الدين يسر: كيف نفهمها؟

الكاتب: المدير -
الدين يسر: كيف نفهمها؟
"الدِّين يُسْر.. كيف نفهَمها؟!




الدِّين يُسْر عبارة دارجة على الألسنة، لها أصل في الكتاب والسنة؛ فالله تعالى يقول: ? يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ? [البقرة: 185]، ويقول: ?فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ? [التغابن: 16]، ويقول سبحانه: ?وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ? [الحج: 78]، بل إنها دعوة للمؤمنين، علَّمها إياهم ربُّ العزة سبحانه وتعالى في قوله: ?وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ? [البقرة: 286]، وأكَّدت السنة النبوية المطهَّرة على ذلك؛ روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الدِّين يُسْر، ولن يشادَّ أحدٌ الدِّينَ إلا غلَبه؛ فسدِّدوا وقاربوا وأبشِروا، واستعينوا بالغَدْوة والرَّوْحة، وشيءٍ مِن الدُّلجة))، وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضى الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا))، وغير ذلك من الأدلة الوافرة التي تؤكد على وجود هذا اليُسر في ديننا الحنيف، إلا أن بعض الناس يفهمون هذا اليُسر على غير حقيقته؛ فيتركون الفرائض، أو يقصِّرون في أدائها، بحجة أن الدِّين يُسْر، أو يأكلون الحرام، بحجة أن الدِّين يُسْر، أو يتعاملون بالربا، أو يستبيحون المنكرات، وغير ذلك من أوجه التفريط والإفراط التي لا تنتسب إلى اليسر المقصود في شيء.




إن شريعة الإسلام دون غيرها انفردت بهذه المَيْزة، أقصد ميزة اليسر في أداء التكاليف التي فرضها الله تعالى على المكلفين، ونظرةٌ سريعة إلى شرع مَن قبلنا تجعلك تُحسُّ بهذا الفرق الشاسع، والبون الواسع بين شريعتنا وشريعة من كان قبلنا، فعلى سبيل المثال لا الحصر: كانت التوبة من الذنب في شريعة من قبلنا توجب على المذنب قتلَ نفسِه؛ حتى يبرأ ويتطهر من ذنبه؛ قال الله تعالى: ?وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ? [البقرة: 54]، قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ في تفسيره لهذه الآية: عن ابن عباس، قال: قال الله تعالى: إن توبتَهم أن يقتل كلُّ رجل منهم كلَّ مَن لقِيَ مِن ولد ووالد، فيقتله بالسيف، ولا يبالي مَن قتل في ذلك الموطن، فتاب أولئك الذين كانوا خَفِيَ على موسى وهارون ما اطلع الله من ذنوبهم، فاعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا به، فغفَر الله تعالى للقاتل والمقتول، إلا أن دِيننا الإسلامي شرعَ التوبة والاستغفار من الذنب دونما حاجةٍ لقتل النفس؛ قال الله تعالى: ?فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا? [نوح: 10 - 12]، وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري ـ رضى الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن قال حين يأوي إلى فراشه: أستغفر اللهَ الذي لا إله إلا هو، الحيَّ القيومَ، وأتوب إليه، ثلاث مرات - غفَر الله له ذنوبه، وان كانت مِثل زَبَدِ البحر، وان كانت مِثل رَمْل عالجٍ، وإن كانت مثل عدد ورق الشجر))، ضعَّفه الألباني، إلا أن له شواهدَ كثيرة تقويه، والأحاديث في الاستغفار وفضله وصِيَغه كثيرة جدًّا، الشاهد أن اللهَ تعالى لم يجعل قتل الإنسان لنفسه توبةً مِن الذنب.




كذلك جعل الله تعالى في شرع مَن قبلنا دليلَ قَبول القُربات والصدقات نزولَ نارٍ تُحرِق هذه القُربات من صدقة وغيرها؛ قال الله تعالى: ?وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ? [المائدة: 27]، قال السدى في تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: قرَّب هابيلُ جَذَعة سمينة، وقرَّب قابيل حزمة سُنْبل، فوجد فيها سنبلةً عظيمة، ففركها فأكلها، فنزلت النار فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، وعن مجاهدٍ في قوله: ?وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا? [المائدة: 27] قال: هابيل وقابيل، فقرَّب هابيلُ عَناقًا مِن أحسن غنمه، وقرب قابيل زرعًا من زرعه، قال: فأكلت النارُ العَناقَ، ولم تأكل الزرع، فقال: ?لَأَقْتُلَنَّكَ? [المائدة: 27]، قال: ?إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ? [المائدة: 27].




ولما كان ذلك معهودًا لدى أتباع الأمم السابقة، فقد كان مِن قولهم صراحةً لكل نبي يأتيهم من قِبَل الله تعالى؛ قال سبحانه: ?الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ? [آل عمران: 183].




كذلك بيَّن الله تعالى صورًا كثيرة من أوجه التشديد على مَن قبلنا، حتى في ذبائحهم التي كانوا يأكلونها؛ فقد أحل الله لهم أجزاءً من الذبيحة، وحرَّم عليهم أجزاء أخرى في نفس الذبيحة كنوع من العقاب؛ جزاء عنادهم وتكذيبهم لرسل الله لهم؛ قال الله تعالى: ?وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ? [الأنعام: 146]، ختم الله تعالى الآية بقوله: ?ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ? [الأنعام: 146]؛ أي: هذا التضييق إنما فعلناه بهم وألزمناهم به؛ مجازاةً لهم على بَغْيهم ومخالفتِهم أوامرَنا؛ كما قال تعالى: ?فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا? [النساء: 160]، وقوله: ?وَإِنَّا لَصَادِقُونَ? [الأنعام: 146]؛ أي: وإنَّا لعادلون فيما جزيناهم به، وقال ابن جرير: وإنا لصادقون فيما أخبرناك به يا محمدُ مِن تحريمِنا ذلك عليهم، لا كما زعَموا مِن أن إسرائيلَ هو الذي حرَّمه على نفسه.




إن يُسْرَ الإسلام يبدو لنا جليًّا في جوانبَ شتى، أولها الجانب العقدي؛ فقد أعطَى المكلَّفَ حرية الاختيار، وفي نفس الوقت حمَّله مسؤولية اختياره أمام خالقه سبحانه وتعالى؛ قال تعالى: ?لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ? [البقرة: 256]، وقال عز مِن قائل: ?وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا? [الكهف: 29]، لقد ظهَر يُسْرُ الإسلام جليًّا في ترك الناس وما يعتقدون دون إكراهِهم على الدخول في الإسلام، والقراءة المتأنية للتاريخ الإسلامي وما فيه من فتوحاتٍ إسلامية للأقطار والأمصار تجعَلُك تُدرك هذه السماحة وهذا اليُسْرَ الذي تعامَل به الإسلامُ مع مخالفيه قبل أتباعه، وأن لهم ما لنا وعليهم ما علينا، بعيدًا عن الإجحاف والظلم والجَوْر الذي اتبعه أصحابُ المِلَل والعقائد قبل الإسلام مع مخالفيهم.




أما أتباع الإسلام فيدركون اليُسْرَ الذي شرعته الملة الحنيفية السمحةُ للمكلفين؛ كيلا يشُقَّ عليهم تكليف، مراعاة لحال المكلَّف في المنشَطِ والمكرَهِ، والضيق والسَّعة، ففي الطهارة مثلًا شرع التيمم بديلًا عن الوضوء والغسل في حال فَقْدِ الماء، أو العجزِ عن استعماله، أو قلَّته، كما شرع المسح على الخفين والجوربين والجبيرة، والخمار للمرأة، وتفصيل ذلك في كتب الفقه.




وفي الصلاة أجاز الشرع للمكلَّف أداءَ الصلاة في أي مكان أدركته فيه، وللمريض أجاز له أن يصلي بالهيئة التي تكون فيها راحته، قاعدًا، أو على جنبِه، أو حتى بالإيماء برأسِه، كما وضع الصلاةَ عن الحائض والنفساء، ووضَع نصف الصلاة الرباعية عن المسافر، وأجاز له أيضًا جمع الصلاة تقديمًا وتأخيرًا حسَب ما يتيسر له، كما شرعت صلاة الخوف بهيئتها المبينة في كتب الفقه من باب التيسير على المجاهدين في ميدان القتال؛ خشية أن يؤخَذوا على غِرَّةٍ.




والزكاة فُرضت على الأغنياء ومَن يملكون الأموال وغيرها مما تجب فيه الزكاة إذا بلغت الأنصبة المحددة وحال عليها الحول، ولم يلزم الفقراء بها، بل جعلهم ممن يستحقون هذه الزكوات؛ حتى يكون المجتمع أقرب إلى المساواة، وحتى لا يقتصر تداول المال على فئة دون أخرى.




أما الصيام فهو شهر واحد في العام، وهو شهر رمضان، يُعفَى من صيامه المريض والمسافر، على أن يقضيه بعد ذلك، أما المرضى غيرُ القادرين على الصيام وكبار السن، فعليهم الفِدية بديلًا عن الصوم، والمرأة الحائض والنفساء تفطر حتى يزول العذر الذي يجهِد المرأة ويضعفها، ثم تقضي ما أفطرته بعد رمضان، وغير ذلك من أحكام اليُسْر في عبادة الصيام، ومن مات وعليه صيام صام عنه وليُّه.




أما فريضة الحج فيكفي فيها يُسْرُ قول الله تعالى: ?وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا? [آل عمران: 97]؛ فالحجُّ فرض على المستطيع ماديًّا وبدنيًّا، وإذا استطاع ماديًّا وعجز بدنيًّا أجاز الإسلامُ له أن يُنيبَ مَن يحجُّ عنه؛ شريطةَ أن يكون قد حجَّ عن نفسه.




ومِن القواعد الفقهية الأصولية في ديننا: المشقَّةُ تجلِبُ التيسيرَ، وهي مِن أوضح الأدلة التي ترفع الحرج عن المكلَّفين في ديننا الإسلامي، وقد أفرد العلماء لها كتبًا توضِّحُها وتبيِّنُ تفصيلاتها.




إن أبواب اليُسْرِ في دِيننا شمِلَتِ البُعدَ عن التنطُّع والمغالاة في العبادة؛ فلا يحمِّلُ الإنسان نفسه ما لا يطيق، بل يلتزم الوسطية التي هي عنوان الأمة المسلمة، وذلك في كل أموره، وفي حديث الرهط الذي جاء إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤكد ذلك؛ روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبِروا كأنهم تقَالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؛ قد غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: ((أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلِّي وأرقد، وأتزوج النساءَ؛ فمَن رغب عن سنَّتي فليس مني)).




إن اليُسْرَ في شريعتنا معناه ببساطة ترك الإفراط والتفريط؛ فلا تهاون، ولا تنطع أو مغالاة، ولمكانة الأمة المحمدية بين الأمم، كان لزامًا على مَن ينتمون إليها أن يضربوا المثَل للعالَمين أجمعين أنهم خيرُ أمَّة، وأنهم بمنأًى عن الغلوِّ والتطرف في الفكر، والقول، والعمل، خاصة في زماننا هذا الذي تُكالُ فيه التُّهمُ للإسلام وأتباعه.




والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook