وشرائك ومقاضاتك.

كن داعية إلى الله سبحانه وتعالى بتعلم فقه البيوع والتجارات وتطبيقه.

كن داعية إلى الله سبحانه وتعالى بفتح المشاريع النافعة للمسلمين، وابعد عن المشاريع الضارة مهما كثرت أرباحها.

كن داعية إلى الله سبحانه وتعالى برحمتك بالناس، ورأفتك بهم، وحسن أخلاقك معهم.

 

وأنت أيها المبرمج الداعية:

كن داعية إلى الله سبحانه وتعالى بعمل البرامج النافعة للدعوة، وما أكثرها!

 

وأنت أيها الصفِّيف الداعية:

كن داعية إلى الله سبحانه وتعالى بتفريغ الخطب والمحاضرات، وجعلها بصورة مقروءة.

 

وأنت أيها المترجِم الداعية:

كن داعية إلى الله سبحانه وتعالى بصحبة أحد الدعاة الصادقين، وترجمة دعوته إلى اللغات التي تتقنها، كذلك قم بترجمة النصوص الدعوية إلى اللغات التي تتقنها.

 

وأنت أيها السائق الداعية:

كن داعية إلى الله سبحانه وتعالى بتوصيل العلماء والدعاة والطلبة إلى أماكن الدعوة والعلم.

 

وأنت أيها النجار الداعية:

كن داعية إلى الله سبحانه وتعالى بصنع المنابر والمقاعد والنوافذ والأبواب والمكاتب التي توضع في أماكن العلم والدعوة.

 

وأنت أيها الكهربائي الداعية:

كن داعية إلى الله سبحانه وتعالى بتشغيل نظم الإنارة للمعاهد الدعوية.

 

وأنت أيها الفلاح المزارع الداعية:

اعتنِ بحقلك، وكن داعية إلى الله سبحانه وتعالى برصد جزء من زرعك للمعاهد والأماكن التي تقوم على الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وتعلَّم فقه الزروع والتزم به.

 

وأنت أيها السباك الداعية:

كن داعية إلى الله سبحانه وتعالى بتوصيل الصرف الصحي لأماكن الدعوة والتعليم.

 

وأنت أيها الطبيب الداعية:

كن داعية إلى الله سبحانه وتعالى بالعمل في المراكز الصحية الملحقة بالجمعيات الدعوية، وسخِّر عملك في جذب قلوب المرضى، واعطف عليهم، واحنُ عليهم، وارْأَفْ بهم.

 

وأنت أيها المهندس الداعية:

كن داعية إلى الله سبحانه وتعالى بعمل الرسومات الهندسية للبنايات الدعوية، وأشرف على بنائها بنفسك حتى تكون على أكمل وجه.

 

وأنت أيها الطباخ الداعية:

كن داعية إلى الله سبحانه وتعالى بطهي الطعام في المراكز الدعوية، أو بتخصيص بعض الوجبات لغير المسلمين تتألف قلوبهم بها، أو غير ذلك من الأغراض الدعوية.

 

وأنت أيها المسلم الداعية:

كن داعية إلى الله سبحانه وتعالى بكل ملصق تعلقه تدعو فيه لمحاضرة.

كن داعية إلى الله سبحانه وتعالى باستخدام الفيس والواتس وغيرها في تبليغ الناس ودعوتهم للمحاضرات والندوات، وفي ترويج مواقع الدعوة وتوصيلها للمحتاجين إليها من الكافرين والفاسقين وطالبي الهدى والراغبين في التعلم.

 

وأنتِ أيتها الزوجة الداعية:

كوني داعية إلى الله سبحانه وتعالى بحسن تبعُّلك لزوجك وتفريغه للدعوة، وإعانته على دعوته إلى الله سبحانه وتعالى.

وهكذا فعلى كل داعية في دعوته واجبٌ يختلف عن واجبات الآخرين، ويتَّفِق مع طبيعة الهبات الإلهية التي وهبها الله سبحانه وتعالى له، بشرط أن يتعلم كل مسلم فقه القيام بعمله، وما يجب منه وما يحرُم عليه.

 

ألا فحذار، حذار، حذار من تخريب البيوت وإضاعة الأهل، وإفساد الذرية، وتدمير الصناعات، وإهمال التِّجارات بذريعة الدعوة التي تكون أشد المتضررين بتصدر الجهلاء بها لإدارة أمورها، فاتقوا الله أيها الأحبة الراغبون في ثواب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وفَّقني الله وإياكم لما يحبه ويرضاه عز وجل.

 

ماذا ننتظر؟

هيا ابدأ باستلام موقعك في خندق الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

نعم.

 

ما تقول؟

متحير؟

لا تعلم كيف تبدأ؟

هلَّا فعلت كما فعل التائب من قتل مائة نفس؛ إذ ذهب لأعلم أهل الأرض يسأله عن الطريق، فدلَّه على الطريق، فأسرع بسلوكه، فكان باتباعه من الناجين ومن أهل جنة رب العالمين سبحانه وتعالى!

 

ألا فاقتدِ به، واذهب لعالم رباني يرسم لك الطريق ويعينك على السير فيه، من خندق الدعوة نبدأ، وعلى حوضه صلى الله عليه وسلم نلتقي بإذن الله سبحانه وتعالى.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

سبحانك اللهم وبحمدك

أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك




[1] سيرة ابن إسحاق (2/ 121)، بتصرف.

[2] ديوان أبي الطيب المتنبي (ص: 239).

[3] [صحيح]: رواه الإمام أحمد (18373)، والبخاري (6011)، ومسلم (2586).


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook