الصحابة رضي الله عنهم والشعور العميق بمسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الكاتب: المدير -
الصحابة رضي الله عنهم والشعور العميق بمسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
"الصحابة رضي الله عنهم
والشعور العميق بمسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 

كان الصحابة رضي الله عنهم يعقلون أهمية شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأمور المترتبة على ترك هذه الشعيرة، وقد عقلوا هذا الأمر من الرسول صلى الله عليه وسلم عندما بلَّغهم هذا الحديث العظيم: ((مَثَلُ القائم على حدود الله، والواقع فيها، كمثلِ قومٍ استَهَموا على سفينةٍ، فأصاب بعضُهم أعلاها، وبعضهم أسفلَها، فكان الذين في أسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَن فوقهم، فقالوا: لو أنَّا خَرَقْنا في نصيبنا خرقًا، ولم نُؤْذِ مَن فوقنا!




فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا))[1].

 

ففي هذا الحديث تعذيبُ العامة بذنوب الخاصة، وفية استحقاقُ العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

قال علماؤنا: فالفتنة إذا عُمِلت هلك الكلُّ[2].

 

قال العيني - يرحمه الله -: وهكذا إذا أُقيمت الحدود، وأُمِر بالمعروف، ونهي عن المنكر - تحصل النجاة للكلِّ، وإلا هلك العاصي بالمعصية، وغيرهم بترك الإقامة[3].

 

وقال ابن النحاس - يرحمه الله - تعليقًا على هذا الحديث: فانظر كيف كان الأخذُ على أيدي المفسدين، والإنكار عليهم، أو منعهم مما أرادوا - سببًا لنجاتهم أجمعين[4].

 

فتشبيه النبي صلى الله عليه وسلم المجتمعَ بالسفينة ما هو إلا صورة حِسَّية تمثيلية، صوَّرها صلى الله عليه وسلم لصحابته؛ ليوضح لهم الأثر والمسؤولية العظيمة التي سوف يحملونها، ويؤكد لهم - أيضًا - بالدليل القاطع وجوبَ هذه الشعيرة وفضلَها، ووجوبَ الأخذ على أيدي السفهاء، ومنعهم بأي وسيلة من تنفيذ مخططاتهم وتحقيق مآربهم.

 

ومن هنا كان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مسؤولية مَنُوطة بكل مجتمع إنساني، في أفراده وجماعاته؛ إذ كانت الجماعة أشبهَ بالجسد، فيما يَعرِضُ له من عوارض العلل والآفات، فأي عضو في الجماعة يَعرِضُ له عارض من عوارض الفساد، يُهدِّد الجماعة كلها بتلك الآفة، التي إن لم تَجِدْ مَن يطب له منها، سرَت عدواها في المجتمع كله، وتهددت وجوده[5].

 

وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: صاحب المعروف لا يقع، فإن وقع وجد مُتَّكأً. وهذا نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فعل المعروف يقي مصارعَ السوء))[6]، وقال أيضًا رضي الله عنهما: ما رأيتُ رجلاً أَوْليتُه معروفًا إلا أضاءَ ما بيني وبينه، ولا رأيت رجلاً أوليته سوءًا إلا أَظلَمَ ما بيني وبينه[7].

 

وكان هذا إنفاذًا لأمر الله جل وعلا، قال عز وجل: ? وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ? [آل عمران: 104]، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأولي الأمر القائمين بالأمر والنهي، هي من حقائق الإيمان التي دلَّنا عليها الله عز وجل للحصول على السعادة والنجاة بقوله: ? أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ? [النساء: 59]، عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: ? أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ? [النساء: 59]، قال: أولي الأمر: أهلُ طاعة الله الذين يُعلِّمون الناس معاني دينهم، ويأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، فأوجب الله جل وعز طاعتَهم على العباد[8].

 

وقد عدَّه عمر بن الخطاب شرطًا مهمًّا في الانتماء إلى صفوف هذه الأمة، فقد قرأ قول الله عز وجل: ? كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ? [آل عمران: 110] ثم قال: يا أيها الناس، مَن سرَّه أن يكون من تلك الأمة، فليُؤدِّ شرطَ الله منها[9].

 

وأخرج ابن جرير عن جبير بن نفير قال: كنت في حلقة فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإني لأصغرُ القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقلت: أليس الله يقول: ? عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ? [المائدة: 105]؟ فأقبلوا عليَّ بلسان واحد فقالوا: تنزع آيةً من القرآن لا تعرفُها ولا تدري ما تأويلها؟!

 

حتى تمنيتُ أني لم أكن تكلمت، ثم أقبلوا يتحدَّثون، فلما حضر قيامهم قالوا: إنك غلامٌ حَدَث السنِّ، وإنك نزعت آية لا تدري ما هي، وعسى أن تدرك ذلك الزمان؛ إذا رأيت شُحًّا مُطاعًا، وهوًى مُتَّبعًا، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك لا يضرك مَن ضلَّ إذا اهتديت[10].

 

قال الله عز وجل: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ? [المائدة: 105].

 

وأَوْلى هذه الأقوال وأصح التأويلات عندنا بتأويل هذه الآية ما رُوي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فيها، وهو: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ? [المائدة: 105] الزموا العمل بطاعة الله، وبما أمركم به، وانتهوا عما نهاكم الله عنه ? لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُم ? [المائدة: 105]، يقول: فإنه لا يضرُّكم ضلالُ مَن ضل إذا أنتم رُمْتم العمل بطاعة الله، وأدَّيتم فيمن ضلَّ من الناس ما ألزمكم الله به فيه من فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي يركبه أو يحاولُ ركوبَه والأخذ على يديه إذا رام ظلمًا لمسلم أو معاهد، ومنعه منه فأبى النزوع عن ذلك، ولا ضيرَ عليكم في تماديه في غَيِّه وضلاله إذا أنتم اهتديتم وأدَّيتم حقَّ الله تعالى فيه[11].

 

فالله عز وجل أمرَ المؤمنين أن يقوموا بالقسط، ويتعاونوا على البر والتقوى، وذلك بالأخذ على يد الظالم، وأمرهم بالتعاون على البر والتقوى، ومن هذا البرِّ: الأمرُ بالمعروف، وهذا مع ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو كان للناس تركُ ذلك، لم يَكُنْ للأمر به معنى إلا في الحال التي رخَّص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك ذلك، وهي حال العجز عن القيام به بالجوارح الظاهرة، فيكون مُرخَّصًا له تركُه إذا قام حينئذٍ بأداء فرض الله عليه في ذلك بقلبه[12].




وقال ابن مسعود رضي الله عنه: تكلموا بالحق تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله[13].

 

قال ابن عباس رضي الله عنهما: ? أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ ? [الأعراف: 165] وليت شعري ما صنع الله بالذين لم يَنهوا؟![14].

 

قيل لابن عمر رضي الله عنهما في بعض أوقات الفتن: لو تركتَ القول في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنهَ؟

 

فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: ((ليُبلِّغِ الشاهدُ الغائب))، ونحن شَهِدْنا فيلزمنا أن نبلِّغَكم، وسيأتي زمان إذا قيل فيه الحق لم يُقبَل[15].




[1] أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب الشركة، باب: هل يقرع في القسمة والاستهام فيه، 3/ 183.

[2] انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط: 2، 1384هـ، 7/ 392.

[3] عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 19/ 403.

[4] تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين، وتحذير السالكين من أعمال الهالكين، ابن النحاس، دار الكتب العلمية، بيروت، 1422هـ، ص: 23.

[5] انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم يونس الخطيب، دار الفكر العربي - القاهرة، 13/ 146.

[6] شعب الإيمان، أبو بكر البيهقي، تحقيق، مختار أحمد الندوي، صاحب الدار السلفية ببومباي - الهند، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند، ط: 1، 1423 هـ، 5/ 166.

[7] عيون الأخبار، أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة، دار الكتب العلمية - بيروت، ت: 1418 هـ، 3/ 96.

[8] تفسير ابن المنذر، أبو بكر النيسابوري، تحقيق: سعد محمد السعد، دار المآثر، المدينة، ط1، 1423هـ، 2/ 765.

[9] فتح القدير، الشوكاني، تحقيق: د. عبدالرحمن عميرة، دار الحديث، القاهرة، د.ت، ط، 1، 1/ 450.

[10] الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي، 5/ 567، وتفسير الطبري 9/ 46.

[11] جامع البيان عن تأويل آي القرآن، محمد بن جرير الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط: 1، 1420 هـ، 9/ 54.

[12] انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، محمد بن جرير الطبري، 9/ 46.

[13] الآداب الشرعية والمنح المرعية، محمد بن مفلح المقدسي، عالم الكتب، د.ط.ت، 1/ 72.

[14] جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري، ص: 110.

[15] المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ابن عطية الأندلسي المحاربي، تحقيق: عبدالسلام عبدالشافي محمد، دار الكتب العلمية - بيروت، ط: 1 - 1422 هـ، 2/ 357.


"
شارك المقالة:
5 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook