القيمة الإنسانية والاجتماعية للكفارات في الإسلام

الكاتب: المدير -
القيمة الإنسانية والاجتماعية للكفارات في الإسلام
"القيمة الإنسانية والاجتماعية للكفارات في الإسلام




لقد نال الإنسانُ في الإسلام من التشريف والاهتمام ما يرتقي به ويجعله دائمًا في الموقع الأفضل، ووُضِعت القواعدُ والنصوص الثابتة في الدين غيرُ القابلة للتغيير أو التبديل لتجعلَ أمر الارتقاء بالإنسان المسلم موضوعًا دائمًا لا ينقضي ولا ينتهي ما دامت رسالةُ الإسلام، وما دامت السموات والأرض؛ فكان الاهتمام بالإنسان بإقرار الضوابط التي لا يجوز الخروج عنها في كل موطن من مواطن التعامل والطاعات والعبادات التي يقرها الدين الحنيف، وتقرها المعاملات العادية بين الأفراد بما لا يؤدي إلى الخلل الذي لا يرضاه الرب، أو المحظور الذي يفسد العبادات والطاعات، أو تقع عواقبُه على الإنسان نفسه أو المتعاملين معه، وبما يضمن أن تسيرَ الأمور في كل الاتجاهات بما يُرضي اللهَ ورسوله، فتنعكس نتائج هذه المعاملات إذا كانت إيجابيةً على الأفراد، وتحقِّق الرضا والسلام الفردي باعتباره وسيلةً مِن وسائل تحقُّق الرضا والسلام الاجتماعي، وعند حدوث المحظور في العبادات والعلاقات والمعاملات وحدوث الخلل الذي يشوِّه الطاعة أو ينعكس على الأفراد المسلمين بشكل سلبي ومَشين، فإن الإسلامَ وضَع الضوابط والآليات التي تحوِّل هذا الأمر السلبي والمَشين إلى أمر إيجابي يتقوَّم به اعوجاج المسلم، فلا يعود للزلات والنقائص والمخالفات، ويكون بما يحقق له الرضا الرباني الذي يصبو إليه كلُّ مسلم يرغب في جنَّاتٍ عرضُها السموات والأرض.

 

تعريف الكفارات:

بعيدًا عن التوغُّل في التعريفات المختلفة للكفَّارات، يمكننا التوصل إلى تعريف مبسط للكفارات؛ فالكفَّارات - حسَب هذه الرؤية المبسطة - هي وضع الذنوب والآثام، ومحوها، والتحرُّر منها، وإزالة آثارها من الرُّوح والنفس في الحياة الدنيا بالقربات وبالطاعات؛ قال تعالى: ? وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ? [المائدة: 65]، وقال تعالى: ? وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ? [الأنفال: 29]؛ أي: يزيلها ويرفعها ويمحوها، وقال تعالى: ? قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ? [التحريم: 2]، وقال تعالى أيضًا: ? وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ? [النساء: 92].

 

والتكفيرُ مِن الذنوب والأخطاء والآثام أمرٌ يستلزم الجهد والعمل، وبذل النفس والمال حسب ما تقتضيه الحالة، وحسب الطريق الذي يجد فيه المرء نفسه قادرًا على الأداء الذي يكفِّر به عن نفسه، ويتحرَّر من ذنوبه وسقطاته، أو حسب ما يحدده الفقهاء من طرق الأداء التكفيري للعبد الذي يرغب في التكفير والتوبة، وتتنوع الكفارات بالشكل الذي يجعل المرء قادرًا على القيام بأدائها في كل الأحوال والتقرب إلى الله، ومِن أشكال الكفارات: تحرير الرقبة المستعبَدة، أو الصيام، أو النَّحْر، أو إطعام المساكين والفقراء، أو كسوتهم، والكفارات منوَّعة ومتعددة بتنوُّع المخالفات والذنوب والمعاصي التي حدَّدتها الآياتُ في سُوَر القرآن المختلفة، وكما حددتها السنَّة النبوية المطهَّرة.

 

العقوبة البديلة رؤية عصرية بمرجعية إسلامية:

فكرة العقوبة البديلة هي فكرةٌ عصرية انتشرَتْ، وبدأ تطبيقُها في دول وأماكن كثيرة حول العالم، والعقوبة البديلة هي حالة قانونيةٌ، يخضَع فيها الفردُ المخطئ لعقوبات تكفيرية، مِن شأنها القِصاص للمجتمع بطريقة أقل شدة من العقوبات التقليدية السالبة أو المقيدة للحرية، ولكنها بمكان يجعل الفرد المذنب أو المخطئ الذي توقع عليه مثل هذه العقوبات ألا يعودَ إليها مرة أخرى، وهي غالبًا تُنفَّذ في أنواع من الجرائم والمخالفات التي لا تشكل الخطر الكبير على المجتمعات، ومِن مثل هذه العقوبات توقيعُ غرامة كبيرة تدفع لصالح الخزانة العامة للدولة، أو توقيع عقوبة القيام بأعمال وجهود معينة أو إضافية حسب مجال عمل الفرد المذنب لصالح الدولة، وفكرة العقوبة البديلة هي فكرة قريبة ومنقولة من أحكام الشريعة الإسلامية، مِن كتب الكفَّارات وأحكامها تحديدًا؛ فالعقوبة البديلة في هذا الموضع هي الكفارة التي لا يرادُ مِن ورائها التقرب إلى الله بقدر ما يراد من ورائها تقويمُ المذنبين، وإيجاد بدائل رادعة للعقوبات البدنية والمقيدة للحرية في جرائم ومخالفات تقل حدَّتُها بحيث لا تتعرض خلالها المجتمعات والأفراد إلى الخطر الجسيم الذي قد يودي بها، فتسمو الكفارات عن ذلك وترتقي بأنها علاقةٌ خالصة بين العبد وربه، يرجو بها رحمتَه الربانية الواسعة التي يسَعُ مِن خلالها الربُّ الرحيم عبادَه التائبين والمكفِّرين عن ذنوبهم، ويفتح لهم بذلك التطهُّر والتحرر مِن دنس الأخطاء والنقائص التي يقعون فيها، سواء بالخطأ أو بالعمد حسَب الحالة، وهي مِن الأمور التي لا يتطلَّعُ إليها أو يدركها إلا المؤمنون الصادقون مع اللهِ ومع أنفسهم.

 

القيمة الإنسانية والاجتماعية للكفَّارات:

أما عن القِيَم التي تنعكس على الإنسان والمجتمعات من جراء التكفير والتحرُّر مِن الذنوب والآثام فهي كثيرة جدًّا، ومتعددة إلى الحدود التي تجعل الإنسان يُحسِن العمل، ويحسن العبادات ويضبطها، ويقيم حقَّ الله والعباد في الأرض، ويطمع في المغفرة الدائمة والرضوان المستمر، ومِن القيم التي يحققها التكفير والتوبة ما يلي:

الكفَّارات وأبعاد التكامل في رؤية الإسلام لتحقيق التكافل الإنساني:

الإنفاقُ على الفقراء والمساكين بما يحقِّق الكفالة المجتمعية التامة أمرٌ عظيمٌ يحضُّ عليه الدِّين الإسلامي في مواطن كثيرة ومتعددة، بما يشكل حلقة كبيرة تحوط مواطن الخلَل والفقر الذي قد يعتري فئاتٍ كثيرةً مِن الناس، فيعمل على اجتثاثها نهائيًّا، يأتي من قِبل النظرة الربانية لتكريم بني الإنسان على وجه الأرض، فأمر التكريم الرباني للإنسان عمومًا والإنسان المسلم تحديدًا قد تبلور في صور متعددة مِن الدعوات والتكليفات، ووُجدت في الإسلام الآليات التي تحقق ذلك التكريم، لا سيما في المواطن التي تجعل الإنسان في أحلَكِ وأصعب الظروف؛ كالفقر والحاجة والمرض، ومختلف أنواع الكروب والمحن، ومِن الصور التي حثَّت على العطاء لصالح مثل هذه الفئات: حسن التوبة، وتكفير الذنوب والتحرر منها، ورغم أن الشارع الحكيم قد خيَّر العبد الذي يريد التكفير والتحرر من سوء ما قدم بين اختيارات متعددة يجوز له اللجوء إليها من تلقاء نفسه أو حسب ما يراه الفقهاء أنه يؤدي له غرضه التكفيري بما يجعل الربَّ الرحيم يقبَله في رحمته الواسعة بحسن العودة إليه، فإن الرؤيةَ الربانية التي أحسنت الرؤية والتقدير جعلَتْ مِن الكفارات ما ينعكس على أكثر فئات المسلمين فقرًا وحاجة، فبالإنفاق على الفقراء والمساكين وإطعامهم وكسوتهم تتحقَّقُ التوبةُ من الذنوب، ويقبل الله عباده المؤمنين تائبين مجردين من سوء ما قد وقعوا فيه خطأً أو سهوًا أو رغمًا أو لأي من الأسباب، ولقد فصَّل التشريعُ الإسلامي الحكيم في أغلب الآيات الأعداد التي يستطيع المرء الذي يرغب في التكفير والتوبة أن يقوم بإطعامهم أو كسوتهم، وهي في كل الأحوال إحدى الوسائل التي بها تتكامل رؤية الإسلام لصناعة مجتمعات متكافلة إلى أبعد الحدود.

 

المجتمع التائب مجتمَع عمَلي متزن:

الاعتذارُ عن الخطأ والتحرُّر منه وطلب العفو مِن المخطَأِ في حقه مِن القِيَم العظيمة التي تتطهر بها الأنفس والقلوب، وهي سمةٌ لا يتمتع بها إلا الشجعان والفرسان والأقوياء، فبها تُمحى الضغائن، وتزول الآثام، وتسلَم الصدور مِن كل ما يجول فيها من مشاعر سلبية قد تنعكس على المجتمعات فتهلكها، فيعمد التائب المكفِّر عن ذنبه بالاعتذار إلى عدم العودة، والانطلاق في ميادين العمل الصالح بما يرضي الله ورسوله، ويحقق له ما يرغب فيه من مغفرة ورضوان، وفي الحقيقة فإن المجتمع الذي يرغب في العمل الذي يحقق له مبتغاه في الارتقاء والنمو لا يتوقف عند الأخطاء والزلات، فيعمِد إلى الرجوع عنها، والتوبة منها، وعدم الالتفاف حولها بما يجعلها تدور في نفَق مظلِم، وفي طريق به من السلبيات ما يعوق ويقصم الظَّهر، وفيه مِن المغالاة واللغط الكثير؛ فالمجتمع الذي يكفِّر عن أخطائه مجتمع متزن، سيدرك غايته، ويحقق طموحاته، والله يحب التوَّابين، ويحب المتطهِّرين.

 

والله مِن وراء القصد..


"
شارك المقالة:
1 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook