الغرر الفرائد من شوارد الفوائد (2)

الكاتب: المدير -
الغرر الفرائد من شوارد الفوائد (2)
"الغُرَر الفرائد مِن شوارد الفوائد (2)

 

2- التفسير:

1- تفاوُتُ الناس في مراتب الفَهْم عن الله تعالى:

يقول ابن القيم: قد يقصُرُ فهمُ أكثر الناس عن فهم ما دلت عليه النصوص، وعن وجه الدلالة وموقعها، وتفاوت الأمة في مراتب الفهم عن الله ورسوله لا يُحصيه إلا اللهُ[1].

 

وقال أيضًا: والمقصود تفاوُتُ الناس في مراتب الفهم في النصوص، وأن منهم مَن يفهم من الآية حُكمًا أو حُكمين،ومنهم مَن يفهم منها عشرة أحكام، أو أكثر من ذلك،ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ، دون سياقه، ودون إيمائه وإشارته، وتنبيهه واعتباره،وأخص مِن هذا وألطف ضمُّه إلى نص آخر متعلق به، فيفهم من اقترانه به قدرًا زائدًا على ذلك اللفظ بمفرده،وهذا بابٌ عجيب مِن فهم القرآن، لا يتنبه له إلا النادر من أهل العلم؛ فإن الذِّهنَ قد لا يشعُرُ بارتباط هذا بهذا وتعلُّقِه به.

 

وهذا كما فهم ابن عباس - رضي الله عنهما - من قوله تعالى: ? وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ? [الأحقاف: 15] مع قوله: ? وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ? [البقرة: 233] أن المرأةَ قد تَلِدُ لستة أشهر[2].

 

2- كل حُكم من الأحكام لا يتم ولا يكمُلُ إلا بوجود مقتضيه، وانتفاءِ موانعه

أخذًا مِن قوله تعالى: ? وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ? [النساء: 128].

 

يؤخذ مِن عموم هذا اللفظ والمعنى أن الصلحَ بين مَن بينهما حقٌّ أو منازعة في جميع الأشياء أنه خيرٌ مِن استقصاء كلٍّ منهما على كلِّ حقه؛ لِما فيها من الإصلاح، وبقاء الأُلفة، والاتصاف بصفة السَّماحِ.

 

وهو جائزٌ في جميع الأشياء، إلا إذا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا، فإنه لا يكون صلحًا، وإنما يكون جَوْرًا.

واعلم أن كل حُكم من الأحكام لا يتم ولا يكمُلُ إلا بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه؛ فمِن ذلك هذا الحُكم الكبير الذي هو الصلح، فذكر تعالى المقتضيَ لذلك، ونبَّه على أنه خير، والخير كلُّ عاقل يطلبه ويرغَب فيه، فإن كان - مع ذلك - قد أمَر الله به وحثَّ عليه، ازداد المؤمن طلبًا له، ورغبة فيه.

 

وذكر المانع بقوله: ? وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ? [النساء: 128]؛ أي: جُبِلت النفوس على الشح، وهو: عدم الرغبة في بَذْل ما على الإنسان، والحرصُ على الحق الذي له؛ فالنفوس مجبولة على ذلك طبعًا؛ أي: فينبغي لكم أن تحرصوا على قَلْع هذا الخُلُقِ الدَّنيء مِن نفوسكم، وتستبدلوا به ضده، وهو السماحة، ببذل الحقِّ الذي عليك، والاقتناع ببعض الحق الذي لك.

 

فمتى وُفِّق الإنسانُ لهذا الخُلق الحسَن، سهُل حينئذ عليه الصلحُ بينه وبين خَصمه ومُعامِله، وتسهَّلَتِ الطريقُ للوصول إلى المطلوب،بخلاف مَن لم يجتهد في إزالة الشحِّ مِن نفسه؛ فإنه يعسُرُ عليه الصلحُ والموافقة؛ لأنه لا يرضيه إلا جميعُ ماله، ولا يرضى أن يؤديَ ما عليه، فإن كان خَصمُه مِثلَه، اشتَدَّ الأمرُ[3].

 

3 - أحسَنُ الطرق لمحاججة الخَصم المُبطِل

أ - الرجوع بالخَصمِ إلى نظير ما يعترض به، ممَّا تقرَّر بطلانُه

أخذًا مِن قوله تعالى: ? يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا * وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا * فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ? [النساء: 153 - 157].

 

الذين فعَلوا هذه الأفاعيلَ لا يُستنكَر عليهم أن يسألوا الرسول محمدًا أن ينزِّلَ عليهم كتابًا مِن السماء، وهذه الطريقة مِن أحسن الطرق لمحاجَّةِ الخَصم المُبطِل، وهو أنه إذا صدر منه مِن الاعتراض الباطل ما جعَله شُبهة له ولغيره في رد الحق - أن يُبيَّن مِن حاله الخبيثة وأفعاله الشنيعة ما هو مِن أقبحِ ما صدر منه؛ ليعلَمَ كلُّ أحد أن هذا الاعتراض مِن ذلك الوادي الخسيس، وأن له مقدِّماتٍ يُجعَلُ هذا معها.

 

وكذلك كل اعتراض يعترضون به على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم يمكن أن يُقابَلَ بمثله، أو ما هو أقوى منه في نبوة مَن يدَّعون إيمانهم به؛ ليُكفَى بذلك شرُّهم، وينقمِعَ باطلُهم، وكل حجة سلَكوها في تقريرهم لنبوة مَن آمنوا به فإنها ونظيرَها وما هو أقوى منها - دالَّةٌ ومقرِّرة لنبوة محمدٍ صلى الله عليه وسلم[4].

 

ب - إتيان أهل الباطل في محاججتهم مِن أصولهم وقواعدهم أجدى وأنكى مِن إتيانهم مِن الفروع والجزئيات

أخذًا مِن قوله تعالى: ? قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ? [النحل: 26].

 

لأهل الباطل أصولٌ وقواعدُ يقيمون عليها باطلهم، وهذا أمر ينبغي لأهل الحق استحضارُه والتفطُّن إليه في محاججتهم، بالقصد إلى نقضِ الأصول والقواعد الهشَّة التي يقيمون عليها باطلَهم، والحذَر مِن الانجرار معهم إلى الفروع والجزئيات التي يستترون بها، فهذا المسلك - الذي أرشَد اللهُ تعالى إليه في كتابه - هو الأجدى في اقتلاع الباطل مِن جذوره، وكشفِ عَوَارِه مِن كل جوانبه ومناحيه.

 

ج - إفحام الخَصم بالتشهِّي والتحكُّم الباطل

أخذًا مِن قوله تعالى: ? أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ? [البقرة: 87].

 

هذا هو الذي تسميه النُّظَّار والفقهاء: التشهِّي والتحكُّم، فيقول أحدُهم لصاحبه: لا حجةَ لك على ما ادعيتَ سوى التشهِّي والتحكُّم الباطل، فإن جاءك ما لا تشتهيه دفَعْتَه ورددتَه، وإن كان القولُ موافِقًا لِما تهواه وتشتهيه إما مِن تقليدِ مَن تُعظِّمه أو موافقةِ ما تريده، قبِلْتَه وأجزتَه، فترد ما خالَف هواك، وتقبَل ما وافَق هواك.

 

وهذا الاحتجاج مفحِم للخَصم، لا جواب له عليه البتة، فلا يجوز أن تكونَ الشرائعُ تابعةً للشهوات؛ إذ لو كان الشرعُ تابعًا للهوى والشهوة لكان في الطِّباع ما يغني عنه، وكانت شهوةُ كل أحد وهواه شرعًا له؛ ? وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ? [المؤمنون: 71][5].




4 - أحسن الرد لاستدلال المعتزلة بالقرآن الكريم في دعواهم لخَلْقِه

يقول ابن القيم: احتجَّ المعتزلة على مخلوقيَّة القرآن بقوله تعالى: ? خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ? [الأنعام: 102]، ونحو ذلك مِن الآيات.

 

فأجاب الأكثرون بأنه عام مخصوص، يخص محلَّ النزاع، كسائر الصفاتِ، مِن العلم ونحوه.

 

قال ابن عقيل في الإرشاد: ووقع لي أن القرآن لا يتناوله هذا الإخبار، ولا يصلُحُ لتناوله، قال: لأن به حصل عقدُ الإعلام بكونه خالقًا لكل شيء، وما حصل به عقد الإعلام والإخبار لم يكُنْ داخلًا تحت الخبر، قال: ولو أن شخصًا قال: لا أتكلَّم اليوم كلامًا إلا كان كذِبًا، لم يدخل إخبارُه بذلك تحت ما أخبَرَ به.

 

يقول ابن القيم: ثم تدبرتُ هذا فوجدتُه مذكورًا في قوله تعالى في قصة مريم: ? فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ? [مريم: 26]، وإنما أُمِرَتْ بذلك لئلا تُسأَلَ عن ولدِها؛ فقولها: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} [مريم: 26] به حصَل إخبارٌ بأنها لا تكلِّم الإنسَ، ولم يكن ما أخبرَتْ به داخلًا تحت الخبر، وإلا كان قولُها هذا مخالفًا لنَذْرِها[6].

 

5 - خفاء كثير من المعاصي على كثيرٍ مِن الناس، ووجوب العلم بها

أخذًا مِن قوله تعالى: ? وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ? [الأنعام: 120].

المراد بالإثم: جميعُ المعاصي، التي تؤثم العبدَ؛ أي: توقِعه في الإثم، والحرج، مِن الأشياء المتعلقة بحقوق الله، وحقوق عباده،فنهى اللهُ عبادَه عن اقترافِ الإثمِ الظاهر والباطن؛ أي: السر والعلانية، المتعلقة بالبدن والجوارح، والمتعلقة بالقلب، ولا يتم للعبد تركُ المعاصي الظاهرةِ والباطنة إلا بعد معرفتها، والبحث عنها، فيكون البحثُ عنها ومعرفة معاصي القلب والبدن والعلمُ بذلك واجبًا متعيِّنًا على المكلَّفِ.




وكثيرٌ مِن الناس تخفى عليه كثيرٌ مِن المعاصي، خصوصًا معاصيَ القلب؛ كالكِبْر والعُجْب والرياء، ونحو ذلك، حتى إنه يكون به كثيرٌ منها، وهو لا يُحِسُّ به ولا يشعُرُ، وهذا مِن الإعراض عن العلم، وعدمِ البصيرة[7].

 

6 - المؤمنون أحقُّ بنِعَم اللهِ في الدُّنيا والآخرة

أخذًا مِن قوله تعالى: ? قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ? [الأعراف: 32].

هذا التوسيعُ مِن الله لعباده بالطيِّبات، جعَله لهم ليستعينوا به على عبادته، فلم يُبِحْه إلا لعبادِه المؤمنين؛ ولهذا قال: ? قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ? [الأعراف: 32]؛ أي: لا تَبِعَةَ عليهم فيها.

ومفهوم الآية: أن مَن لم يؤمِنْ بالله، بل استعان بها على معاصيه، فإنها غيرُ خالصةٍ له، ولا مباحةٍ، بل يعاقَب عليها، وعلى التنعُّم بها، ويُسأَل عن النَّعيم يومَ القيامة[8].

 

7 - قاعدة التفضيل بين الأشخاص والطوائف والأعمال

أخذًا مِن قوله تعالى: ? لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ? [النساء: 95].

 

إذا فضَّل تعالى شيئًا على شيء، وكلٌّ منهما له فضلٌ، احترز بذِكر الفضل الجامع للأمرينِ؛ لئلا يتوهَّم أحدٌ ذمَّ المفضَّل عليه؛ كما قال هنا: ? وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ? [النساء: 95].




وكما قال تعالى: ? فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ? [الأنبياء: 79].

فينبغي لمَن بحث في التفضيل بين الأشخاص والطوائف والأعمال أن يتفطَّنَ لهذه النكتة.

وكذلك لو تكلم في ذمِّ الأشخاص والمقالات، ذكَر ما تجتمع فيه عند تفضيلِ بعضِها على بعض؛ لئلا يتوهَّم أن المفضَّل قد حصل له الكمالُ؛ كما إذا قيل: النصارى خيرٌ مِن المجوس، فليقُلْ مع ذلك: وكلٌّ منهما كافر،والقتلُ أشنَع مِن الزنا، وكلٌّ منهما معصيةٌ كبيرةٌ، حرَّمها اللهُ ورسولُه، وزجَر عنها[9].

 

8 - إذا ضاق الصدرُ، لم يصلُحْ صاحبُه لهدايةِ الخَلْقِ ودعوتِهم

أخذًا مِن قوله تعالى حكايةً لدعاء موسى عليه السلام: ? رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ? [طه: 25]؛ أي: وَسِّعْه وأفسِحْه؛ لأتحمَّلَ الأذى القولي والفعلي، ولا يتكدَّرَ قلبي بذلك، ولا يضيقَ صدري؛ فإن الصدرَ إذا ضاق، لم يصلُحْ صاحبُه لهداية الخَلْقِ ودعوتِهم.




ومثلها قولُ الله تعالى لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: ? فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ? [آل عمران: 159][10].

 

9 - قاعدة دَفْع الإيهام باختصاص الحُكم بمُعيَّن إن كان لا يختَصُّ به

أخذًا مِن قوله تعالى: ? وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ? [غافر: 25].

تدبَّرْ هذه النكتةَ التي يكثُرُ مرورها بكتاب الله تعالى: إذا كان السياقُ في قصةٍ معينة، أو على شيء مُعيَّن، وأراد الله أن يحكُمَ على ذلك المُعيَّنِ بحُكمٍ، لا يختصُّ به ذِكرُ الحُكم، وعلَّقه على الوصفِ العام ليكون أعمَّ، وتندرج فيه الصورة التي سيق الكلام لأجلها، وليندفعَ الإيهام باختصاص الحُكم بذلك المُعيَّن؛فلهذا لم يقل: وما كيدهم إلا في ضلال،بل قال: {وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [غافر: 25][11].

 

10 - أثرُ القرآن الكريم في المُتدبِّرين له

قوله تعالى حكاية لقول يوسف عليه السلام: ? مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ? [يوسف: 23].

يقولُ ابن الجوزيِّ: نازعَتْني نفسي إلى أمر مكروه في الشرع، وجعلَتْ تنصِبُ لي التأويلاتِ، وتدفع الكراهة، وكانت تأويلاتها فاسدةً، والحجة ظاهرة على الكراهة.

 

فلجَأْتُ إلى الله تعالى في دفع ذلك عن قلبي، وأقبلتُ على القراءة، وكان درسي قد بلغ سورة يوسف، فاتحتها، وذلك الخاطر قد شغل قلبي، حتى لا أدري ما أقرأ،فلما بلغت إلى قوله تعالى: ? مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ? [يوسف: 23]، انتبهتُ لها، وكأني خُوطبتُ بها، فأفَقْتُ مِن تلك السَّكْرة، فقلتُ: يا نفسُ، أفهمتِ؟ هذا حُرٌّ بِيعَ ظلمًا، فراعَى حقَّ مَن أحسَن إليه، وسمَّاه مالكًا، وإن لم يكن له عليه ملك، فقال: ? إِنَّهُ رَبِّي ? [يوسف: 23]، ثم زاد في بيان موجِبِ كفِّ كفِّه عمَّا يؤذيه، فقال: ? أَحْسَنَ مَثْوَايَ ? [يوسف: 23]، فكيف بكِ وأنتِ عبدٌ على الحقيقة لمولًى ما زال يُحسِنُ إليك مِن ساعةِ وجودِك، وإن سترَه عليك الزللَ أكثرُ مِن عدد الحصى؟!




أفما تذكرين كيف ربَّاكِ، وعلَّمك، ورزقك، ودافَع عنك، وساقَ الخيرَ إليك، وهداكِ أقومَ طريقٍ، ونجَّاكِ مِن كل كيد؟![12].




[1] إعلام الموقعين 1 / 250.

[2] إعلام الموقعين 1 / 267.

[3] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبدالرحمن بن ناصر السعدي ص 206.

[4] تيسير الكريم الرحمن ص 213.

[5] انظر: بدائع الفوائد، ص 4/ 144.

[6] بدائع الفوائد 4/ 218، هذه الفائدة الأنسبُ إيرادها في قسم العقيدة السابق، ولفواتِ ذلك أوردتها في قسم التفسيِر، ولها به تعلُّق أيضًا.

[7] تيسير الكريم الرحمن ص 271.

[8] تيسير الكريم الرحمن ص 287.

[9] تيسير الكريم الرحمن ص 195.

[10] تيسير الكريم الرحمن ص 504.

[11] تيسير الكريم الرحمن ص 736.

[12] صيد الخاطر، ابن الجوزي ص 215 - 216.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook