الصد عن دين الله

الكاتب: المدير -
الصد عن دين الله
"الصد عن دين الله

 

صد الكبراء وأصحاب المكانة وامتداد تأثيرهم على غيرهم من الناس، وهم أصحاب الجاه والأموال والمكانة الدينية أو الاجتماعية، وهم الذين خضع الناس لهم، فالحق ما أتوا به، ورأسُ الحكمة في إتباعهم، حَكَر الناس عقولَهم دون عقولِهم، وحجروا على سمعهم وأبصارهم، فلا يرون حقاً إلا ما فعله هؤلاء الزعماء، ومثلهم في ذلك فرعون الذي فرض وصايته العقلية على قومه، واستخف عقولهم (فحملهم على خفة الجهل والسفه، بقوله وكيده وغروره، فأطاعوه فيما أمرهم به، وقبلوا قوله وكذبوا موسى، فقال عنه تعالى ? وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا ? [1].

 

وقد عُبر عنهم في القرآن بـ( الملأ) وهم: أشراف الناس ورؤساؤهم، ومقدموهم الذين يرجع إليهم في قولهم[2]،وهم البارزون في المجتمع وأصحاب النفوذ والسيادة فيه، ومن ثم فهم يستحقون -في عرف الناس- قيادة المجتمع والزعامة والرئاسة فيه[3].

 

ومن أسباب هذه الزعامة:

المكانة الدينية الرفيعة، كتلك الزعامة التي كانت لقريش وأهل مكة بشكل عام، فهم حماة حرم الله، والقائمون على خدمة بيته العتيق وزواره، وقد دانت لهم قبائل العرب بذلك، فكان في إعراض أهل مكة عن الدين الحق ومعاداتهم للدعوة الإسلامية مردود سلبي على من حولهم من القبائل، وباعث لهم على رفض دين الإسلام، كما كان بعد ذلك لدخولهم في الإسلام جملة واحدة أثر إيجابي، في إقبال الناس على إتباعهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((الناس تبع لقريش في الخير والشر))[4].

 

ويبين الإمام النووي رحمه الله سبب اتباع الناس لقريش في الإسلام وفي الجاهلية بقوله: (لأنهم كانوا في الجاهلية رؤساء العرب، وأصحاب حرم الله، وأهل حج بيت الله، وكانت العرب تنتظر إسلامهم، فلما أسلموا وفتحت مكة، تبعهم الناس، وجاءت وفود العرب من كل جهة، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وكذلك في الإسلام هم أصحاب الخلافة، والناس تبع لهم)[5]،كما في قوله عليه الصلاة والسلام:(( الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم لمسلمهم، وكافرهم لكافرهم))[6].

 

ولم يكن هذا التأثر من العرب بسبب إعراض قريش وصدودها عن الإسلام فحسب، بل رافق ذلك، كيدهم وحرصهم على صد الناس عن الدخول في هذا الدين، وسعيهم الدؤوب في شن حرب التكذيب والافتراء لإضلال الناس.

 

لقد علم زعماء مكة أنه لا بقاء لحكمهم، ولا قرار لزعامتهم، إذا انتشرت الدعوة الإسلامية، فبذلوا ما في وسعهم للنيل من الإسلام، لصد العامة من الناس عنه، والعامة عرضة للتأثر بالملأ، والسير وراءهم في مواقفهم من دعوة الحق، لا سيما عند فقدانهم العلم النافع والعقل الراجح، مما يجعلهم عرضة لمكر الليل والنهار، وتدبير الملأ الذين يحرصون على ضمهم إليهم، وبقائهم تحت سلطانهم[7].

 

ومما فعله هؤلاء السادة[8]، في سبيل الصد عن دعوة الحق:

1- إثارة الشبهات لتشويه صورة الإسلام في أنظار أتباعهم ومن حولهم، كاتهام الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يريد الشرف والاستعلاء على قومه، وأن يكون له أتباع، واتهامه بالكذب والتخرص[9]،ويصف الله تعالى حالهم في قوله ? وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ ? [10].

 

ومن ذلك ملاحقتهم له حينما كان يعرض دعوته على القبائل، باحثاً عمن ينصره ويؤويه، تشويشاً على الناس قائلين: يا أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم، فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزى[11].

 

وقد أثمرت جهودهم في الصد عن دين الله، حتى قالت القبائل: قوم الرجل أعلم به، أترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه ولفظوه؟[12].

 

2- استخدام القوة والنفوذ لإرهاب من يخالفهم وصده عن سبيل الله، والتعرض له بالأذى النفسي والجسدي، فأرباب الباطل يخوفون العامة ليضعفوا هممهم، ويثبطوا عزائمهم، فيضطروا إلى طلب السلامة من الأذى الذي يهددهم به السادة[13].

 

وقد أدى هذا الخوف من الأذى إلى منع أقوام من الهجرة إلى المدينة، أو إلى الاستسرار بإسلامهم، أوحال دون دخولهم في الإسلام تقية من قومهم، ومن أجل هؤلاء المستضعفين الخائفين منع الله تعالى القتال يوم الحديبية[14]، كما علم المسلمون ذلك من قوله تعالى ? هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ? [15] وكان الأمن النفسي الذي حصل عليه هؤلاء المؤمنون في مدة الصلح بعد ذلك، دافعا لهم لإظهار إسلامهم والجهر به.

 

ومن كيدهم للمسلمين، مناصبتهم العداء لحليفتهم خزاعة، وإضمار الشر لها، حيث دخلت في عقد المسلمين، وهذا يعني وقوفها في خندق واحد معهم ضد قريش، فبيتوا لها الغدر، ويظهر ذلك في تصريح حويطب بن عبد العزى لسهيل بن عمرو رضي الله عنهما، حيث قال: بادأنا أخوالك بالعداوة- يعني أخوال سهيل وهم من خزاعة- وقد كانوا يستترون منا، فدخلوا في عقد محمد وعهده. ثم يتوعد قائلاً: نصنع بهم أن ننصر عليهم حلفاءنا بني بكر[16].فكان ذلك وأمدت قريش بني بكر ببعض السلاح والرجال ثأرا من خزاعة، فكان ذلك سببا لتحرك النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة، لنقض أهلها العهد.

 

إن ما يتوقعه الراغب في دخول الإسلام من عداء شامل من بني قومه، يضيف إلى نفسه معاناة شديدة، تجعله يدرك أنه بعد المواجهة مع نفسه للخروج من دينه القديم والانتقال إلى دين الحق، سيواجه أهله وأقرباءه، وسيتعرض إلى الكثير من النقد والاتهام والإيذاء[17]، وهذا قد يسبب له الانصراف عن فكرة الدخول في الإسلام أو الاستقامة عليه.




[1] سورة الزخرف جزء من آية 54.

[2] النهاية في غريب الحديث 4/ 351.

[3] بتصرف، أصول الدعوة ص 380.

[4] صحيح الإمام مسلم كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش 3/ 1451 ح 1819.

[5] صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 200.

[6] صحيح الإمام مسلم كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش 3/ 1451 ح 1819.

[7] بتصرف، الدعوة الإسلامية ودعاتها ص 56.

[8] راجع المبحث السابق: موقف قريش من الدعوة الإسلامية.

[9] بتصرف، تفسير القرآن العظيم 7/ 45.

[10] سورة ص الآيتين 6-7.

[11] البداية والنهاية 3/ 139.

[12] المرجع السابق 3/ 140. والشبهات ذاتها تتكرر في الوقت الحاضر لمن تصدى للدعوة والجهاد في سبيل الله.

[13] بتصرف، الدعوة الإسلامية ودعاتها ص 157.

[14] بتصرف، تفسير القرآن العظيم 7/ 325، وانظر الدعوة الإسلامية أصولها ووسائلها ص 106.

[15] سورة الفتح جزء من آية 25.

[16] بتصرف، المغازي: الواقدي 2/ 612، وانظر صلح الحديبية: محمد باشميل ص 284.

[17] بتصرف، بحث بعنوان: الرواسب الفكرية والاجتماعية، دراسة دعوية عن حقيقتها وأثرها وكيفية التعامل معها: د. زيد الزيد، في مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود، العدد الثاني عشر 1415هـ.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook