الصنوبرة

الكاتب: المدير -
الصنوبرة
"الصنوبرة




 

من آيات الله عز وجل أن خلق في الإنسان بضعة صغيرة، هيأها لتكون محلًّا للمعرفة، ومستقرًّا للإيمان، وحاكمة لسلوك الإنسان، يصلح بصلاحها الجسد كله، ويفسد بفسادها الجسد كله؛ قال عنها القرطبي رحمه الله: القلب بَضعة صغيرة على هيئة الصَّنَوْبَرَةِ، خلقها الله تعالى في الآدمي، وجعلها محلًّا للعلم؛ فيحصي به العبد من العلوم ما لا يسع في أسفار... وهو محل الخطرات والوساوس، ومكان الكفر والإيمان، وموضع الإصرار والإنابة، ومجرى الانزعاج والطمأنينة[1].

 

إن قطعةً منا بهذه المكانة يجب أن ينصبَّ فيها جل اهتمامنا؛ أن كانت محل نظر الرب عز وجل، وهي المحرك الرئيس لجميع سلوكياتنا وتصرفاتنا؛ ولهذا حريٌّ أن نعتنيَ بجمال القلب، وأن نصون ذلك الجمال.

 

وتحصل العناية بهذا القلب من وجهين: حماية منافذه، وتغذيته بالنافع؛ فأما حماية منافذه، فتكون بالنظر والتأمل في الداخل عليها؛ من: مسموع، أو مقروء، أو مرئي، فيقف المرء متأملًا قبل اختيار ما يسمعه أو يقرؤه أو يبصره؛ لينظر هل فيه مصلحته أو مفسدته، فيؤثر الأصلح، ويتجنب المفسد؛ لأنه المسؤول الأول عن تلك المضغة ألَّا يضع فيها إلا كل جميل نافع؛ قال تعالى: ? وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ? [الإسراء: 36]، والثاني: تغذيته بالنافع؛ من العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته، والعلم بشرعه، والتفكر في مخلوقاته، وتدبر القرآن والسنة، وشغل الوقت بكل نافع مفيد في أمر الدين أو الدنيا؛ فإن القلب وعاء، إن لم تملأه بالخير وجد الشر فيه مدخلًا؛ كما قال الشاعر:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى *** فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا[2]




ويدخل في حماية القلب: تجنب متابعة حسابات التواصل المخلة بالفكر والسلوك والأخلاق، واستبدالها بمتابعة الحسابات النافعة في الدين أو الدنيا.

 

ومما يدل على أن القلب إن لم نملأه بالنافع امتلأ بما يضره قوله تعالى: ? وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ? [البقرة: 101، 102]، فلما تركوا كتاب الله تعالى، اتبعوا ما تختلق الشياطين من السحر؛ كما قال السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: ولما كان من العوائد القدرية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه وأمكنه الانتفاع به فلم ينتفع - ابتُليَ بالاشتغال بما يضره، فمن ترك عبادة الرحمن، ابتلي بعبادة الأوثان، ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه، ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه، ومن لم ينفق ماله في طاعة الله، أنفقه في طاعة الشيطان، ومن ترك الذل لربه، ابتلي بالذل للعبيد، ومن ترك الحق، ابتلي بالباطل[3].

 

وإذا امتلأ القلب بما يضره، انعكس ذلك على النفس سلبًا؛ فأحدث فيها أنواعًا من الأمراض؛ كالاكتئاب والغل والحسد، وسوء الطوية، وسيطرة خواطر السوء، وباطن الإثم، وذنوب الخلوات، والانحراف في السلوك المؤدي لآفات اللسان وذنوب الجوارح.

 

والمقصود أن الله تعالى لم يجعل لأحد من قلبين في جوفه، إنما هو قلب واحد، عليه مدار صلاح المرء أو فساده، ونجاحه أو خسارته، فطوبى لمن صان قلبه من المفسدات، وغذَّاه بالجميل النافع من العلم الصحيح، والعقيدة السليمة، والأفكار الحسنة، فهذا القلب لا يجد الباطل إليه سبيلًا بإذن الله؛ لأنه لا يجتمع في القلب الواحد الهدى والضلال، والإنابة والإصرار، فالباطل وإن زاحم الحق في بعض الأحيان، فإنما هو كالزبد يذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.




[1] الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، تحقيق: عبدالله التركي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1427هـ - 2006م، (17/

54).

[2] أورده الجاحظ في كتاب الحيوان، تحقيق: عبدالسلام هارون، مكتبة مصطفى البابي، الطبعة الثانية، 1384هـ - 1965م، (1/ 169).

[3] تيسير الكريم الرحمن، للسعدي، تحقيق: عبدالرحمن اللويحق، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1420هـ - 2000م، ص: 60.


"
شارك المقالة:
1 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook