العهد النبوي في منطقة الجوف في المملكة العربية السعودية

الكاتب: ولاء الحمود -
العهد النبوي في منطقة الجوف في المملكة العربية السعودية

العهد النبوي في منطقة الجوف في المملكة العربية السعودية.

 
عقب هجرة المسلمين إلى المدينة قام سكان الجوف من قبيلة كلب بمساندة المسلمين في حروبهم ضد قريشٍ، إلا أنهم عادوا وساعدوا قريشًا؛ نظرًا لارتباطهم بعلاقات تجارية معها، وبدؤوا يتعرضون للقوافل بين الشام والمدينة. ففي السنة الخامسة للهجرة قام جنود الأكيدر باعتداءات متكررة على قوافل التُّجَّار المتجهة من المدينة إلى الشام، وزادت الاعتداءات حِدَّةً حتى وصلت إلى مشارف المدينة نفسها، فشكا تُجَّار العرب ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج على رأس جيش قوامه ألف من المسلمين في أواخر شهر ربيع الأول من السنة الخامسة للهجرة، فهرب أهل دومة الجندل خوفًا، ونـزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحتهم، فلم يجد بها أحدًا، فأقام بها أيَّامًا، وبث السرايا وفرقها، ثم رجع إلى المدينة في أواخر شهر ربيع الآخر من السنة نفسها  
 
والظاهر أن إيذاء أهل دومة الجندل من قبيلة كلب لتجَّار المدينة لم ينقطع، مما اضطر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى إرسال سرية بقيادة عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه في شهر شعبان من السنة السادسة للهجرة. فقد دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم فأقعده بين يديه، وعمَّمه بيده، وقال له: "اغزُ باسم الله، وفي سبيل الله، فقاتل من كفر بالله، لا تغل ولا تغدر ولا تقتل وليدًا". ثم بعثه لحرب كلب التي كان يرأسها الأصبغ بن عمرو الكلبي، وقال صلى الله عليه وسلم لعبدالرحمن بن عوف: إن أطاعوك فتزوج ابنة ملكهم، فسار الجيش إلى دومة الجندل  وأقاموا بها ثلاثة أيام يدعون إلى الإسلام، فأسلم الأصبغ، وكان نصرانيًا، وأسلم معه ناس كثير من قومه، وأقام من بقي على النصرانية شريطة دفع الجزية، ثم أرسل عبدالرحمن بن عوف كتابًا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مع رافع بن مكيث الجهني ليبشره بالفتح، فكتب إليه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتزوج تماضر بنت الأصبغ، فتزوجها وعاد بها إلى المدينة  
 
ويبدو أن الإسلام لم يتعمق في دومة الجندل وحولها على الرغم من الغزوتين الأولى والثانية، كما أن الأكيدر بن عبدالملك حاكم دومة الجندل واصل تعرضه للقوافل التجارية القادمة من المدينة المنورة؛ بسبب مرور التجار دون التوقف في مدينته 
 
وفي أثناء وجود الرسول صلى الله عليه وسلم في تبوك في شهر رجب من السنة التاسعة للهجرة بعث خالد بن الوليد رضي الله عنه على رأس جيش لغزو دومة الجندل. فقد دعا صلى الله عليه وسلم خالدًا وأخبره أنه سيجد الأكيدر يصيد البقر خارج دومة؛ فإن ظفر به فلا يقتله؛ بل يأتي به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن أبى فليقتله، ثم بعثه على رأس جيش من أربعمئة وعشرين فارسًا، وحينما وصل الجيش إلى دومة الجندل، وجد الأكيدر في رحلة صيد فهجم عليه وأسره، وقال له خالد بن الوليد: هل لك أن أجيَرك من القتل حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن تفتح لي دومة؟ قال: نعم، فانطلق به خالد حتى أدناه من باب الحصن وأمر أكيدرًا بفتح باب الحصن، وتم دخوله صلحًا على أن يؤدي الأكيدر ألفي بعير، وثمانمئة فرس، وأربعمئة درع، وأربعمئة رمح، وعلى أن يأخذه خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم فيه بحكمه. فلما قدم أكيدر على الرسول صلى الله عليه وسلم صالحه على الجزية، وحقن دمه ودم أهل دومة، وكتب لهم كتابًا فيه أمانهم هذا نصه:
 
"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول الله لأكيدر حين أجاب إلى الإسلام وخلع الأنداد والأصنام، مع خالد بن الوليد سيف الله، في دومة الجندل وأكنافها. وإن لنا الضاحية من الضحل، والبور، والمعامي، وأغفال الأرض، والحلقة، والسلاح، والحافر، والحصن، ولكم الضامنة من النخل، والمعين من المعمور بعد الخمس، لا تعدل سارحتكم ولا تعد فاردتكم، ولا يحظر عليكم النبات، ولا يؤخذ منكم عشر البتات، تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة لحقها. عليكم بذلك العهد والميثاق، ولكم بذلك الصدق والوفاء. شهد الله ومن حضر من المسلمين"  
 
ثم ختمه الرسول صلى الله عليه وسلم بظفره، وأعطاه الأكيدر. ويروي المؤرخون في خبر مجيء الأكيدر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنه كان على مظهر من القوة والثراء، وأنه أهدى الرسول صلى الله عليه وسلم بعض الهدايا، مثل: البغلة والجبة المذهبة التي عجب من حسنها أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فقال لهم صلى الله عليه وسلم: "لمَنَادِيلُ سعد بن معاذ في الجنة أحسن منها"  
 
وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أبقى الأكيدر ومن معه على نصرانيتهم؛ فإن المصادر تذكر أن هناك من قدم على الرسول صلى الله عليه وسلم من قبيلة كلب وعرض عليهم الإسلام وأسلموا.
 
فقد أتى عبد عمرو بن جبلة الكلبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فعرض عليه الإسلام فأسلم، ثم قال له صلى الله عليه وسلم: "أنا النبيُّ الأميُّ الصادقُ الزكي، والويل كل الويل لمن كذبني وتولَّى عني وقاتلني، والخير كل الخير لمن آواني ونصرني وآمن بي وصدق قولي، وجاهد معي".
 
وجاء في خبر وفد كلب أنَّ حمل بن سعدانة وحارثة بن قطن الكلبي وفدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلما، فعقد لحمل بن سعدانة لواءً، فشهد بذلك اللواء صفين مع معاوية، وكتب لحارثة بن قطن كتابًا جاء فيه:
 
"هذا كتاب من محمد رسول الله لأهل دومة الجندل وما يليها من طوائف كلب مع حارثة بن قطن، لنا الضاحية من البعل ولكم الضامنة من النخل، على الجارية العشر وعلى الغائرة نصف العشر، لا تجمع سارحتكم ولا تعدل فاردتكم، تقيمون الصلاة لوقتها وتؤتون الزكاة بحقها، لا يحظر عليكم النبات ولا يؤخذ منكم عشر البتات، لكم بذلك العهد والميثاق، ولنا عليكم النصح والوفاء وذمة الله ورسوله، شهد الله ومن حضر من المسلمين"  
 
وفي رواية أخرى نجد أن الذين وفدوا على الرسول صلى الله عليه وسلم هم بنو جناب من بني كلب، وأنه كتب لهم كتابًا يحثهم فيه على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ومقدارها والتمسك بالإيمان والوفاء بالعهد  
وتوفي الرسول صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول من العام الحادي عشر للهجرة، وعامله على صدقات دومة الجندل وقبيلة كلب امرؤ القيس بن الأصبغ الكلبي  
 
شارك المقالة:
108 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook